الجزائر ـ «القدس العربي»: أعاد الجدل الذي صاحب زيارة رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس إلى الجزائر فتح النقاش حول العلاقات الجزائرية ـ الفرنسية، وسلط الأضوء مجددا على طبيعة العلاقات بين البلدين، التي كانت توصف بأنها لم تكن أفضل حالا مما هي عليه منذ وصول الرئيس فرانسوا أولاند إلى الحكم، لكن جاءت الزيارة لتطرح أكثر من سؤال.
العلاقات بين البلدين في عهد الرئيس أولاند اليساري تحسنت كثيرا، رغم أن اليسار كان من الناحية التاريخية دائما «معاديا» إلى حد ما بالنسبة للجزائر، لكن السوء الذي بلغته العلاقات في عهد الرئيس اليميني السابق نيكولا ساركوزي (الذي كان أقرب إلى اليمين المتطرف) جعلت أولاند اليساري والذي كانت تربطه علاقات طيبة مع الجزائر منذ سنوات، يبدو الأفضـــل أو الأقـــل سوءا، بدليل أن أغلبية الجزائريين كانت تريد فوزه على ساركوزي.
منذ وصوله إلى قصر الإليزيه سعى أولاند إلى تهدئة العلاقات مع الجزائر وتحسينها، وبدأ بملف الذاكرة، الذي أبعده من الواجهة، حتى وإن كان قد أقدم على بعض الخطوات الرمزية، مثل المشاركة بوزير فرنسي في الاحتفالات بذكرى مجازر الثامن أيار/مايو1945 والتنديد بما ارتكبته فرنسا الاستعمارية في تلك المجازر التي خلفت أكثر من 45 ألف قتيل. كما أن السلطة الحالية في فرنسا قدمت لنظيرتها الجزائرية ما كانت تلح عليه منذ سنوات، وفي مقدمة ذلك مصانع السيارات، التي جعل منها حكام الجزائر قضية مصيرية، مع أن المصنع الذي أسس حتى الآن، تعرض لإنتقادات شديدة، بسبب التسهيلات والإمتيازات الكبيرة التي منحتها الجزائر لشركة «رينو» الفرنسية، في حين أن هذه لم تقدم سوى مصنع للتركيب، وسياراته موجهة للسوق المحلي، والاستثمار في المصنع لا يتجاوز 100 مليون يورو، لكن السلطات الجزائرية بدت سعيدة بتحقق هذا «الإنجاز» وخروج أولى سيارات رينو الجزائرية.
ولكن الأهم هو أن السلطة الحالية في فرنسا قدمت دعما غير مسبوق لنظيرتها الجزائرية، فعندما ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية رابعة، ساندت فرنسا ترشحه بطريقة شبه علنية، مع وضع التحفظ الدبلوماسي جانبا، كما أن المسؤولين الفرنسيين تحولوا إلى أكبر مدافع عن قدرة الرئيس الجزائري على مواصلة مهامه على رأس الدولة، بل إن أحزاب الموالاة في الجزائر أصبحت تستشهد بما قاله الرئيس أولاند عن بوتفليقة، بعد لقائه في زيارة خاصة لم تدم سوى ساعات. لكن زيارة مانويل فالس الذي يعتبر اليساري الأقرب إلى اليمين، أحيت «أشباح» الماضي، بالنسبة لمن كانوا يعتقدون أن العلاقات بين البلدين دخلت مرحلة «شهر عسل» سيدوم على الأقل حتى نهاية ولاية الرئيس أولاند. زيارة فالس جاءت مع انفجار فضيحة «وثائق بنما» التي ذكر فيها اسم وزير الصناعة عبد السلام بوشوارب، وهو من كان يقدم على أنه صديق للفرنسيين، لكن صحيفة «لوموند» بدأت بنشر اسمه وقصة الشركة العابرة للبحار «أوف شور» التي يمتلكها في بنما، وحسابه البنكي في سويسرا الذي توجد فيه 700 ألف يورو، لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، لأن الصحيفة نشرت صورة الرئيس بوتفليقة على صدر صفحاتها لما تناولت فضيحة «وثائق بنما» وهو الأمر الذي أصاب السلطات الجزائرية بنوبة غضب، لأنها ربطت بينها وبين الرئيس بوتفليقة، رغم أن اسمه لم يذكر في هذه الفضيحة، ورغم احتجاج سفير الجزائر في باريس لدى وزارة الخارجية الفرنسية، واحتجاج الخارجية الجزائرية أمام السفير الفرنسي في الجزائر، إلا أن «لوموند» لم تعتذر عن الخطأ المهني الذي ارتكبته، بل أعطته قراءة سياسية، وراحت تتحدث عن فساد الرجال المحسوبين على الرئيس.
وكان رد فعل السلطات أن منعت التأشيرة عن صحافيي «لوموند» وصحافيي البرنامج الساخر «لوبوتي جورنال» الذي تبثه قناة «كنال بلوس» الفرنسية، الأمر الذي أزعج مانويل فالس، ووعد في تغريدة على حسابه في موقع تويتر أنه سيتصل برئيس الوزراء الجزائري عبد المالك سلال لإقناعه بمنح التأشيرة للصحافيين لكن رد سلال كان صارما، ورفض التنازل والتراجع عن قرار إتخذ على أعلى مستوى.
رغم ذلك حاول الطرفان التقليل من أهمية هذا التوتر، لكن الصحافة الفرنسية قررت أن «تنتقم» بطريقتها، ولكن الخطوة الأولى التي أفسدت ما جاءت به الزيارة، جاءت بعد أن نشر فالس صورة مع تغريدة في تويتر عن الزيارة، والصورة تجمعه مع الرئيس الجزائري، والتي ظهر فيها بوتفليقة متعبا جدا، ورغم أن أحدا لا يستطيع الجزم أن الأمر مقصود، إلا أن سياسيا ومسؤولا بحجم مانويل فالس وكل من حوله من مستشارين يعرفون قيمة الصور ووزنها، وبالتالي لا مجال للصدفة في مثل هذه الحالات، وهي الصورة التي أشعلت نارا من الجدل في الجزائر، خاصة أن الرئيس بوتفليقة بدا متعبا على غير عادة الصور التي يبثها الإعلام الحكومي الجزائري، وأن الذي أخرج هذه الصورة هو رئيس وزراء فرنسا.
الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن الإعلام الفرنسي سارع لنشر فيديو للرئيس بوتفليقة، أسوأ بكثير من الصورة التي نشرها مانويل فالس، بما أساء حتى إلى خصوم بوتفليقة ومعارضيه، لأن الأمر أصبح يتعلق بكرامة وهيبة دولة.
رغم أن الرسميين الفرنسيين يتحججون أن الإعلام حر ومستقل، لكن العارفين بالعلاقة المتشابكة والمعقدة بين الإعلام والسياسة في فرنسا، يدرك أن هناك مساحة مسكوت عنها، يتم فيها ترتيب أشياء والإتفاق على أخرى، بما يخدم المصلحة العليا لفرنسا، وبالتالي هناك شعور جزائري رسمي، أن ما وقع لم يكن مجرد ممارسة إعلامية على الطريقة الفرنسية، بقدر ما كانت هناك عملية توزيع أدوار، وهو ما يمكن أن نستنتج منه أن الجزائر لن تساند مرشح اليسار أيا كان، وأن المستفيد الأول سيكون، غالبا، المرشح اليميني الأوفر حظا، آلان جوبي.
مدير ديوان بوتفليقة: نشر فالس صورة تظهر الرئيس الجزائري متعبا «مؤامرة»
قال أحمد أويحيى، الأمين العام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي، ومدير ديوان الرئاسة بالجزائر، أمس، إن نشر رئيس الوزراء الفرنسي، مانويل فالس، صورة للرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، خلال لقاء معه منذ أيام تظهره في حالة صحية صعبة «مؤامرة» و»عمل شنيع».
وكان أويحيى يتحدث بصفته الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي، خلال افتتاحه مؤتمرا لكوادر الحزب بالعاصمة، أمس.
ووفق أحمد أويحيى: «قصة هذه الصورة ما هي إلا مناورة مدبّرة ومنسّقة في باريس وفي الجزائر».
وتابع: «نندّد بأقصى شدّة بهذا العمل الشنيع الذي قام به أولئك الحقودين في فرنسا، وكذا بتصرف بعض وسائل الإعلام الفرنسية التي سارت على خطاهم، كما نندّد بنفس الشدّة بأبواق أولئك الحقودين الأجانب المتواجدة هنا في الجزائر».
وكان بوتفليقة (79 عاما)، تعرض لجلطة دماغية في نيسان/أبريل 2013، نُقل على إثرها للعلاج في فرنسا، لفترة تجاوزت الشهرين، وقد تسببت في فقدان قدرته على الحركة، لكنه استمر في ممارسة مهامه في شكل رسائل موجهة للمواطنين واستقبالات للمسؤولين المحليين والضيوف الأجانب.
وحسب مدير ديوان الرئيس الجزائري، فإن خلفية نشر الصورة هي، أنه «يوجد في فرنسا التي تريد إقامة شراكة مميزة مع الجزائر، حقودين لم يقتنعوا بعد أنّ الجزائر الخاضعة للوصاية الأبوية قد زالت منذ أكثر من نصف قرن (الجزائر استقلت عن فرنسا عام 1962)، وأنّ الجزائر مستقلة وكاملة السيادة».
وتابع: «فهؤلاء المستعمرين الحقودين لا يمكنهم تقبّل جزائر مستقلة تدافع على مصالحها الجهوية، ولا يهضمون كذلك جزائر تندّد بالمساس بمؤسساتها وعلى رأسها رئيس الجمهورية، كما لا يروق لهم رؤية جزائر تدافع على مصالحها الاقتصادية».
يشار إلى أن الجزائر، استدعت قبل أيام، السفير الفرنسي لديها، برنار إيمي، احتجاجاً على نشر صحيفة «لوموند» صورة للرئيس بوتفليقة، ضمن قادة دول وردت أسماؤهم فيما يسمى بـ»وثائق بنما» حول التهرب الضريبي، رغم أن اسمه لم يرد بالوثائق. ووصفت الخارجية الجزائرية ما نُشر بـ»الحملة المعادية ضدها» ودعت سلطات باريس إلى «التنديد بها» كما وجهت احتجاجا لإدارة الصحيفة بشأن ما نشر «من معلومات تضليلية».
يذكر أن الائتلاف الدولي للصحافيين الاستقصائيين، تمكن من الوصول إلى قرابة 11.5 مليون وثيقة عائدة لشركة «موساك فونسيكا» للمحاماة، ووزعها على وسائل إعلامية في 80 بلداً مختلفاً، حيث أشارت الوثائق التي نشرتها صحف عالمية منها «الغارديان» البريطانية، و»سودوتش زايتونغ» الألمانية، إلى تورط عدد كبير من الشخصيات العالمية بينها 12 رئيس دولة، و143 سياسيًا، بأعمال غير قانونية مثل التهرب الضريبي، وتبييض أموال عبر شركات «أوفشور».