مدينة كانو النيجيرية: حاضرة ثقافة عربية ـ إسلامية وإمارة عباسية تنير افريقيا

حجم الخط
4

نواكشوط ـ «القدس العربي»: الداخل إلى مدينة كانو عاصمة الشمال النيجيري وثالث أكبر مدينة نايجرية بعد لاكوس وإيبادان، يخيل إليه أنه داخل لفاس أو لمراكش؛ ذلك أن هذه المدينة التي هي ثاني مدن نيجيريا سكانا إذ يقطنها ثلاثة ملايين نسمة، مشهورة منذ قديم الزمان بالطراز العمراني المغربي المتميز لبواباتها المتعددة ولأسوارها العظيمة التي تحيط بها إحاطة بياض العين بسوادها.
وكانو هي عاصمة ولاية كانو إحدى الولايات الست وثلاثين المكونة لجمهورية نيجيريا الاتحادية وهي القلب الاقتصادي لنيجيريا، ومركز الإشعاع الثقافي لغرب افريقيا.
تعتبر مدينة كانو عاصمة بلاد الهوسا أو ما يعرف الآن بنيجيريا الشمالية، وجزءًا من جمهورية النيجر، وكانت تقع في العصور الوسطى في المنطقة المحصورة بين سلطنتي مالي وصنغي غربًا، وسلطنة البرنو شرقًا، تحدُّها من الشمال بلاد أهير والصحراء الكبرى، ومن الجنوب ما يعرف الآن بنيجيريا الجنوبية.
والهوسا (أو الحوصا) مصطلح يطلق على الذين يتكلمون بلغة الهوسا، ولذلك فليس هناك جنس يمكن أن يتسمى بهذا الاسم؛ إذ إن الهوسويين لا ينحدرون من دم واحد، بل جاء أغلبهم نتيجة امتزاج حدث بين جماعات قَبَلِيَّة وعِرْقِية كثيرة، أهمها: السودانيون أهل البلاد الأصليون، والطوارق من البربر، والفولانيون وغيرهم.
ونتج عن هذا الامتزاج هذا الشعب الذى أصبح يتكلم لغة واحدة، هي لغة الهوسا التي انتشرت انتشارًا كبيرًا في افريقيا الغربية، حتى أصبحت لغة الناس والمعاملات المالية والتجارية.
وعلى الرغم من أن المتكلمين بلغة الهوسا في هذا الجزء من القارة الذي يعرف الآن بنيجيريا كانوا يعيشون متجاورين، ويتكلمون لغة واحدة، ويدين معظمهم بالإسلام، فإنهم لم يعيشوا تحت حكم دولة واحدة، بل كَوَّنُوا سبع إمارات صغيرة، تُعرف باسم إمارات أو ممالك الهوسا، وهي: كانو، وكاتسينا، وزاريا، وجوبير، ودورا، ورانو، وزمفرة.
وغالبية سكان كانو هم من قبيلة الهوسا ويتكلمون الهوسا المكتوبة بحروف عربية على نطاق واسع.
يذكر بعض المؤرخين أن أول من بنى أسوار كانو هو الأمير «غجيما سو» 1095 ـ 1134، لكن توسعت هذه الأسوار والبوابات بعد ذلك وبخاصة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر اللذين شهدا حركة إصلاح إسلامي، وتوسعات اقتصادية، وهجرات متعددة إلى المدينة.
كما شهدت كانو توسعًا كبيرًا في القرن السادس عشر في عهد السلطان محمد نزاكي 1618 ـ 1623، وبعد قيام حركة الجهاد الإسلامي في القرن التاسع عشر تحولت مدينة كانو إلى إحدى الإمارات النيِّف والثلاثين التابعة للخلافة الإسلامية الصوكوتية، وأدت دورًا كبيرًا في تقوية الأسس المالية، والعسكرية، والسياسية لدولة نيجيريا الاتحادية.
وتشتهر مدينة كانو بحرفييها المهرة في النسيج وصناعة الصبائغ الملونة للملابس، وكانت المدينة وما تزال هي أغنى الولايات النيجيرية الشمالية التي تهيمن عليها قبيلة الهوسا.
وتشتهر كانو بأراضيها الخصبة، وزراعتها المعطاء التي كانت عصب الاقتصاد النيجيري قبل اكتشاف البترول.
وقد اشتهر الهوسويون الكنيون بالمهارة في الزراعة والصناعة والتجارة، وقد استغلوا موقع بلادهم المتوسط بين السودان الغربي والسودان الشرقي في الاشتغال بالتجارة، ولذلك مهروا في هذه الحرفة، وكانوا من أكثر التجار مغامرة، وكانت قوافلهم تخترق الصحراء الكبرى ثلاثة أشهر من كل عام؛ لتزوِّد طرابلس، وتونس وغيرهما من بلدان شمال افريقيا بمنتجات بلاد السودان من ذهب وعاج ورقيق.
كما اخترقت قوافلهم مناطق الغابات في الجنوب؛ حيث وصل نشاطهم التجاري إلى نوب، واتجهوا شرقًا إلى برنو؛ حيث فتحوا طريقًا للتجارة عام 856هـ ـ 1452م، وتوغَّلوا في الجنوب حتى حوض فولتا الأوسط.
وقد أصبحت طرق التجارة الخارجية، وخاصة التي تخرج من بلاد الهوسا، متجهة شمالا إلى أهير وتتصل عندها بالطرق الرئيسية المتجهة إلى غات وغدامس وفزَّان وتكدا وبرنو مفتوحة ومستعملة بطريقة كافية ومنظمة، وأصبحت مألوفة جدا للمسافرين والتجار؛ مما شجَّع العلماء والباحثين على زيارة بلاد الهوسا بكل سهولة وارتياح، كما شجَّع التجار المغامرين على ارتيادها.
زار كانو العديد من الرحَّآلة والعلماء والباحثين الغربيين خاصة في القرن التاسع عشر، وكان أشهرهم الرحالة الألماني الشهير هزيك بارث الذي تفقد المدينة نيابة عن التاج البريطاني في منتصف القرن التاسع عشر، وكتب عن مجتمعها، واقتصادها، ومعمارها، ووضعها العسكري والسياسي، وكان ذلك يمثل بداية الاتصال الأوروبي الاستعماري بالداخل.
تعرضت مدينة كانو لغزو المستعمر الانكليزي كغيرها من إمارات خلافة الدولة الصوكوتية عام 1903م، وأدى ذلك لهجرة عدد غير قليل من مواطنيها.
دخل الإسلام إلى كانو منذ زمن قديم عن طريق التجارة، وذهب كثير من المؤرخين إلى أن من اعتنق الإسلام من ملوك كانو هو علي ياجي «طنْ ظامِيا» في عام 1349 ـ 1385م:
ومن البواعث التي أدت إلى انتشار الثقافة الإسلامية واللغة العربية في كانو زيارات جهابذة علماء البلاد العربية والإسلامية من أمثال الشيخ مـحمد بن عبد الكريم المغيلي العالم المشهور الذي ساعد في تأسيس الدولة الإسلامية حيث أشار إلى أمير كانو بتكوين مجلس استشاري يضم الوزير والقاضي والإمام وبعض رجال الدولة.
وتولى الشيخ المغيلي القضاء والإفتاء في كانو وألّف كتبا كثيرة ودرس فنونا عدة.
كان للحركة الإصلاحية التي قام بها الشيخ عثمان بن فودي في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي دور عظيم في انتشار الثقافة العربية والإسلامية في كانو حيث جعلت الثقافة العربية في المقدمة وأصبحت اللغة العربية لغة رسمية في كانو.
كما قامت المدارس القرآنية بدور فعال في وضع اللبنة الأساسية للثقافة العربية والإسلامية شأنها شأن المسابقات القرآنية التي ساهمت في نشر هذه الثقافة على نطاق واسع.
وكان للطباعة بالأحرف العربية دور فعال في نشر الثقافة العربية والإسلامية في كانو.
وشهدت كانو معارك علمية حامية الوطيس بين العلماء كان لها أثرها البالغ في تنشيط الثقافة العربية والإسلامية في كانو لما تمخض عنها من تأليف للكتب.
أدت الهجرات من وإلى شمال نيجيريا لانتشار الإسلام، ونموِّ الحركة الفكرية، وازدياد تأثير الثقافة العربية الإسلامية، وسيطرة تجار الهوسا على النشاط التجاري في جميع أنحاء السودان الأوسط، وتضخمت جالياتهم في كل المراكز التجارية المهمة، وأصبحت لغتهم لغة التخاطب العامة في الأسواق والمعاملات المالية والتجارية، وازدادت سيطرتهم على التجارة في بلاد السودان بعد انهيار سلطنة صنغي الإسلامية أمام الغزو المرَّاكُشي سنة 1000هـ = 1591م، ما أدَّى إلى تحول المجرَى الرئيسي للحركة التجارية إلى بلاد الهوسا، وقفزت كانو وكاتسينا بصفة خاصة إلى مكان الصدارة والشهرة باعتبارهما مركزين مهمين من مراكز التجارة والحضارة فى ذلك الحين، خاصة بعد أن أصبحتا من أهم مراكز الإسلام في تلك المنطقة من بلاد الهوسا.
وقد انتشر الإسلام في إمارات الهوسا السبع في فترة مبكرة إذ دخل الإسلام فى إمارة كانو في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي، وفي باقي الإمارات في أوائل القرن الرابع عشر الميلادي، وكان لاعتناق حكام إمارات الهوسا الإسلام، بالإضافة إلى ما اتَّسمُوا به من العدالة وحب الرعية أثر كبير في انتشار الإسلام بين الناس، فازداد تمسكهم به وازداد تفانيهم وإخلاصهم له.
يحكم مدينة كانو ولحد اليوم ضمن نيجيريا الاتحادية، أمراء منحدرون من أصل عباسي وينتمون لأسرة الحاج عبد الله بايرو ويدعى الأمير بلقب السنوسي، ويتميز نظامهم الأميري بمظاهر احتفالية باذخة تتكرر كل يوم منذ قرون.
ويحيط بالأمير حراس مدججون بالسيوف والنبال والخناجر ويؤدي الأتباع كل حسب درجته فروض الولاء والطاعة كلما خرج الأمير من قصره إلى ديوان حكمه.
وتتوزع حاشية الأمير إلى طبقات تبدأ بنائب الأمير وكبار المستشارين، يليهم الخلفاء والمقدمون، ثم الأتباع، ثم بعد هذا العامة، وفي قاع السلم الطبقي يقبع ضاربو الدفوف والزمارون.
ويعتمد أفراد هذه الحاشية ـ اقتصاديا ـ على البيت الحاكم، فيه يأكلون ويفترشون أديم أرضه، وجل تعليمهم تقليدي قائم على القرآن والسنة، والأوراد، والأذكار والأناشيد الصوفية.
وعن الواقع الاجتماعي لساكنة كانو يقول الشيخ محمد ناصر محمد إمام مسجد الشيخ عبد الله بايرو «هناك فقر في نيجيريا، لكنه فقر غريب فالبلد يتوفر على كل شيء: ففيه البترول وكل الثروات موجودة لكن الناس تكاسلوا وتقاعدوا عن العمل، كل منهم يريد أن يجد المال بلا كد، وهذا أمر غريب».
وأضاف «دائماً كنا نحض الجماعة ـ وعلى رأسنا الأمير ـ أن الإسلام دين عمل، والإسلام دين اقتصادي، قال الله تعالى (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) فلذلك دائماً وظيفتنا هي حض النيجيريين عموما وخاصة الكانويين، على أن يقوموا على العمل والاعتماد على الذات».
بعد انتشار الإسلام في هذه الإمارات، كثر وفود العلماء إليها للدعوة ونشر الإسلام وتصحيح العقيدة بين أهلها، فقاموا بإنشاء عدد كبير من المساجد كمراكز لنشر الدعوة الإسلامية في هذه الإمارات وما حولها من المناطق الأخرى، ونجحوا في القضاء على الوثنية التي كانت منتشرة بين السكان قبل دخولهم في الإسلام.
وقد وجد هؤلاء العلماء في هذه الإمارات الأمن والطمأنينة، ما دفعهم إلى إحضار مؤلفاتهم، وخاصة في علوم اللغة والأدب والتوحيد، ورحَّب بهم حكام هذه الإمارات، فازدهرت الثقافة واتسعت مجالاتها بجهود هؤلاء العلماء، كما ازداد عدد الرجال المتعلمين؛ حيث كان العلماء يعلِّمون الناس الآداب والثقافة الإسلامية باللغة والحروف العربية.
ومن العلماء الذين يرجع إليهم الفضل في نشر الإسلام والثقافة الإسلامية في هذه الإمارات الشيخ عبدالرحمن زيد الذي مارس نشاطه في الدعوة في إمارة كانو، والشيخ محمد بن عبدالكريم المغيلي فقيه توات الشهير الذي رحل إلى كانو وكاتسينا، ونشر فيهما عقيدة الإسلام الصحيحة، والشيخ عبده سلام الذي أحضر معه كتب «المدوَّنة» و»الجامع الصغير» والشيخ القاضي محمد بن أحمد بن أبي محمد التاذختي المعروف باسم «أيد أحمد» بمعنى ابن أحمد الذى وَلِىَ قضاء «كاتسينا» وتُوفِّى نحو سنة 936هـ = 1529م وغيرهم.
كان لجهود العلماء والتجار القادمين إلى بلاد الهوسا والمحليين أثرها الكبير في نشر الإسلام في هذه البلاد منذ القرن الثاني عشر الميلادي، وأصبحت كانو، مركزا إسلاميا ساطعا في هذه البقاع من القارة، وتألَّقت فيها الثقافة الإسلامية، وكان لها فضل كبير في نشر الثقافة الإسلامية بين سكانها وغيرهم من البلاد المجاورة، فإمارة كانو يرجع إليها الفضل فيى نشر الإسلام شرقًا حتى حدود برنو، وإمارة زاريا يرجع إليها الفضل في نشر الإسلام في أواسط بلاد الهوسا، وجنوبيها في حوض نهر فولتا، وكان علماء تمبكتو ـ التي تقع على نهر النيجر ـ يرحلون إلى هذه الإمارات، كذلك رحل إليها علماء من مصر، من أبرزهم الإمام جلال الدين السيوطي المتوفى سنة 911هـ = 1505م والذي نشأت بينه وبين أمير كاتسينا علاقة طيبة، وهناك ما يدل على أن الإمام السيوطي رحل إلى هذه الإمارة وعاش فيها زمنًا، يعلِّم الناس ويفتيهم، وعاد إلى مصر سنة 876هـ = 1471م، واتصلت المراسلات بينه وبين علماء هذه البلاد، كما اتصلت بينهم وبين علماء مصر وبلاد الحجاز وغيرهما، ما يدل على التواصل الإسلامي، وعلى صلة بلاد الهوسا بالعالم الإسلامي سواء في افريقيا، أو غيرها من القارات.

عبدالله مولود

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية