ضمن التجربة الشعرية الأولى للشاعر ماجد عارف محمد، التي صدرت تحت عنوان «مقام الهواء»، يتغنى الشاعر بموسيقى شعرية داخلية، جميلة يلعب على وتر الموضوع، مبتعدا عن القصيدة النثرية متقربا من الشعر بتنوع كلماته المركبة تركيبا عفويا غامضا في سرده بسيطا في بنيانه.
شعره فريد جديد على عصرنا هذا «عصر الحداثة وعصر ما بعد الحداثة الشعرية والنثرية» – حسب وصفهم، ولكنه شعر قديم على عصور وتاريخ الشعر، وهذا لا يعني بالضرورة أنه لم يملك شخصيته الخاصة في القصيدة، لا على العكس، هو يملك تلك الخصوصية التي تبني أساسات شعره.
يحاول الشاعر في تجربته، الصادرة عن دار «جنار» للنشر في إسطنبول، أن يبتعد عن المذاهب الشعرية التي يتبعها معظم شعراء أيامنا هذه، أيّ يبتعد عن السرد اليومي والحياة الشخصية والتغني بالطبيعة والسريالية في خيال الكلمات، والأهم من هذا أن الشاعر يغترب عن الحرب ووصفها الشنيع « كيف تطاوعكَ السّجية / وأنت لم تزل قيد التفكير/ بتدوين قصيدةٍ عصماء/ عساك تعرف من خلالها في الزقاق بشاعر القضية / وأنت الذي بقيت مشدوها لفصول المأساة / ناظرا من عليائك بمنتهى الأريحية / فلم تحاول إبعاد الفاعل/ ولا حتى سعيت خجلاً لدفع خطر البراثن/ أو تخليص الضحية»، أي إنه يرفض موقف ذلك الذي يكون شاهدا على المأساة ومشدوها لها، يحاول أن يلتقط صورة شعرية للحادثة الشنيعة التي تجري، لكي يلاقي التصفيق الحار على جهوده المخزية، بقدر ما يحاول محمد أن يكون قريبا من حالة الإنسان النصوح، ومحاولة إصلاح الإنسان وأناه في ظل الحرب والتدهور الإنساني والاجتماعي الذي يعيشه المواطن السوري بشكل خاص في ظل الهجرة واللجوء في البلاد الغربية وتغير الطبيعة الثقافية والاجتماعية للفرد.
«يحتاجُني من تاه حيناً / في زحمة الإنشاءْ/ فيبحث عني مغموماً مرتبكاً / متلفتاً أراه مستاء»، بحيث يعود الشاعر بشعره إلى العصر الذي كان فيه الشعر معلم المجتمع وموجهه وخزينة أخلاقة، ويمكننا أن ننسب هذه القصائد وموضوعاتها إلى عقلية المثقف التي يملكها الشاعر، المثقف الذي يحاول دائما احتضان المجتمع وتوجيهه كيفما كان.
«مقام الهواء» الذي صدر في مئة وأربع عشرة صفحة، يحوي الكثير من المقامات داخله، والمقامات العاطفية التي تتمحور عن الحب كان لها النصيب الأقل من الصفحات والحبر، كالقصيدة التي حظيت بأن يكون عنوانها وسم الكتاب «مقام الهواء» ومع قلة القصائد التي تتغنى بالعشق والعشيقة، إلا أن الشاعر يوحي لنا بقصائد قصيرة كـ» قطار الحب» بأنه طوقنا بنورانية العاطفة « ولكي لا تهدأ عاصفة الحب/ لا يكفي بأن يكون المحب سكةَ ممدودةً / على بساط الومق أمام من يحب/ بل وعليه أن يبقى محطة دائمة الامتثال / حتى ينطلق منها متى ما أراد/ قطار الحب».
ومع أن محمد يحاول جاهدا الابتعاد عن النثرية الطاغية ووحشية الحرب والموت كما ذكرت سابقا، إلا أننا نلاحظ في بعض الأحيان نثريات بسيطة تنقض على السطور، ولكن لا تحرك أو تهدم الموسيقى الداخلية، بل تكملها وتعطي جمالية، وأغلبية ذلك النثر القليل تكون دموية قوية متشائمة كثيرا، وقد يكون السبب عائدا إلى الاستبداد والاضطهاد المزروع في لا وعيه، وأغلب تلك النثريات تكون في قصيدة «الدعاء للعاشق» التي يتحدث فيها عن مترو الأنفاق قائلا «أبدأ بعّدِ القبضات المتدلية من فضاء السقف السائر / وعندما ابتعد في تصور المشهد أكثر/أخالني برهة في حفل إعدام جماعي / ولا اعرف إن كنت المعاقِب أو المعاقَبَ بينهم»، «رغم أن أياديهم الممدودة صوب السماء/ كثيرا ما تذكرني بالمستسلمين لعسر مصائبهم».
كالشعر عامة ما يصفونه بالغريب والجميل، يمكننا إضافة صفة المفيد والمقوّم على تجربة الشاعر ماجد محمد، مع وجود بعض الملاحظات التي تخص الشكل وطريقة العرض، ولكن كمضمون وقصائد يمكن لأي شخص أن يجد نفسه في قصيدة أو أكثر، خاصة أن محمد أبعد أناه على عكس الأنا الطاغية في الكثير من الأشعار التي نقرأها اليوم.
كاتب سوري
سليمان حنيف