رؤية إسرائيلية للبحر الأحمر هدية الجزيرتين تجعلان القاهرة رهينة بيد الرياض

حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»: حظي نقل مصر السيادة على جزيرتي تيران وصنافير للسعودية باهتمام واسع في إسرائيل التي لم تعقب رسميا على الصفقة رغم معرفتها بها وبحسب تسريبات لم تعارضها بعد تلقيها تطمينات حول حرية الملاحة في منطقة المضائق في البحر الأحمر. وقد اعتبر مراقبون في إسرائيل أن الهدية تعني تحويل القاهرة رهينة بيد الرياض وذهب بعضهم للأرشيف البعيد لينشر مقاطع من خطابات الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مؤكدا أن الجزيرتين جزء من التراب الوطني المصري كما فعلت إذاعة الجيش. وأفادت صحيفة «هآرتس» أن إسرائيل أبدت عدم معارضتها هذه الخطوة، ما دام أنها ستحافظ على حرية الملاحة للسفن الإسرائيلية في المنطقة، وتلتزم باتفاق السلام الموقع مع مصر في «كامب ديفد» عام 1979. وأرسلت مصر لإسرائيل والولايات المتحدة رسائل طمأنة بالالتزام بتعهداتها الواردة في ذلك الاتفاق. وأضافت «هآرتس» أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كشف النقاب عن هذه المسألة في أحد اجتماعات المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون الأمنية والسياسية قبل أسبوعين. وقدم نتنياهو للوزراء تقريرا حول الخطوة المصرية التي كانت في طور الإعداد آنذاك، كما أن القوة العسكرية الأمريكية والدولية الموجودة في شبه جزيرة سيناء وُضِعت هي الأخرى في صورة الاتفاق المصري السعودي. وحول الموضوع نفسه، أفادت صحيفة «معاريف» أن مصر وإسرائيل أجرتا مباحثات مكثفة حول إعادة ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية في خليج العقبة، وتأثيرات الاتفاق المصري السعودي على اتفاق السلام الموقع بين مصر وإسرائيل عام 1979.
لكن الاتفاق المصري السعودي قد يتطلب إجراء تعديل في اتفاق السلام بين إسرائيل ومصر، ويتوجب المصادقة على هذا التغيير في الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي.
وتعتقد «معاريف» أن هدف تحقيق الأمن في سيناء سيُجبر الجيش المصري على زيادة قواته العسكرية فيها، بما يعدّ مخالفة لاتفاق السلام مع إسرائيل، كما أن تواجد جهات سعودية في تلك المنطقة أمر له دلالات مثيرة للقلق بالنسبة لها. وتؤكد صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن التغيير الذي سيطرأ على اتفاق كامب ديفد بناء على التفاهم المصري السعودي، يمر هذه الأيام بالتدقيق القانوني والقضائي في وزارة الخارجية وأجهزة الأمن الإسرائيلية.

محمية سعودية

من جهته، قال المستشرق الإسرائيلي د. يارون فريدمان في الصحيفة ذاتها إن الاتفاق المصري السعودي يعني أن تتحول مصر إلى «محمية سعودية» من خلال حاجتها للدعم المالي السعودي بمليارات الدولارات، بحيث تبدو هذه المساعدات المنقذ الوحيد لنظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. وبخلاف الموقف الإسرائيلي الرسمي يرجح أن من شأن ذلك أن يمنح إسرائيل أسبابا لإبداء قلقها من هذه التطورات، لا سيما في ضوء اتفاق القاهرة والرياض على إقامة جسر يربط البلدين عبر سيناء، وهو ما يمثل معبرا بريا أرضيا سريعا وسهلا بين آسيا وأفريقيا. وأشار فريدمان ـ وهو خريج جامعة السوربون ومحاضر في الدراسات الإسلامية والدراسات الإنسانية ومدرس للغة العربية وتاريخ الشرق الأوسط في عدد من الكليات وجامعة حيفا ـ إلى أن الدور السعودي أسهم كثيرا في إنقاذ مصر من الضائقة الاقتصادية التي تمر بها. كما أن الوضع الأمني والاقتصادي في مصر «سيئ جدا» منذ اندلاع ثورة يناير 2011، ولذلك فإن الاتفاق السعودي المصري يعدّ إشكاليا جدا بالنسبة لإسرائيل، على حد قوله. وختم بالقول إن بناء جسر سلمان سوف يستغرق عدة سنوات، وهو ما يمنح إسرائيل فرصة للحيلولة دون تحقيق أهدافه، قبل أن يستدرك قائلا إن تواصل الدعم السعودي للسيسي في ظل تدهور الاقتصاد المصري كفيل بتحويل مصر إلى دولة «تابعة للسعودية».

هدية ورهينة

ويتفق معه محرر الشؤون العربية في صحيفة «هآرتس» د. تسفي برئيل حول مخاطر الاتفاق المصري ـ السعودي على إسرائيل خاصة بما يتعلق بحرية الملاحة. وبخلاف موقف الجهات المعارضة للصفقة في مصر يستذكر برئيل أن مصر استأجرت الجزيرتين من السعودية في عام 1950 «من أجل تعزيز حماية مصر والسعودية في مواجهة العدوان الصهيوني». ويستحضر قرائن تاريخية للقول إن مصر والسعودية على حق. منوها أنه حسب مكاتبات بين وزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، ورئيس الحكومة المصرية عاطف صدقي، في الثمانينيات، طلب حسني مبارك من السعودية عدم طرح موضوع ملكيتها للجزر حتى تستكمل إسرائيل انسحابها حسب اتفاقيات كامب ديفيد. وساد التخوف في حينه من ان يجعل الأمر إسرائيل تمتنع عن مناقشة الانسحاب من طابا، بادعاء ان الانسحاب من تيران وصنافير، ما كان يجب ان يشملهما الاتفاق، لأنهما أراض سعودية.
في المقابل يقول برئيل أنه رغم عدم وجود أي تنازل رسمي عن اراضي مصرية، الا انه تم التعامل مع الاتفاق في مصر على أنه ثمن سياسي للاستثمارات والمساعدات السعودية الضخمة وغير المسبوقة لمصر، خلال العامين الأخيرين، وثمنا للمساعدات التي تعهدت بها السعودية للسنوات الخمس المقبلة. ويتوقع ان تقوم شركات سعودية باستثمار أكثر من 20 مليار دولار.
من جانبها تتوقع السعودية من مصر دعم موقفها بشأن الحرب في سوريا والحرب في اليمن. ويرى أنه ظاهرا، عقدت مصر صفقة ممتازة، فمقابل أراض ليست تابعة لها، ستحظى بحبل انقاذ اقتصادي ممتاز، لكن هذا الحبل هو أيضا الحبل الذي سيجعلها تابعة للسعودية.

تطمينات لإسرائيل

ويبدي برئيل أيضا مخاوف ويقول إن السيطرة السعودية مصدر للقلق بشأن مستقبل الملاحة الحرة، ذلك ان السعودية، خلافا لمصر، ليست ملتزمة بها. وفي المقابل يرى أن تصريح وزير الخارجية السعودي حول التزام بلاده باتفاقات حرية الملاحة كاف لإسرائيل رغم أنه غير موجه مباشرة لها. ويرى ان هذا التصريح بمثابة اعتراف غير رسمي باتفاقيات كامب ديفيد، التي تسببت بمقاطعة عربية لمصر. ويخلص للتساؤل هل ستنفذ السعودية ليس فقط الالتزام بحرية الملاحة، وانما البنود التي تمنع نشر قوات حربية في الجزيرتين، خاصة وان السيطرة عليهما تمنحها السيطرة على البوابة الشرقية للبحر الأحمر، التي تقود إلى ميناء العقبة. ردا على هذا القلق الإسرائيلي (والأردني) تزود السعودية حلا يتمثل ببناء الجسر بين مصر والســـعودية. بيد أنه يرى الجسر الذي سيربط بين آسيا وافريقيا، وليس بين البلدين فقط، سيصبح دائما رهينة ضد كل محاولة للمس بحرية الملاحة.

سابقة لتبادل الأراضي

في المقابل يرى المعلق العسكري امير اورن ان نقل جزيرتي تيران وصنافير صفقة جيدة لإسرائيل أيضا ويعتبرها سابقة جديدة لتبادل الأرض.
ويعود أورن أيضا للتاريخ ويقول «قبل ذلك،وحتى قبل اعتراف الرئيس الأمريكي هاري ترومان بضم ايلات إلى إسرائيل، جرى في مصر في شباط/فيراير 1945 لقاء بين سلف ترومان ووالد الملك السعودي الحالي سلمان (الذي كان في حينه في التاسعة من عمره) ـ روزفيلت وبن سعود. وقد حل الملك السعودي ضيفا على المدمرة «كوينسي» في البحيرات المرة، وأسس مع روزفيلت، التحالف السعودي ـ الأمريكي، الذي اجتاز الكثير من الأزمات خلال العقود السبعة الأخيرة، والذي سيعيد مجده مجددا الرئيس براك اوباما خلال زيارته إلى الخليج في الأسبوع المقبل». ويقول ان بن سعود فشل في الجهود التي بذلها لبلورة سياسة أمريكية معادية للصهيونية.

لعبة اسمها تعاون إقليمي

ويقرأ أورن الصفقة بعيون اقتصادية فيقول إن مصر كانت تعاني دائما من نقص في السيولة المالية، والسعودية تعاني من نقص في الجيش. ويضيف «المصريون كانوا أقوياء وفقراء، والسعوديين ضعفاء وأثرياء» .
وللتدليل على نفيه أي مصدر للقلق من الصفقة يقول اورن ان هناك أربع دول شريكة في البحر الأحمر: إسرائيل، والدولتين العربيتين اللتين وقعتا اتفاقيات سلام معها، والسعودية التي تشكل حليفا غير علني ضد العدو المشترك، إيران». ويرجح أنها تزيد من فرص التوصل إلى اتفاقيات متعددة الأطراف بين إسرائيل والفلسطينيين والدول العربية.
يمكن، مثلا، توسيع الإطار الضيق لتبادل المناطق المقترح بين إسرائيل وفلسطين ليصبح صفقة رباعية تشمل مصر (تأجير جزء من سيناء يجري ضمه إلى غزة)، والسعودية (التي تمنح لمصر قطعة من الضفة الشرقية للبحر الأحمر مقابل الاعتراف بمكانتها في الحرم القدسي). ويقترح ما يبدو أكثر خيالية «ربما تضاف سوريا إلى النادي (من خلال تأجير إسرائيل منطقة حيوية للدفاع في الجولان، مقابل قطاع في منطقة الحمة، سبق اعتباره منطقة منزوعة السلاح في اتفاقيات الهدنة في 1949) والأردن. التهام كل الأوراق وإعادة توزيعها في مصلحة كل اللاعبين.
ويدلل على مزاعمه بالقول ان اسم اللعبة هو التعاون الاقليمي، للمصلحة المتبادلة ويخلص للقول «صفقة الجزر تشكل مثالا جيدا لفكرة خلاقة تستدعي التقليد؛ وإذا كان يمكنها مساعدة مصر على منع الانهيار، والذي سيهدد الأمن الهش للشرق الأوسط، ويغرق اوروبا بطوفان آخر من المهاجرين الجياع واليائسين، فما هو الأفضل من ذلك».
ويرجح الجنرال في الاحتياط يوسي عامي درور رئيس مجلس الأمن القومي السابق لإذاعة جيش الاحتلال أن السعودية أطلعت الولايات المتحدة على موضوع الجزيرتين لأنها تدرك وجود مصـــالح لإسرائيل في المنطقة. وبذلك ينفي مخاوف الإذاعة من أن الجسر بين مصر والسعودية سيقرب داعش من إسرائيل.

وديع عواودة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية