مصر: مصنع الأزمات

حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»:مشكلة زعماء المصريين ان شعوبهم عادة لا ينسون. كثير منهم مفرطون في البراءة للحد الذي يجعلهم يعلقون وعود رؤسائهم كتمائم ضد مفاجآت القدر، مراهنين على انها قيد التحقق قريباً. ولأن الأغلبية بلا جداول عمل، فهم ينتظرون على الرصيف لا تغادر ذاكرتهم الوعود التي أطلقها رئيسهم عند توليه السلطة. عبد الفتاح السيسي أحد هؤلاء الزعماء الذين تعهدوا بإنجازات يلمسها شعبه في غضون عامين وهو الأمر الذي ما زال قيد الانتظار. وعد الرئيس بالانتقال بمصر لدولة عصرية يباهي شعبها العالم لكنه كلما تعهد بوعد أنتج له القدر من ثناياه حدثاً عارضاً سرعان ما يتحول لأزمة تكبر ككرة النار فتعيده للمربع الأول لترشحه لأن يكون رئيساً في حالة خطر دائم.
وعلى مدار الفترة الماضية توالت وعود الرئيس لفقراء بلاده بقرب حصد الثمار، لكنه لم يدرك وهو يقيم عبر مساحة من الأرض تحاصرها الحروب والمؤامرات ووسط بيئة تعاني فرقة سياسية ويقبل شعبها القسمة على أكثر من واحد، ان قطار الانجازات لا يتوقف في محطات الأماني، بل يحتاج قبل كل شيء لإعداد الأرض في وجود شركاء الوطن وهو ما يعزيه المراقبون إلى أهمية المصالحة التي لا مكان لها في ذهنية الرئيس حتى هذه اللحظة.
على مدار عامين إلا قليلا انفجرت في وجه الرئيس أزمات عدة كان آخرها إعادة ترسيم الحدود المائية بين مصر والمملكة العربية السعودية والتي نجم عنها الإقرار بملكية المملكة لجزيرتي تيران وصنافير اللتين تسببتا في مواجهة بين الرئيس وقاعدة شعبية كبيرة ضمت أيضاً الكثير من مؤيديه الذين اعتبروا ان التنازل عن الجزيرتين يمثل جريمة في حق الوطن. لكنه تعامل مع الأزمة بالطريقة نفسها التي سبق وتعامل بها من قبل في العديد من الأزمات التي اعترضت طريقه، مجرد حشد مجموعات منتقاة من النخبة المرصعة ببعض الشباب والسيدات والإعلاميين، ثم الحديث أمامهم على الطريقة التي يألفها الرئيس مخاطباً قلوب الجماهير ومنشداً ودهم، لكن لأن التكرار يبعث الملل والحجج التي ساقها الرئيس لم تكن لتقنع الكثيرين، خرج من تلك الأزمة غير محاط برضا شعبي، يعزز من تلك النتيجة حالة السخط الواسع التي انتابت الرأي العام وترجمته مقالات الكثير من الكتاب وما زالت آثار المحنة تطل برأسها وترفض ان تمر. فالاسئلة تفرض نفسها حول أسرار ما جرى في مسألة الجزيرتين خاصة بعد ما أعلن عن علم الإسرائيليين بتفاصل الاتفاق قبل أسابيع، فيما فوجئ به الرأي العام المحلي على الهواء مباشرة.
قبل أزمة الجزيرتين كانت روح جوليو ريجيني ذلك الشاب الايطالي ترفرف على سماء القاهرة كما هو الحال في روما، تلك المدينة التي جاء منها الشاب من أجل إجراء بحث علمي عن الحركات العمالية في مصر لكنه عاد ملفوفاً في علم دولته بينما جسده كان زاخراً بكافة صنوف التعذيب. انفجرت أزمة ريجيني في وجه النظام الذي لم يعد للأمر عدته، إذ تعامل مع القضية بأسلوب قصص أفلام الكرتون غير مدرك بالتوابع التي تهدد مصر بحصار اقتصادي لدولة يعيش اقتصادها في حالة موت سريري.
إن كان المراقبون يرون في أزمة الجزر بعض الحلول التي تمكن الرئيس من تجاوزها، فإن فاتورة الأزمة مع ايطاليا بسبب دم ريجيني تبدو عصية على ان يتحملها نظام الرئيس الذي ما زالت دولته تفضل اللجوء لمضادات الاكتئاب ومسكنات الألم التي اخترعها وأدمنها نظام سلفه الديكتاتور حسني مبارك، خاصة وان ايطاليا شريك اقتصادي تراهن عليه مصر في العديد من مشاريعها التنموية خلال المرحلة المقبلة وهو الأمر الذي بات متعثراً على إثر استدعاء سفير روما من القاهرة واصرار الحكومة هناك على فتح تقرير في مقتل ريجيني وفق ما أعلنه الرئيس الايطالي أمس الأول. قبل يومين بينما كان آلاف الشباب يستعدون للتظاهر في قلب القاهرة بعنوان جمعة الأرض، حذر الرئيس عبد الفتاح السيسي مما وصفه «مخطط جهنمي» يستهدف مصر، مؤكدا على أنه لا يقلق من محاولات الخارج لهدم مصر، ولكن ما يقلقه هو الداخل، لأن هناك مخططا جهنميا قد لا ينتبه له البعض.. كلمات الرئيس بالطبع تكشف عن قلق ربما يعتريه بسبب تنامي مظاهر الاحتجاجات في أوساط الشباب الذين مثلوا جذوة النار التي منها انطلقت ثورة يناير قبل خمسة أعوام، وهو الأمر الذي حث الرئيس لاستدعاء همة شعبه إذ خاطبه قائلاً: إن المصريين شعب مقاتل على مدى أكثر من 7 آلاف سنة، وكل المصريين بخير وشباب مصر بخير، وهم أبناؤنا وأبناء أسر محترمة تشقى لتربية أولادها».
ودعا إلى إصلاح أي شرخ حدث في المجتمع، متابعا: «عامان أو أربعة أو عشرة ليست بكثير فى عمر الأمم» وتابع محذراً: «في ظل الظروف الحالية ليس لنا سوى شباب مصر الذين يمتلكون النشاط والحيوية والنقاء والبراءة». داعيا إلى حسن إعداد الشباب المصري لمواجهة المستقبل..وحذر من الاستسلام للشعور بالإحباط واليأس، ومحاولات تأليب الصغار على الكبار لكسر إرادة الأمة وهدم الدولة المصرية. هذه كلها إشارات تترجم قلقا يعتري الرئيس المحاصر بأزمات بعضها ولدت في عهده وأخرى ورثها عن المخلوع والمعزول وأبرزها على الاطلاق «سد النهضة» ذلك المسمار الذي استخدم ضمن عملية عزل الرئيس محمد مرسي حيث اتهم بمهادنة اثيوبيا فيما يرى خصوم للسيسي انه أسرع الخطى ووقع وثيقة الخرطوم الشهيرة في آذار/مارس 2015 التي أعطت إثيوبيا حق بناء السد، لهذا قال رئيس وزراء إثيوبيا هيلا ميريام ديسالين إن «الرئيس محمد مرسي كان بمثابة عقبة أمام استكمال السد، إلا أن الأمور باتت أكثر مرونة في وجود الرئيس السيسي».
فيما ما زال انصار الرئيس المعزول محمد مرسي يذكرون كلماته التي أطلقها في الاسابيع الأولى أثناء حكمه: «إن نقصت مياه النيل قطرة واحدة فدماؤنا هي البديل»، واعتبر أن جميع الخيارات مفتوحة في الدفاع عن حصة بلاده من مياه النيل في مواجهة سد النهضة الذي تبنيه إثيوبيا على النهر. متابعاً «لسنا دعاة حرب.. ولكننا لا نسمح أبدا أن يهدد أمننا مائيا كان أو غير ذلك». خمسون يوماً تقريباً تفصلنا عن تتمة العام الثاني من ولاية الرئيس السيسي في حكم البلاد.
تضاعفت المشاكل وأطلت برأسها أزمات جديدة وما زال يطلق التصريحات ولا تزال الأغلبية تنتظر. قبل يومين أطلق واحدة من تصريحاته «انتم مشوفتوش دولة بصحيح.. بكرة تشوفوا بعنيكم الدولة بحق».. وهي تصريحات بمثابة إعادة إنتاج لقوله الأشهر «بكره تشوفوا مصر». قرابة عامين وما بين الوعدين جرت على الرجل وعلى البلاد التي يحكمها أحداث شتى .. من أبرزها ذلك المرض الذي يلازم الجنيه المصري الذي أضحى أثراً بعد عين، إذ تراجعت قيمته بمقدار الثلث أمام الورقة الخضراء. الدولار الامريكي أحد ألد خصوم السيسي على الاطلاق، إذ يهدد بزوال عرشه وتهديد امنياته الكبرى بانطلاق مصر من عثرتها. أسفر ارتفاعه المتتالي على مدار العام الأخير عن تعثر عدد من المشاريع وارتفاع جنوني في الأسعار كافة. وفيما توالت صرخات الملايين من الفقراء بسبب ضنك الحياة أعرب السيسي عن ان أزمة الدولار غير مقلقة على العكس من آراء معظم المراقبين الذين ينظرون لتردي أحوال الجنيه باعتباره حكما بالاعدام على مشهد الحياة الاقتصادية وخطط التنمية في البلاد.
الدولة من جانبها تعاملت مع الأزمة باسلوب المسكنات، حيث تتفاوض مع البنك الدولي على اقتراض ثلاثة مليار دولار، وستتفاوض أيضًا على اقتراض ثمانية مليار دولار أخرى خلال المستقبل القريب، وهي حلول يعتبرها خبراء الاقتصاد كارثية، إذ تسلم البلد على طبق من فضة للجهات المانحة لتسير في طريق الضياع نفسه الذي سارت فيه منذ زمن السادات ومن بعده مبارك. ويستمر جدول أزمات السيسي مزدحماً منذ ان قدم للسلطة، فلا تزال قضية الإرهاب المتنامي في سيناء تمثل تهديداً وجودياً للدولة وإن كان الجيش عبر عملية «حق الشهيد» قد ابلى بلاءً كبيراً هناك لكن الكلفة ضخمة، حيث يسقط كل يوم شهداء من حراس الأرض فيما تبقى عملية تنمية شبه الجزيرة متوقفة. الامر نفسه بالنسبة لصناعات استراتيجية باتت شبه ميتة وفي مقدمتها صناعة السياحة التي كانت أحد مصادر التنمية والدخل الأجنبي، ولعل وقوع عدة حوادث منها تفجير الطائرة الروسية ومقتل جميع ركابها وحادث مقتل السياح المكسيكيين كان له كبير الأثر في استفحال الأزمة، إذ تعاني معظم شركات السياحة من حالة توقف تام ويعاني قرابة مليوني موظف يعملون في هذه المهنة انضموا لقوائم العاطلين عن العمل من فقر دائم.
ومن أزمة إلى أزمة يحيا الرئيس في مواجهة أفواه جائعة وأيدي عاطلة أغلب الظن انها لن تنتظر طويلاً بسبب نفاد وقود الصبر، فهل يمتلك تحقيق ما سبق وتعهد به أم يلجأ للاستعانة بصديق خليجي في وقت مستقطع؟

حسام عبد البصير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية