وجها لوجه مع مطبخ أردوغان وحوار لـ«القدس العربي» مع أمر الله إشلر: أسقطنا مؤامرة «تمصير» تركيا وأحبطنا محاولة «إنقلاب»

أنقرة ـ «القدس العربي»: لا يمكن تصنيف نقاش حيوي معمق مع لاعب سياسي وبرلماني تركي أساسي في معادلة الحكم التركي هذه الأيام من وزن أمر الله إشلر إلا بإعتبارها «مواجهة حوارية» ممتعة وصريحة لا تنقصها الجرأة مع طريقة تفكير مطبخ الرئيس رجب طيب أردوغان.
ذلك ليس فقط لأن إشلر خرج من موقع نائب رئيس الوزراء في حكومة الأغلبية التركية، أو لأنه أحد ثلاثة زعماء مرشحين بقوة للمستقبل باسم حزب التقدم والعدالة، أو لأنه مبعوث مكلف رسميا بالملف الليبي أو لأنه يترأس لجنة الأمن والإستخبارات في البرلمان، ولكن لأن إشلر متابع دينامكي وحيوي لكل صغيرة وكبيرة في الجوار العربي والإقليمي والدولي ويتحدث بطلاقة وفصاحة العربية ويطلع على دقائق الأمور ولديه مستقبل ملموس حسب الآخرين.
والأهم لأنه صريح ويعلق على الملاحظات والإستفسارات التي طرحتها «القدس العربي» باسم الشارع العربي وما يدور فيه بخصوص بلاده بجرأة ووضوح يفتقد أحيانا للدبلوماسية ومفعم أحيانا أخرى بالملاحظات الحائرة حول مبررات وخلفيات مشاركة بعض الأطراف «العربية» كما يلمح في أولا إساءة فهم تركيا وتشويه صورتها قصدا، وثانيا الحرص على إيذاء الذات فقط نكاية في ما يسميه «الإلهام التركي».
بالنسبة لإشلر التجربة التركية وبحكم الجوار والتجانس الثقافي في بعض الأحيان تنطوي على إلهام «يقلق» كثيرين في الغرب والجوار. وخلال موجة الربيع العربي حاول البعض خصوصا في وسائل الإعلام العربي تشويه هذه القيمة خوفا من تداعيات تصدير الإلهام لبعض الشعوب في المنطقة.
هذه ليست مشكلة تركيا التي اختطت طريقها الديمقراطي والمنجز اقتصاديا بعد سلسلة طويلة من المعاناة من الإنقلابات العسكرية. وبدلا من تلمس تلك المناطق المنتجة بالتجربة التركية وتفهمها وإستثمارها عمل البعض بنشاط على التشكيك بالتجربة وأهدافها واسترسلت عملية «تخويف» وتخوف الغرب من نمو الحالة التركية، فيما عمل البعض الآخر في «الشرق» وللأسف على إنتحال التخويف والعزف على اسطوانته.
الجهات الغربية التي تعادي التجربة التركية في رأي إشلر لأسباب اما إستعمارية أو اقتصادية أو حتى إنتقامية وتراثية وجدت حلقة من الراقصين على جراح شعوبهم الخائفين منها في الشرق حتى تتوتر العلاقات بين تركيا وجوارها العربي والإسلامي.
يقدر إشلر انه لا يمكن تبرئة تلك الجهات الغربية من سعيها المصلحي لدق الأسافين بين تركيا وجوارها في كل الأحوال بحيث نجحت فعلا في بعض الأحيان وفشل سعيها في أخرى.
لكن على حلفاء وأصدقاء الأسفين الغربي هنا التدقيق في مجريات الأحداث بدلا من الإسترسال في التخوف من الإلهام والتجربة التركيين وطرح أسئلة عن المستفيد من تأزيم وتوتير العلاقات بين تركيا وجوارها حتى ينضج الحوار الصريح وتصبح عملية إعادة إنتاج المشهد مهنية وتوافقية ومنطقية.
وأنقرة في كل الأحوال- يشدد إشلر- ترحب ليس فقط بالحوار ولكن بالنقاش في المشكلات والخلافات مع بعض الدول العربية والوصول لحلول توافقية، لأن تركيا ليست متفردة وتحكمها المبادئ والأخلاق ومصالحها أيضا وفكرة تجربتها تقوم على الحوار الديمقراطي أصلا.
لكن تركيا بالنسبة لإشلر تسقط المصالح من حساباتها عند تعارضها مع المبادئ والأخلاقيات….هنا حصريا يمكن قراءة بعض المواقف المتشجنة من بعض الدول العربية ومن الغرب ضد تركيا ويمكن تلمس إتهامات من طراز التدخل في شؤون الآخرين الداخلية ودعم الربيع العربي وخلافها من علبة الإتهامات.

دعم الربيع العربي

○ كيف تتوقعون ان يتسامح النظام الرسمي العربي مع تركيا وهي تقف ضد مصر ومع الإخوان المسلمين؟
• أنتم من تصلون إلى مثل هذه الإستنتاجات المتسرعة وغير العلمية. تركيا مع مصر وليست ضد مصر وموقفها انها ضد الإنقلابات ولا يمكنها الموافقة عليها. تراث تركيا ومبادئها لا يمكنهما إسعافها لتبرير إنقلاب عسكري والموافقة عليه سواء في مصر أو أي مكان في العالم.
○ لماذا؟
• لأن تركيا لديها موقف أخلاقي هنا، فهي سبق ان عانت من الإنقلابات العسكرية وكل إنقلاب كان يؤدي لتأخير البلاد لـ20 عاما. لا نحب هذا المصير للأشقاء في الشعب المصري ونقول موقفنا وكلمتنا هنا ببساطة…نحن مع حق الشعوب والمشاركة السياسية والديمقراطية ولا نستطيع تأييد إنقلاب عسكري هل يجعلني ذلك عدوا لمصر؟ بالتأكيد لا.
○ لكنكم أقمتم علاقات مع الإخوان المسلمين ودعمتموهم في مصر بسبب التقارب السياسي؟
• مرة أخرى هنا وقفنا مع خيارات الصندوق والناخب المصري وهذا أيضا موقف مبدئي، وتركيا منفتحة على جميع الأطياف والتيارات السياسية وليس الإخوان المسلمين فقط. في الموضوع المصري كانت لنا نصيحة، لكن اليوم نتحدث عن إنقلاب عسكري ورئيس شرعي منتخب في السجن، كيف نلام على ذلك؟
○ هذا يبرر في رأيكم إحتضان الإخوان المسلمين ووجود 70 ألفا على الأقل منهم في اسطنبول لوحدها؟
• هذه أيضا مبالغات الماكينة الإعلامية العربية والتصوير المشوه، اسطنبول يا عزيزي مفتوحة بدون تأشيرات لعدد كبير من شعوب المنطقة، ألغينا التأشيرات سابقا على اللبنانيين والمصريين والأردنيين والسوريين ..كل المكونات والتيارات موجودة الآن في تركيا.
○ لكن العلاقات مع الإخوان المسلمين مسألة أخرى وكذلك إحتضانهم؟
• نحن نقيم إتصالات وعلاقات أيضا مع الشرق والغرب من افريقيا لأمريكا اللاتينية حتى إسرائيل إنسجاما مع مصالحنا. لماذا لا يحسب ذلك كدليل على اننا نتحدث مع الإخوان المسلمين وغيرهم؟
مسألة ثانية: عندما تفتح تركيا الباب لإقامة رمز أو ضيف إسلامي يستشيط البعض عندكم غضبا وتبدأ التفسيرات والتكهنات، سؤالي: لماذا لا يحصل ذلك عندما يتعلق الأمر بضيوف الغرب من الإسلاميين من أخوان مسلمين وغيرهم؟ فبعض الدول الغربية تحتضن متطرفين وإرهابيين ولا أحد يعترض عليها وأحيطكم علما اليوم ان اسطبنول مركز دولي للمؤتمرات واللقاءات على مستوى العالم يزورها الجميع وتفتح أبوابها للكل، لماذا التركيز فقط على الإخوان المسلمين؟

«تمصير» تركيا

مرة أخرى يتصور إشلر ان الحديث عن تدخل تركيا بما سمي بالربيع العربي يفتقد للمصداقية، لأن التدخل شيء وإتخاذ مواقف أخلاقية تنسجم مع روح الديمقراطية التركية في دعم حقوق الإنسان والحريات شيء آخر تماما، وينبغي ان يتوقف توجيه اللوم لتركيا لإنها «انسجمت مع نفسها» وتحترم الأسس والمبادئ التي تمثل شعبها وتأسست عليها الجمهورية التركية.
على العكس تماما يفهم من الباطن العميق لحديث إشلر ان تركيا تتجاهل ترفعا محاولات بعض الجهات التي كانت أحيانا «عربية» للأسف لدعم حصول إنقلاب في تركيا نفسها مستذكرا تجمعات الساحات العامة التي دعمها البعض في الخارج وسعت للفتنة في مدن تركية وسط معطيات ترجح ان البعض عمل بنشاط على «تمصير تركيا» بمعنى إسقاط الإضطراب المصري عليها.

السؤال العثماني

في هذا السياق لا يريد إشلر التوسع، لكنه لا يجد في الوقت نفسه ما يعادل الضرب في الجوار العربي أحيانا على طبل المخاوف من «الخطاب العثماني» للرئيس رجب طيب أردوغان فتركيا تعتز بتاريخها وحاضرها وخصومها يحاولون تقليب صفحات التاريخ والتراث للبحث عن نقاط يمكن ان تستخدم لإثارة الإرتياب عبر خطاب غرائزي فتركيا اليوم دولة عصرية وديمقراطية ولا يمكنها التخلص من تراثها الفكري العثماني التاريخي لإرضاء جهة هنا أو هناك.
يسأل على هامش حوار «القدس العربي» المعمق مع إشلر بعض الباحثين الأتراك، بعد العثمانيين الذين يقال في الإعلام العربي انهم كانوا عنوانا «للتخلف والاستعمار» هل أصبحت الدولة العربية اليوم حرة فعلا؟ هل هي عصرية وحديثة فعلا؟ يبتسم إشلر على ترديد هذا السؤال الذي سمعته «القدس العربي» في معهد دراسات الشرق الأوسط وهو يوافق على الإستنتاج ان مشكلات العالم العربي اليوم في التنمية والاقتصاد والحريات من المؤكد ان سببها غير مرتبط بالتاريخ العثماني.
○ لكن في النهاية أنتم في حزب التقدم والعدالة تقيمون علاقات مع الإخوان المسلمين على أساس الإنطلاق من حزب ديني؟
• هذا غير صحيح ..في اللوائح الداخلية لحزبنا نعارض تأسيس الأحزاب على أساس «ديني» ونؤمن ان تركيا دولة ديمقراطية «علمانية» متنوعة ومتعددة الثقافة ولا يوجد فصام لدينا في هذا الإطار.
○ لكن الرئيس أردوغان يبدأ خطابه بتلاوة آيات من القرآن الكريم؟
• أردوغان رجل مسلم ومنسجم مع نفسه، بماذا تريدونه ان يبدأ خطاباته؟ غالبية الدول العربية في دساتيرها نص على ان دين الدولة هو الإسلام ولا تطبق ذلك في الواقع.
○ الا تعتبر تلك رسالة من أردوغان؟
• رسالة في أي معنى ؟ دعني ابلغك بشيء: أردوغان رجل صادق مع نفسه ومعنا ومع حزبه وشعبه، يتصرف وفقا لما يؤمن به ويحترم الديمقراطية والتعددية التركية العريقة وله دور وفضل لا يمكن إنكاره ويعمل لمصلحة تركيا، مهم جدا فهم هذه المسألة، فالرجل لديه «أخطاء» وإجتهادات وهو يقول ذلك لكنه في النهاية زعيم صادق ومباشر ولا يتكلم بلغة إزدواجية، كالكثير من السياسيين خصوصا مع الاحترام، في الجوار.
○ يؤخذ عليكم دوما في العالم العربي إهتمامكم الشديد بالعلاقات مع إسرائيل؟
• قلنا ان تركيا تتعامل مع الجميع والأخوة في العالم العربي يقيمون سلاما مع إسرائيل وهي أمر واقع، وللعلم يعرف الجميع ان تركيا تدعم حقوق الشعب الفلسطيني وترفض محاصرته وتستغل علاقاتها وإتصالاتها دائما لدعم أصحاب الحق. وفي الكثير من المفاصل كان شرطنا لإقامة إتصالات مع الإسرائيليين رفع الحصار عن أهلنا في قطاع غزة، وفي الماضي القريب ليس سرا أننا كنا نتوسط بين سوريا وإسرائيل وقد حضر أولمرت إلى هنا على هذا الأساس، بالتالي لا مجال للقبول بالمزاودة على تركيا ومواقفها.
○ ثمة شكوك دائمة في دور تركيا في مجال التساهل في مواجهة الإرهاب، ويقال في العالم العربي دوما أنكم تساهمون في تصدير الإرهاب والإستثمار فيه؟
• نحن نعاني من الإرهاب وردي على هذه الفرية بسيط ومختصر، فتركيا الآن هي البلد الوحيد الذي يواجه الإرهاب المنظم من أبشع تنظيمات المنطقة المتشددة وأكثرها إجراما ودموية وسعيا للخراب، فبصمات المجرمين الذين يزعمون انهم يتحدثون بإسم الأكراد واضحة، وكذلك إرهاب تنظيم داعش على الأرض التركية، فأين التسهيلات التي تتحدثون عنها؟
قد نكون الدولة الوحيدة في المنطقة اليوم التي تواجه الإرهاب ويستهدفها من أنشط الخلايا المجرمة اليوم. وهنا قد يطرح البعض إستفسارا حول الرابط بين الإرهابيين الذين يستهدفون تركيا، انتم تعلمون الرابط وقد يكون «الوكيل» واحدا.
○ أنت تلمح للغرب أو الولايات المتحدة؟
• لا ألمح لجهة، ودوري ينحصر في التذكير ان بلادي هي هدف الإرهاب اليوم وتواجهه بعزيمة وتدفع الثمن وتعاني.
○ لماذا ومن خلال عملكم كمبعوث للملف الليبي تؤيدون الحل السياسي وتعارضونه وتخفقون فيه عندما يتعلق الأمر بالقضية الكردية؟
• لدينا دمقراطية ومؤسسات ويشارك فيها الشقيق الكردي وهو مكون أساسي في المجتمع. المطالب شيء وإستعمال السلاح وإرتكاب الجرائم الإرهابية شيء آخر. لا حلول سياسية مع الإرهاب، ومن يسعى لها طريقها واضح عبر الديمقراطية التركية.

بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية