من يحتضن الإبداع العلمي العربي المهدور؟

حجم الخط
15

لو لم يحدث ذلك في بيتي لما صدقته! وباختصار، أعلن التلفزيون الفرنسي عن توقف بث قنوات TNT المجانية وهي أكثر من دزينة تبث أحلى البرامج والبث سيتوقف عن التلفزيونات التي تعود بتاريخها إلى ما قبل عام 2008 إلا بتزويدها بجهاز خاص معتدل الثمن وأطلقوا شعار: (الصورة بأعلى جودة). ولأنني أفضل هدر المال لا الوقت، وعلى الرغم من ان جهاز التلفزيون عندي يتمتع بالشروط (الشرعية) لأعلى جودة، اشتريت جهازا آخر جديدا خوفا من فخاخ (التكنولوجيا) وهدر الوقت مع (المصلّحين).

التكنولوجيا والفخاخ!

ووصل التلفزيون الجديد إلى بيتي بشاشة شاسعة وكراس لطريقة الاستعمال بحجم قاموس! (لماذا لا يلخصونه في سطور عملية؟) وهكذا فشلت في الالتقاء بقناة واحدة في جهازي الجديد وحملته بعيدا لأعود إلى القديم لكنني أيضا اتصلت بالشركة التي باعتني إياه للشكوى، وارسلوا الخبير، وقال لي ما سمعته دائما: من ان الخطأ في الهوائي (الأنتين) لا الجهاز ـ لأنني جارة «برج ايفل» حيث (الهوائي الأعظم) وباختصار برج إيفل الذي تحسدني عليه صديقتي اللندنية كلما زارتني وشاهدته عبر نافذتي.. يشوش على جيرانه ببثه الأقوى حتى من اجهزتهم الجديدة.
سألت (الخبير): لماذا ما زال تلفزيوني القديم وعمره 3 سنوات يعمل وهذا الأكثر حداثة لا يعمل؟
الخبير قال: لأنه أكثر حداثة ورهافة وبالتالي الأكثر تطلبا للشروط!!..

الهوائي الأعظم: برج إيفل!!

ولأنني مخلوقة واقعية عايشت حرب لبنان طوال عشرة أعوام، لم انفجر بمحاضرة عن مساوئ المبالغة في الدقة التكنولوجية، بل سألته ببساطة: هل بوسعك مساعدتي ليصير هذا الجهاز المتطور الراقي قابلا للاستعمال هنا في هذه الغرفة تجاه هذا المقعد مقابل برج إيفل ونهر السين؟
وهنا، تبدلت لهجته وقال بمودة هل لديك «علاّقة» ثياب معدنية من تلك التي يعطونك إياها عند «الكواء» مجانا؟
كدت أنفجر ضاحكة! لم أتوقع ان يطلب مني المصلح إحضار (علاقة) ثياب ليعلق معطفه.
امتثلت، ولكنه نجح في إدهاشي انا التي لم يعد في هذا العالم ما يدهشها.

هل أنت لبناني؟

تناول (الشماعة/العلاقة) وسألني: هل لديك شريط لاصق؟ أعطيته ما طلبه. وهنا، قام بتدوير جزء من علاقة الثياب لتصير شبه منحنية وأدخلها في الثقب المعد للهوائي العصري المتطور، وألصقها على جهاز التلفزيون بالأشرطة لكي لا تقع وطلب مني تجريب التلفزيون بقنواته كلها وشعرت بأنني أعيش داخل «مسرح اللامعقول» الذي يلهب شهوتي للكتابة!!!
ويا لدهشتي فقد عمل جهاز التلفزيون الجديد! ها هو جهاز تلفزيون من القرن الـ21 يعمل على طريقة القرن التاسع عشر… إنه الزواج بين التراث والمعاصرة بأطرف معانيه.. وعايشته في بيروت أيام الحرب ولست بغريبة عن مناخاته ولذا سألت الخبير التكنولوجي (كما سمته الشركة التي باعتني جهاز التلفزيون): هل أنت لبناني؟
واعترف بأنه كذلك، وأمه تونسية!!
وسألني: كيف حدست ذلك؟
قلت له: لا يمكن ان يخطر ببال (متحضر) فرنسي من أم وأب فرنسيين هذا الحل. كان سيفتش عن الهوائي عندي ويرى ما اذا كان شريطه نصف معطل كما يقتضي العلم لا تدبير الحال رغم المحال.
قال: هذا ما سأفعله الآن، فأين مصدر شريط الهوائي عندك؟
قلت له: انه مطمور بالكتب كما ترى، وسأتصل بك بعد افساح المجال له حين اجد مكتبة في باريس ترضى بكتبي العربية كهدية..
أتساءل: ترى هل في الزواج بين خبرات العالم الأول والعالم الثالث الحل للكثير من تعقيدات عالمنا المعاصر؟

الكتب وأميري سلمان

لدي كتب مكومة حتى عنقي! انه الإدمان الذي ما من مصح يشفيك منه: إدمان الكتب. وهو (جرثومة) في أسرتي!
يوم ذهبت إلى لندن لمتابعة دراسة الدكتوراه في الأدب حللت أولا في الغرفة الصغيرة لأميري سلمان. أميري الدمشقي أخي الطالب في جامعة (الإمبريال كوليدج) اللندنية الشهيرة، وكانت غرفته صغيرة حقا تكاد لا تتسع لهرة تقيم معه ولكنني اقترفت ذلك ريثما أحصل على غرفة في المبنى ذاته.
وذات صباح، كنت استعد للذهاب إلى الـ«بي بي سي» وبالذات إلى القسم العربي في دار الاذاعة البريطانية في (بوش هاوس) ـ هولبورن ـ لموعد مع رئيس قسم الدراما هناك (يومئذ) الطيب صالح حين قرع الباب بائع «الإنسايكوبيديا بريتانيكا» أي الموسوعة البريطانية ليبيعنا إياها.
ولم يتردد أميري الدمشقي سلمان في شرائها بالتقسيط بعدما أيدته في ذلك بشدة وشجعته ووضع فراشه فوقها لأنني كنت قد احتللت سريره!! واليوم يكرر الأمر نفسه في شقة باريسية واسعة، وعليّ التخلص من أكوام الكتب كلها المثقلة على هوائي التلفزيون في بيتي.. وقلبي لا يطاوعني!

من يحتضن الإبداع الشاب؟

فقط حينما مضى ذلك الشاب الفرنسي عربي الأصل جدا تساءلت: أليس فيما فعله ما كان يصلح اختراعا يريحنا من «الهوائيات» لو وَجَدَ من يحتضن موهبته العلمية وقدرته على الابتكار؟
الهوائيات بشعة الشكل تكاد تغطي الكثير من شرفات المدن العربية، فهل اكتشف ذلك العربي اختراعا عالميا يمكن به إلغاء (الهوائيات) لو تبنـته شركة تقوم بشراء براءة الاختراع من الشاب وتقوم بتطبيق ذلك عمليا ونتجاوز بذلك زمن الهوائيات) وسواها؟
أهو موهبة أخرى عربية مهدورة في الغربة والوطن أيضا في أزمنة غير ودية للعرب؟ وكم من امثاله بمعارف متقدمة إبداعية علميا فقدنا؟ وهل النماذج العلمية العربية الناجحة في الغرب من أمثال زها حديد هي الاستثناء الذي يؤكد القاعدة؟ كل ما أدريه ان على اوطاننا العربية ان تحتضن أبناءها وقدراتهم العلمية على الابتكار بدلا من ابتكار المزيد من الاساليب في القتل الذاتي والهدر والتهجير.

غادة السمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية