نشطت الرواية الأفغانية في ظل الحروب التي اكتسحت المنطقة هناك، كل حرب حيثما وقعتْ تنتج بالضرورة روائييها وسارديها وكتابها، ولنا مثال في ذلك الحرب اللبنانية التي أنتجت العديد من النصوص التي ما انفكت تكتب عن هذه الحرب حتى كتابة هذه السطور. وكذلك هي الحرب السورية التي أشعلت أفق الكتابة السردية بمروياتها وحكاياتها الغرائبية لكتاب وروائيين مُحدَثين ومُكرّسين، نساء ورجالاً. صبايا في بدايات حياتهن الأدبية أنتجن روايات مقلقة وفاتنة وتُخبر عن جهد ودراية بمنتوجهن الإبداعي ضمن كوكب العمل الروائي. وكذلك هو الأمر مع الرواية العراقية التي ما فتئت تتقدّم في هذه الصناعة الجمالية وبدفق ووتيرة عاليين، كون الحرب في العراق، لما يزل أوارها مشتعلاً بين الناس والحكام الجدد من جهة، وبين التنظيمات الإسلامية المتطرّفة من جهة أخرى. هذا ناهيك عن الحربين العالميتين اللتين ما برحتا تغذيان الكتابة للروائيين العالميين الضالعين في عالمهم هذا والحروب الأهلية، أبرزهم ما كتبه حائز جائزة نوبل الفرنسي مودياني وهمنغواي وريمارك وستيفان زيفايغ واندريه مالرو وكامو وعمالقة كبار لا يحصون، كانت الحرب مادة خصبة ومتنوعة لكتاباتهم الإبداعية والروائية.
ثمة روائيون آخرون تابعوا وكتبوا وأبدعوا روايات كثيرة، عن حرب البوسنة والهرسك والحرب الفيتنامية والأفغانية، والأخيرة دوّن بعض صفحاتها كتاب كبار، يبرز من بينهم رحيم عتيقي الأفغاني الذي يعيش في فرنسا، وآخر ما صدر له هو هذا الكتاب، التحفة الفنية الرائعة «ملعون دوستويفسكي» وبترجمة نضرة ولامعة ومتمكنة من صالح الأشمر الذي اجتهد كثيراً في تنشيط العربية داخل النص المُتَرجم.
تروي رواية «ملعون دوستويفسكي» أحداث جريمة وقعت في حي من أحياء قندهار، بطلها فتى حائر، ومثقف وإبن لشيوعي سابق، يقترف جريمة، مقلداً فيها عبر قراءاته الكثيرة لجريمة قتل راسكولينكوف بطل رواية «الجريمة والعقاب لديستويفسكي، متماهياً مع تلك الجريمة البشعة، محاولاً فيها قتل عجوز مرابية، جشعة، وقوّادة، همّها الأساسي جمع المال والإيقاع بالفتيات الأفغانيات لحاجتهنّ الماسّة إلى المال، مثل أيّ كائن بشري. ولكن عبد الرسول وهو بطل الرواية والراوي معاً والشخصية المحورية فيها، يقع في حيرة من أمره، والحيرة تتمثل في الاستيهام الذي راوده طيلة صفحات الرواية وفصولها الشيّقة والموحية في قتل تلك المرابية التي كانت تعمل خطيبته أو حبيبته عندها من أجل الديون المتراكمة على هذه العائلة، نتيجة أجور البيت وديون لرهونات من المصاغ الذهبية لديها تحتفظ بها في خزانتها المنزلية.
تحمل هذه الرواية، دوالّها ورموزها ورؤاها الفنية، عبر طابع السرد الحكائي الممتع والشيّق، في فنّ سرد هذه الحكاية، التي تتماهى وجريمة العقاب لدوستويفسكي. رحيم عتيقي يتحفنا بروايته المضغوطة والمكثفة بصيغة شبه شاعرية، والمكتوبة بلغة رفيعة وعالية، وهي ما كشفته الترجمة التي حاولت أن تولّد المشتقات اللغوية والتعابير والجمل الشاعرية القريبة من أجواء هذه الرواية، ليس هذا حسب، بل حاولت أنْ ترسم عالمها بدقّة، كونها تحمل فعلها في جريمة القتل، وهذا ما أدى برحيم عتيقي أن يجعلها رواية قريبة من التداول، بسبب نزعتها البوليسية، أي أنها مكتوبة لكي تقرأ من قبل عدد كبير من القراء، ولكي تكون من خانة البيست سلير ايضاً، كما هي روايات رحيم عتيقي بشكل عام. فالرواية تمثل عالم أفغانستان وتختصره بهذه الجريمة التي، تدل على سهولة القتل، وسهولة انتشار السلاح والميليشيا، وانعدام الأمن، وغياب القانون، وسيادة العنف، والقوة، وعوامل الكراهية بين صفوف الناس المستضعفين أصلاً، والخارجين من أردية حروب عدّة، حرب الروس ـ السوفييت واحتلالهم لهذه الأرض الخصبة والهامّة، من ناحية موقعها الجغرافي، وحروب الأمريكان، ومن ثم حروب الجماعات الدينية التي، أقامت القواعد على أرضها، مثل حركة طالبان، وغيرها من الحركات الإسلامية المتطرِّفة، كالقاعدة وهي المثال الأسطع والأبرز بين تلك الجماعات المسلحة، تلك التي أسّستْ لها مشروعها الخاص الذي هزّ هيبة الدولة، وجلب القوات الأمريكية، لكي تحارب كل هذه القوى، فوق هذه الأرض الطعينة والجريحة.
تتلخص الرواية إذاً وكما نوّهنا أعلاه بشخصية بطلها عبد الرسول الذي قام بجريمة قتل خيالية، وندم عليها فسلّم نفسه للقضاء المهزوز والغائب أصلاً، لتقوم بعد ذلك التفاصيل الكثيرة التي حدثت لهذ البطل منكود الحظ والذي يُقدِّمه الروائي عتيقي كرمز لانهيار البلد وسيادة السلاح بلا حسيب ورقيب فيه، وحتى القاتل باستطاعته الإفلات من الجريمة، والتخفّي بين الجموع التي يضيع بينها القاتل، وكذلك تضيع حقوق القتيل ومن قتله، في بلاد تسودها الفوضى وغياب الحريات الشخصية، كغياب حقوق المرأة والتعليم والمستلزمات الصحية للجرحى، بفعل غياب المستشفيات والعناية بشؤون الطفل والفتيان الضائعين بين السلاح المنتشر بكثرة، وعالم الحشيش والدعارة التي تتكاثر في أزمنة القتل وفي ظل غياب الأمن والقانون والقضاء أيضاً.
هذا القضاء الذي سيُفاجأ بشخص قادم ليسلم نفسه له، كون ليس هناك محاكمات عادلة، ولا قضاء عادل ولا دستور صريح يحاسب الكل وفقه، بل هناك شريعة غاب والكل يسعى فيها لكي يكون هو السيد والحاكم والرئيس.
من هنا سوف لا يجد القارئ، أي أثر لا للقتيلة ولا لأدوات القتل ولا أيّ أثر للمجوهرات التي اتهم نفسه بسرقتها ولا للشهود ولا لأدق تفصيل، يشي بالقيام، بهذه الجريمة الوهمية التي اعتمدت الإستيهام، والإيحاء كطريقة لإثبات الفعل، كل ذلك يأتي عبر استيهامات عبد الرسول الذي يحاول إقناعنا بجريمته التي بدأها في ذلك اليوم من أيام سيرته القلقة والمقلقة لأصحابه وجيرانه، من أمثال رازمودين قريبه وسنده الدائم، وكذلك صوفيا حبيبته وهناك إلى جانب صديقته، أخته وخطيبها الجديد، وأمّه التي يحاول ارضاءها بشتى الأفعال، كونها الأم في النهاية، وهناك يرمو جاره وزوجته وابنتاه وجمع من الأصدقاء الذين يلتقيهم في الشاي خانه مشكلين مع القادة والقاضي وبعض الحراس والأصدقاء ذلك العالم الصغير والبسيط وكذلك الفائر بالمفاجآت والحوادث والقتل والإنفجارات التي تحدث هنا وهناك.
شيء من الفانطازيا يتخلل هذه الرواية الممتعة، شيء من الغموض الموحي، من عدم الكشف عن اللغز المستخفي، الإبهام يتقدم في الرواية ولكن بطريقة متقنة، ولعينة، وعارفة بأسرار الكتابة. كل عمل يقول ما عنده دفعة واحدة وبوضوح مباشر، يبقى عملاً ناقصاً، تشوبه الشائبات. أن تكون مكشوفاً في عملك الإبداعي، هو أن تكون عرضة للهبوط والتنازل الجمالي، عرضة للوصف والسرد المضني والحشو البرّاق. لكن رحيمي في عمله هذا يلف ويدور ويحتال على المعنى والوصف والسرد، ليقدم الخلاصة مشوبة بالتلميح الشاعري، حتى نهاية الرواية، يحاول بطلها تجنّب المطبّات الكلاسيكية المعهودة، فيلجأ إلى التورية، والإيهام.
في مفصل بارز من مفاصل الرواية، يفقد البطل صوته، نتيجة صدمة مرّوعة، غبّ تنفيذه لجريمته الوهمية، والمُتَعمِّدة حسب قوله، وحين يصف عبد الرسول بعض المشاهد يسعى أن يحوّلها إلى وصف كوميدي، فيه نوع من الجاذبية والفطنة التي لا تتأتى إلا للأعمال الباقية والدقيقة والمشغولة بحس فني وبلاغي عال، فمشهد القاضي الذي يدور حوله الذباب، وهو ينشّه، وكذلك مشهد الحمامة في غرفته، ومشهد إخراج شيء ما عالق بين أسنانه، وبعض مشاهد الشاي خانه مع بعض المقاتلين والمهزومين من الحياة، كلها كانت مرسومة بدقة وعناية، وهنا يصح قول معلق صحيفة «اللوفيغارو» الفرنسية حول رواية عتيق رحيمي هذه قائلا ً: «أي سحر يستعمل المؤلف ليضحكنا وهو يصف مواقف تراجيدية».
تمضي الرواية سلسة، حتى نهايتها، دون أن يتضح لك وأنت تقرؤها، هل كان عبد الرسول، قاتلاً؟ وإذا كان كذلك أين جثة المرأة المقتولة؟ رغم وجود مُدبِّرتها التي تساعدها في ترتيب البيت، ووجود أيضاً خطيبته التي تأتي لتساعدها أيضاً، في بعض شؤون المنزل وتخدم عندها، لإيفاء بعض الديون المتراكمة عليهم، ومن ثم تسخير الفتيات في عمل يقع خارج أرادتهن، لتكونا ضمن هذه الفوضى الضاربة للبلد كبائعات هوى عبر «نانا عليا» العجوز المقتولة، ثمة شخوص يظهرون ويختفون، مثل القاضي، وداوود شقيق خطيبته، وفرزان وبرويز الحاكم والمسؤول، وعامر سلام، ومصطفى، وكاكا سرور، الذي كان يتلو آيات من القرآن وهو سكران، ولكنه قتل بعد أن لاحظه أحد المسلحين وهو يقوم بتلاوة إحدى الآيات في الجامع وهو شبه مطفأ بفعل الشراب الذي تناوله، ناهيك عن الحشيش المتفشي بين المقاتلين والفتيان العاطلين عن العمل.
«ملعون دوستويفسكي»:
عتيق رحيمي
ترجمة: صالح الأشمر
دار الساقي، 2015
صفحة 240
هاشم شفيق