يرتكز على عمل وحدة استخبارات لمكافحة الإرهاب: فيلم «سر في عيونهم»… استغلال الحب في البحث عن قاتل

حجم الخط
0

واشنطن – من عماد هادي: في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول / سبتمبر 2001، سادت فكرة «الغاية تبرر الوسيلة»، جراء مناخ الذعر وافتقاد الأمن الذي أمسك بخناق المجتمع الأمريكي، بعد أن حطمت الهجمات الإرهابية أسطورة البلد المحصن ضد الاعتداءات الخارجية تحديداً.
التطبيق المباشر لمبدأ « الغاية تبرر الوسيلة» كان في مجال حماية الأمن القومي، حيث بات كل شيء وأي شيء مشروعا ومقبولا باسم هذا الهدف الأعلى، وهو ما ترجم آنذاك في ما عرف باسم « قانون الوطنية» الذي منح أجهزة الأمن الأمريكية سلطات واسعة في مراقبة ورصد تحركات واتصالات مواطنيها.
هذا هو المناخ الذي تدور فيه أحداث فيلم «سر في عيونهم» في لوس أنجليس للمخرج الأمريكي بيللي راي. اختيار الزمان والمكان عامل أساسي في إقدام المخرج على صنع فيلمه، خاصة أنه إعادة إنتاج لفيلم أرجنتيني بالاسم نفسه من إخراج خوان خوسيه كامبانيلا حاز جائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي في 2010.
في أعقاب هجمات سبتمبر ساد اعتقاد بناء على معلومات استخبارية أن مدينة لوس أنجليس تحديدا هي الهدف المقبل لهجمات إرهابية على المنوال نفسه الذي استهدف نيويورك وواشنطن. لهذا الغرض أنشئت وحدة خاصة من المباحث الفيدرالية «إف بي أي» لمكافحة الإرهاب تابعة لمكتب المدعي العام في المدينة، يعمل فيها كل من «راي كاستن» (تشيوتيل إيجيفور)، و»جيسكا كوب» (جوليا روبرتس)، و»كلير سلون» (نيكول كيدمان)، وهم مكلفون بشكل خاص بمراقبة أحد المساجد في المدينة، يعتقد أنه وكر لإحدى الخلايا الإرهابية. تتلقى الوحدة بلاغاً بالعثور على جثة فتاة قتلت بعد تعرضها للاغتصاب. وحين ينتقلون إلى هناك يكون « راي» أول من يطالع الجثة الملقاة في مكب للقمامة فيتلقى صدمة مؤلمة حين يكتشف أن القتيلة هي « كارولين» ( زوي غراهام) ابنة زميلته وصديقته «جيسكا» التي تصاب بحالة ذهول هستيري وتكون هذه المأساة سببا في انفراط عقد الفريق العامل في وحدة مكافحة الإرهاب.
تقفز بنا الأحداث ثلاثة عشر عاما ونرى «راي» عائدا إلى لوس أنجليس ليعلن لزملائه السابقين أنه عثر على خيط قد يقود إلى قاتل «كارولين» وينجح في إقناع المدعي العام، المنصب الذي تحتله الآن «كلير»، بإعادة فتح القضية. بين الاثنين إعجاب متبادل قديم منذ أن التقيا لأول مرة قبل 13 عاما، وهو إعجاب لا يبدو أن جذوته قد خبت رغم مر السنين، بل على العكس يبدو متوقدا من جديد. منذ هذه اللحظة فصاعدا يظل الفيلم متنقلا بين الزمانين، زمان وقوع الجريمة، والزمن الحالي وهو ما قد يصيب المشاهد بغير قليل من الإحباط وربما التشويش.
فعلى مستوى الحبكة البوليسية يبدو الفيلم كحلقة – أطول من المعتاد- من أحد مسلسلات الدراما البوليسية التي يعج بها التلفزيون الأمريكي من نوعية «سي إس آي Crime Scene Investigation»، أو « L A Law». نحن نتابع التحقيقات الأولية التي يتصدى لها بشكل خاص «راي»، مدفوعاً بتعاطفه الشديد مع زميلته وصديقته المقربة «جيسكا»، لكنه يصطدم بقوة باعتراضات من رئيسه الذي يذكره دائما بأن مهمته الأولى المنوطة به هي مكافحة الإرهاب، وليس ملاحقة القاتل في جريمة جنائية عادية تحدث كل يوم (حتى لو كانت الضحية ابنة زميلة لهم). كما يصطدم « راي» بزميله الضابط «رغ» (مايكل كيللي) وليس بينهما ود مفقود أصلا، حين يشك في أنه يحاول حماية مشتبه فيه معين يلاحقه وعرقلة القبض عليه.
وبعد شجار عنيف وتهديد له، يقر «رغ» بأن المشتبه فيه يعمل مخبرا لصالح الشرطة، وأنه أداة مهمة في التجسس على الخلية المزعومة الإرهابية التي تتخذ من المسجد المحلي وكرا لها. الإضافة الأهم للفيلم هي التي تجمع بين المضمون السياسي وانعكاسه الاجتماعي، خاصة على صعيد العلاقات الإنسانية، فحين تتعرض أمة أو مجتمع ما لمصيبة أو كارثة على غرار أحداث سبتمبر، فإنها غالباً ما تؤدي تلقائياً إلى تكاتف أبناء تلك الأمة وتعاضدهم على نحو شبه غريزي مدفوعين بإحساسهم بالخطر والمصير المشترك. وبالمثل لا يختلف وقع المصائب على الأفراد عن وقعه على المجتمع أو جماعة بعينها.
وهو ما نراه واضحا في تبني «راي» لقضية ابنة «جيسكا»، بداوفع لا تقف عند حدود الواجب المهني، بل لأسباب أخلاقية وإنسانية في المقام الأول، ونحن نرى كيف أنه كانت تربطه بالأم وابنتها علاقة صداقة قوية على المستوى الاجتماعي. التوازي الذي يقيمه الفيلم بين الهم العام/ السياسي والهم الخاص للأم المكلومة وصديقها المتوحد كلية بمحنتها لا يقف عن حد التعاطف. فبالمنطق الأخلاقي نفسه هذا نرى «راي» يتجاوز الكثير من الخطوط الحمراء والقواعد المعمول بها في عمل التحريات، حين يتسلل وزميل له إلى منزل صديقة للمشتبه فيه أثناء خروجها للتريض، وهو ما يوبخه عليه رئيسه (وفي مشهد آخر يضرب زميله الضابط «رغ» ضربا مبرحا لينتزع منه معلومات عن المشتبه فيه). نحن إزاء مبدأ «الغاية تبرر الوسيلة» ذاته، الذي تبنته الدولة أعقاب الهجمات الإرهابية (باسم حمايتكم من الإرهاب، سنقتحم بيوتكم، ونتجسس على اتصالاتكم وعلاقاتكم الغرامية إن اقتضى الأمر)، فما الذي سيمنع الأفراد إذن من انتزاع سلطة القانون لأنفسهم وربما السعي لإنفاذ العدالة الناجزة بأيديهم (لا بيدي عمر).
ونحن نرى مثالا صارخا لهذا المفهوم وتلك الممارسة تحديدا عبر تطور شخصية «جيسكا» التي تبدلت حياتها بين ليلة وضحاها منذ أن فقدت ابنتها، وقد باتت مكرسة تماما لفكرة العثور على القاتل بنفسها ليس لمجرد تقديمه للمحاكمة لينال جزاءه العادل، وإنما لتشفي غليلها وتنتقم لروح ابنتها. وهى لا تني تكرر أنها مدينة لابنتها بذلك، وكيف أنها لهذا السبب تكره عقوبة الإعدام، وأن إنزالها بالقاتل لن يشفي غليلها، بل تود أن تراه يقضي بقية حياته في السجن ذليلا معذبا إن أمكن.
ويخبئ لنا الفيلم مفاجأة مذهلة في نهايته في هذا الصدد تحديدا ستجعل من كل التحريات والمطاردات السابقة بحثا عن القاتل عبثا لا طائل من ورائه، بمثل ما يكشف لنا أن مناخ البارانويا والهستيريا الأمنية يمكن أن يوقع في حبائلة الكثير من العديد من الضحايا.
الفيلم يركز أيضا على مثلث العلاقة الذي يجمع «راي» و»كلير» و»جيسكا». وتبدو العلاقة بينهما ملتبسة أحيانا، بل وإشكالية، وهي بدورها لا تفوت فرصة للغمز من قناة افتتانه بكلير، خاصة حين يبدو متلهفا لدى عودته بعد كل هذه السنين لتجديد «الحب القديم». لكن علاقة الافتتان المتبادل بين «راي» و»كلير» بدورها تبدو ملتبسة، ولا يقودها الفيلم إلى نتيجة بعينها، بل تظل هكذا معلقة من دون حسم. ثلاثتهم تجمعهم مشاعر اليأس والإحساس بالذنب جراء فشلهم حتى الآن في العثور على القاتل. وبين هذه المحاور الثلاث: الحبكة البوليسية، والمضمون السياسي وتداعيات مناخ الهستريا الأمنية وليد الإرهاب، والمثلث الدرامي الغرامي التقليدي (غير المكتمل هنا) يبدو الفيلم وكأنه يفقد بوصلته. فنحن نفتقد تماما ذلك التوتر المحموم الذي نعهده في الدراما البوليسية (ربما بتأثير التنقل المفرط بين الحاضر والماضي بأسلوب الفلاش باك).
وثانياً لا يسعى الفيلم لتأطير وإبراز الرسالة السياسية حول تداعيات الهواجس الأمنية. ولا يبدو الفيلم مهموما بالقدر الكافي بالقضية، بقدر اهتمامه بنسيج العلاقات بين أبطاله الثلاثة. لكن نهاية الفيلم ستكشف لنا أيضا أن الهوة التي تفرق بينه هؤلاء الثلاثة أكبر مما يجمع بينهم، ويبدو أن كلا منهم مقدر له أن يمضي في طريق. الشيء الوحيد الذي يعوض هذا الضعف أو الاضطراب في نسيج الفيلم الدرامي، هو أداء أبطاله الثلاثة خاصة جوليا روبرتس، الأم المكلومة التي لا يمنعها مصابها الأليم من القصاص لابنتها، مهما طال الزمن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية