الكتابات والآراء المطروحة على هذه الصفحة في الأسابيع الأخيرة وسعت الاهتمام بفكرة «الوطن العربي الكبير» أو «الشرق العربي الجديد».. بديلا عن الشرق الأوسط (الصهيوني) الكبير أو الجديد.. وقد عكست التعطش الشديد والرغبة الملحة في تجاوز الواقع الحالي، والتحرر من مآزقه، وما تعدد زوايا التناول؛ بما احتوت من اتفاق واختلاف، وتأييد وتحفظ إلا تعبيرا عن جدية واضحة صوب البحث عن بدائل تنتقل من الاعتماد على «استيراد» ما يجلبه مقاولو السياسات الجاهزة وسماسرة المشروعات المعلبة وأباطرة المال غير المشروع، واستغلال ما لهم من كلمة مسموعة ونهائية في ترويجها والعمل بها.. وأثبتت التجربة في العقود الأربعة الأخيرة أن هذه السياسات والمشروعات هي الأنفع للوزراء والمسؤولين المعينين من بين رجال المقاولات والسماسرة والأمن، وفي معيتهم أقارب وأصهار ومحاسيب.. أما الخبراء والعلماء والمفكرون والكفاءات العالية لا مكان لها في عالم المسؤولية الموبوء بغياب الخبرة وضحالة الثقافة وشيوع الجهل!!.
وهذه المرة نعرض لرأي مغاير نسبيا لما سبق، وصاحبه مهندس من بناة السد العالي؛ أطال الله عمره. ومعروف في أوساط الجالية المصرية والعربية في بريطانيا؛ هو كمال بيومي.. ويبني رأيه أن دور مصر في لم شمل العرب يُحمِّلها أثقالا واعتبر ذلك «أمر يذهب بقوة مصر حاليا بلا طائل ونحن في أحوج الظروف إلى الوحدة الداخلية أولا والتركيز على إمكانياتنا القليلة فيما يساعد متطلباتها الكثيرة».
واستقى بيومي حيثيات تعقيبه من أحوال الدول العربية؛ غير البعيدة عن الهيمنة الغربية ومحاولات التلاعب بها والتفرقة بينها. واللافت للنظر هو ما أورده عن السودان ووصف حكمه بالإخواني المعادي لمصر، والذي أضاع جنوب السودان.. ونسب إلى وزير الري السوداني ورئيس وفد السودان في مفاوضات سد النهضة سيف حمد قوله: «إن السودان هي الدولة الوحيدة التي لها (شرف) تهديد مصر في حوض النيل» على حد قوله.. ونقل عن أحمد محمد آدم؛ مستشار وزارة الموارد المائية والكهرباء السوداني: «السد العالي فقد قيمته وأصبح حيطة». وسأل بيومي هل يرجى من ذلك أي تعاون مثمر؟!
وأشار لأثر الفوضى العارمة في ليبيا وقال: »أمامها جيل لحل مشاكلها، التي ما زالت تتأثر بالمصالح الإيطالية». وأثر ما أطلق عليه ارتباطات تونس الفرنسية القوية والنفوذ الإخواني الغالب فيها.. وذكر أن الجزائر تتوجس من التعاون مع الدول العربية ومصر خاصة، وتري أنها أولى بزعامة الدول العربية فضلا عن علاقتها بفرنسا. وقال عن المغرب أنه في واد آخر، ولا يعلق أملا على التعاون العربي وينأى بنفسه عنه ويحسب حساب النفوذ الأمريكي والفرنسي؛ حسب رأيه.
وبالنسبة للوضع السوري يرى بيومي أن استعادة سوريا السيطرة على أراضيها، وتمكنها من طرد الجماعات الإرهابية المدعومة من أمريكا والغرب قد يؤدي إلى تضامنها مع مصر؛ »وربما بدأت الوحدة بينهما»، ويعتبرها نواة جاهزة؛ ينضم لها من يريد من العرب. وقال عن الفوضى العارمة الناتجة عن التدخل الأمريكي والغربي في العراق واليمن؛ أنها مازات تعصف بالبلاد!!.
ويرى بيومي ضرورة إنضاج التوجه العربي «على نار هادئة».. والنظر إلى الخطر الحقيقي على مصر.. وحَسَم أمره بأن «مصير مصر في أفريقيا.. ومع ذلك يذكر أن حكومة السودان تهدد بقفل صنبور المياه عن مصر، وتتعاون مع أثيوبيا التي تأخذ مسارا عدوانيا واضحا في مفاوضات مياه النيل».
والحل في نظره: «هو التعاون والتفاهم في كل المجالات الممكنة مع الدول المحيطة بأثيوبيا؛ مثل إريتريا وكينيا والصومال وتنزانيا… وأيضا جنوب أفريقيا…لخلق جبهة قوية تقف للصلف والتعالي والإستبداد الأثيوبي»..
وإذا كنا ننتظر الانتهاء من تناول التعقيبات والتعليقات والآراء والأفكار، ثم تحليلها واستخلاص نتائجها، فهذا لا يمنع من تكرار القول بأهمية كشف مواطن القوة الذاتية والموضوعية عند العرب.. مع البعد عن الدفاع عن مبررات الضعف، والتصدي لسياسات التبعية وشروط الإذعان؛ ومن ينشد القوة ويسعى إليها عليه امتلاك إرادته.. وهي السلاح الأمضى لمواجهة المشاكل والتحديات.
والدعوة لفكرة «الوطن العربي الكبير» أو «الشرق العربي الجديد»؛ هي دعوة للقوة، ولا تتناقض مع التوجه نحو إفريقيا.. وحين كانت العلاقات العربية العربية متينة في السابق ازدهرت العلاقات الإفريقية. وحل الضعف بين العرب والأفارقة منذ أن جعل السادات القارة الإفريقية «مجالا حيويا» له؛ يعزز به أمركة وصهينة القرار الرسمي المصري، وانتهزت تل أبيب الفرصة لاختراق القارة السوداء؛ حتى أوشكت على إنهاء الوجود العربي فيها.. وسياسة السادات الإفريقية بهذا المعنى أشرف عليها الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة بطرس غالي، وكان رفيقه في زيارة القدس المحتلة وفي توقيع «معاهدة السلام» بحضور مناحيم بيغن ورعاية الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر!!
وأزمة سد النهضة أحد أوجه التغلغل الصهيوني.. ونتاج خلل مزمن في العلاقة المصرية الإفريقية، وتصحيحها يُلزم الدولة المصرية بتصحح أوضاعها العربية؛ بعيدا عن تل أبيب واقترابا من فلسطين وتعاونا مع دول الجوار والتخوم العربية.. وهنا نعرض رأيا لكاتب وصحافي فلسطيني مخضرم ومرموق، ورأيه يمثل إضافة للسياق الأكاديمي والهندسي والعلمي الذي استحوذ على التعقيبات من بدايتها.. إنه رأي الصحافي والكاتب الفلسطيني بكر عويضة قال فيه: «رغم إحساسي بأن ما حصل من تخريب ممنهج للمشروع القومي ـ وهو أمر شاركت فيه قُوى وأنظمة وأحزاب، حُسبت على التيار القومي فأثبتت بالفعل أنها كانت عليه وليست معه ـ بلغ حداً يفوق قدرة أي برنامج على التصويب، وهو إحساس خاص بي، رغم ذلك، يجب أن يبقى باب الأمل مفتوحاً، فمن يدري، ربما بعد كل هذا التمزق غير المسبوق يحدث ما يُفيق، أو يصعق، النخُب العربية على المستويات كلها، في الحكم وخارجه، فيُعيدها إلى إعادة الاعتبار لضرورة احترام الحد الأدنى من حقوق العرب وواجباتهم إزاء بعضهم البعض»!
وبهذه الكلمات فتح الصحافي الكبير بابا للأمل؛ إذا ما تخلص «النخبويون» والرسميون العرب من رهاناتهم على أعداء شعوبهم ودولهم، مع تخليهم عن «العسكرة» في حل الأزمات؛ مشاركة منهم في مخطط «الإبادة الذاتية»؛ بهمة عالية ووحشية بالغة.. وليجربوا ولو مرة الثقة بأنفسهم والاعتماد على ذواتهم، واستغلال ما تحت أيديهم من طاقات وموارد بشرية وطبيعية واقتصادية ومالية استغلالا حميدا ورشيدا..
هذا الحوار المتنوع والحيوي لا يضع صيغا أو أشكالا مسبقة لتطبيق الفكرة محل التناول، وأتصور أن المواطنين هم أصحاب مصلحة حقيقية في العيش تحت في مجتمع صحي ووطن محصن ودولة قوية؛ تنشد العدل والأمن لمواطنيها، وتوفر الحماية لضيوفها وللوافدين إليها، وبذلك تتحقق المساواة وتحفظ للجميع كرامتهم وإنسانيتهم.
وقد أمدنا المهندس المصري عزت هلال؛ خبير البرمجة والمعلومات برؤيته الشخصية، التي قال عنها: تتفق في أغلبها مع رؤية الأكاديمي العراقي المتقاعد د. علي الرفاعي. عن «منظومة الدولة الديموقراطية الحديثة».. وهي رؤية احتوت على أفكار ومعلومات جديرة بالاهتمام.
٭ كاتب من مصر يقيم في لندن
محمد عبد الحكم دياب