القاهرة ـ «القدس العربي»: تبلورت قضية مقتل الطالب الباحث الإيطالي، جوليو ريجيني، في القاهرة في أزمة متصاعدة بين مصر وإيطاليا لعدم عرض الجانب المصري الحقائق كاملة حتى الآن، وهذا ما يثير غضب الحكومة الإيطالية ويدفعها لتوجيه أصبع الاتهام إلى الاستخبارات المصرية ومحاولتها طمس الحقيقة.
وقال الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الإجتماع السياسي، في تصريحات خاصة لـ«القدس العربي»: «هناك أزمة دبلوماسية بين مصر وإيطاليا في هذا الموضوع رغم تصريح الرئيس عبد الفتاح السيسي أن هناك تعاونا بين البلدين في التحقيقات. وبالنسبة للرأي العام، فهو يستبعد قيام الحكومة، لأنه تم القبض من قبل على جواسيس يتسببون في مشاكل دبلوماسية. فلماذا هذه المرة تقوم السلطات بقتله؟ هناك اعتقاد أن تكون هذه القضية عملا مزيفا، أي أن شخصا غير معروف قام بقتل ريجيني وحاول أن يوجه الاتهامات للسلطات المصرية في مقتله، ولكن ليست هناك أي أدلة على مقتله من قبل السلطات وكل هذه التصريحات هي أقاويل صحافية من دون أدلة حاسمة».
وقال إن إجراء «سحب السفير الإيطالي من مصر مؤخرا يعد ضغطا على السلطات المصرية لمحاولة الوصول لحقيقة القضية، لابداء إيطاليا رفضها لدرجة التعاون من الجانب المصري في القضية. فالحكومة الإيطالية لم تتهم السلطات المصرية بمقتله لعدم وجود أدلة، ولكن كان هذا الإجراء لرفض إيطاليا درجة التعاون من الجانب المصري، ولهذا لم يتم حسم القضية حتى الآن والمؤكد انها ستأخذ وقتا كبيرا».
وأوضح أن العلاقات الثنائية بين البلدين «ما زالت مستقرة بدليل وجود مصالح مشتركة. وهناك مشاريع بنحو 6 مليارات دولار بين البلدين.. ولذلك لن تتوقف علاقات بين دولتين بسبب قضية هابطة».
كما صرح الدكتور حازم عبد العظيم، الناشط السياسي، لـ«القدس العربي»، قائلا:»قضية ريجيني تعد موضوعا ملتبسا وتعاملت الحكومة المصرية معه منذ البداية بنوع من الريبة، حين أعلنت أنه حادث سير ثم أعلنت مؤخرا أنه قُتل على يد عصابة إجرامية. وكل هذا ليس فيه أي نوع من الحقيقة وخاصة أن تاريخ اختطافه يثير الجدل. ولا يمكننا اتهام السلطات المصرية، لأن هذه القضية غامضة لا يمكن معرفة حقيقتها بسهولة». وقال: «هناك ضغط من الرأي العام الإيطالي على السلطات هناك. لذلك قامت إيطاليا باستدعاء سفيرها من مصر، لمحاولة الكشف عن الحقيقة. ومنذ هذا الإجراء لم تتخذ الحكومة الإيطالية موقفا آخر، ونحن لم نعلم كيف يمكن للبلدين حسم هذه القضية».
وتابع: «في غياب الشفافية لا يمكن لأحد توجيه أي اتهامات للحكومة المصرية بمقتل ريجيني. ولكن تاريخ الحكومات المصرية في العنف، منذ عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، يسير في طريق اتهام المخابرات المصرية بمقتل الدبلوماسيين ومثل هذا الشاب الإيطالي. كما أن أسلوب الدولة المصرية في التستر يوحي بهذا الإتجاه، ووجود المتعلقات الشخصية للشاب بما فيها جواز سفره مع أخت أحد المتورطين يضع أيضا تساؤلات واستفهامات كثيرة جدا حول تورط الداخلية المصرية في هذه القضية». وأوضح أن «الحكومة الإيطالية حاليا تحاول أن تتخذ قرارا صائبا في إمكانية الاستغناء عن الوصول لحقيقة مقتل ريجيني مقابل المصالح المشتركة بين البلدين. ولكن أعتقد أن الرأي العام الإيطالي سيضغط على السلطات هناك، ومن المنتظر وقوع أحداث مثيرة في الفترة المقبلة» .
وفي السياق نفسه، أعلنت النيابة العامة في روما أنّها ستتقدم بطلب جديد إلى السلطات المصرية للحصول على سجل المكالمات الهاتفية الخاصة بالباحث الإيطالي. ويتعلق هذا الطلب الجديد بالحصول على نسخ من سجلات الهواتف المتعلقة بمقر سكن ريجيني ومكان اختفائه ومكان العثور عليه. وبالإضافة إلى ذلك سيتضمن الطلب الحصول على المحاضر الرسمية المتعلقة بالمصريين الخمسة الذين قتلوا بعد معركة بالأسلحة النارية مع الشرطة المصرية الشهر الماضي. وقالت وزارة الداخلية المصرية حينها إنه عثر بحوزة شقيقة أحدهم على متعلقات لريجيني.
ومن جهته قال المستشار مصطفى سليمان، مساعد النائب العام المصري ورئيس وفد التحقيق الذي سافر إلى إيطاليا لبحث القضية، إن «طلب السلطات الإيطالية لسجلات هواتف نحو مليون شخص غير دستوري من وجهة النظر المصرية».
وأضاف أن «الوفد رفض طلب إيطاليا بتوفير سجلات نحو مليون مشترك مصري في ثلاثة أماكن هي: مقر سكن الباحث ريجيني، ومحطة مترو أنفاق الدقي حيث اختفى، وموقع العثور على جثمانه على أطراف العاصمة القاهرة».
وتابع يقول إن الوفد المصري رفض هذا الطلب بشكل قاطع كونه «يخالف الدستور المصري والقانون ويشكل جريمة لمن يفعله»، موضحا أن الجانب الإيطالي وضع الطلب كشرط لاستمرار التعاون القضائي بين الطرفين.
وأكد أن نحو 98 في المئة من طلبات الجانب الإيطالي، في ما يخص القضية، تم تنفيذها من الجانب المصري، عدا توفير سجل مكالمات ثلاثة أشخاص من المقربين للباحث.
وجاءت تلك التصريحات بعد يوم من استدعاء إيطاليا سفيرها في القاهرة للتشاور بشأن التحقيقات في مقتل ريجيني، وإجراء تقييم عاجل للخطوات التي ينبغي القيام بها لاستجلاء الحقيقة.
ومن جانبه، أعلن وزير الخارجية المصرية سامح شكري أن ملف التحقيقات في مقتل ريجيني «لم يغلق وسيظل قائما مع إيطاليا». وأضاف، خلال مؤتمر صحافي الاسبوع الماضي، أنه «تعاون استثنائي نقوم به نظرا للعلاقات بين البلدين. وهناك كل الاستعداد لمواصلة هذا التعاون من أجهزة التحقيق المشتركة».
وقال أحمد أبو زيد، المتحدث الرسمي باسم الخارجية المصرية إن وزير الخارجية المصري أجرى اتصالاً الاسبوع الماضي مع نظيره الإيطالي، باولو جنتيلوني، تناول قرار إيطاليا استدعاء سفيرها». وأضاف أبو زيد أن شكري أعرب خلال الاتصال عن الانزعاج، مما قال إنه «التوجه السياسي الذي بدأ يسلكه التعامل مع هذا الملف».
ويعتقد الكثيرون في إيطاليا أن أجهزة الاستخبارات المصرية قد تكون استهدفت ريجيني لنشاطه البحثي الأكاديمي عن الاتحادات العمالية والنشطاء. فقد قال ماتيو رينزي، رئيس الوزراء الإيطالي، إن إيطاليا «لن تكتفي بـ «حقيقة ملائمة للجانب المصري». وكان أنجلينو ألفانو، وزير الداخلية الإيطالي، قد صرح أن ريجيني تعرض «لشيء غير آدمي في مصر».
وعلى جانب آخر، أثار مقتل ريجيني ضجة كبيرة عبر مختلف مواقع التواصل الإجتماعي. فقد طالب النشطاء بضرورة كشف الحقيقة حول من يقف وراء مقتله، وهو المطلب نفسه الذي طالبت به عائلته في إيطاليا.
يذكر أن ريجيني اختفى وسط القاهرة في 25 كانون الثاني /يناير الماضي، ليعثر على جثته بعد تسعة أيام وعليها آثار تعذيب وطلق ناري في الرأس. ولم تلق السلطات المصرية القبض على أي شخص بتهمة قتله باستثناء قولها الشهر الماضي إنها عثرت على عصابة إجرامية مسؤولة عن اختطافه وقتله. وأضافت أن جميع أفراد العصابة قتلوا في تبادل لإطلاق النار.
منار عبد الفتاح