لكل البشر طاقة محددة، وللصدر سعة وحدٌ من الصبر قد ينفد، ما حدث في مدينة معان الأردنيــة وقبله في الطفيـــلة وعدة محافظات جنوبية أخرى، تكرارا لما حدث فيهما، بالاضافة إلى الكرك والسلط لما يعرف بهبة نيسان 89 وما بعدها، تعبير (وإن كانت الطريقة خاطئة) عن الظلم والاستبداد والواسطة والمحسوبية، أن تعيش فئة معينة حياة مترفة باذخة، من جيوب دافعي الضرائب، الذين يكدون ويتعبون للحصول على قوت يومهم، لتوفير أدنى متطلبات الحياة الطبيعية من مأكل ومشرب وملبس وسداد ما عليهم من فواتير كهرباء وماء وبنزين وضرائب ورسوم مرتفعة باستمرار، علاوة على زيادة أعباء مصاريف الحياة اليومية الاعتيادية، التي أصبحت تشكل أرقا لجل المواطنين الأردنيين. بالمقابل يتلقى الأردنيون مستوى خدمات حكومية غير مقبولة، من الطبابة والتعليم وشبكة تأمين هشة وعدم اكتراث الجهات الأمنية بشكاوى وقضايا المواطنين، كذلك اختناق القضايا أمام المحاكم لسنوات . لقد تعامل الملك الراحل الحسين بن طلال، رحمه الله، بحكمة وفطنة سياسية واجتماعية مع الحدث، حيث أجرى تحولاً جذريا في الحياة السياسية في الأردن، وأعاد مجلس النواب بقانون انتخاب حقق رضى شعبيا كبيرا ‘أسلوب القائمة’، الذي نترحم عليه اليوم، لتحقيقه التمثل الحقيقي النسبي لمختلف شرائح نسيج المجتمع الأردني، بحضره وبدوه وفلاحيه ومخيماته، وقد بادر الى فتح أبواب الحوار مع الأردنيين والتواصل معهم، والسعي قدماً لتدعيم الدولة الأردنية التي أسسها على قواعد قوية منذ زمن طويل، فأقام الجامعات ولم يكثر منها، وأقام الصرح الطبي الشامخ مدينة الحسين الطبية، التي لعبت دوراً كبيراً في بناء سمعة طبية أردنية متميزة، خاصة في مجال القلب، كما أسس شركات وطنية كبرى ساهمت بشكل فاعل في بناء الاقتصاد الأردني ولا يسعني سرد تلك المنجزات العامرة التي كانت مركزاً توظيفياً كبيراً للمتميزين ورافداً ضخماً لميزانية الدولة، نعم كانت. ولكن ها نحن اليوم يحتقن الوضع لدينا، خاصة بعد الحديث عن قضايا فساد ضخمة في الدولة وخصخصة شركاتها ومؤسساتها وهدر وترهل وفساد، وهذا غيض من فيض، فالظلم والاستبداد والواسطة والمحسوبية وتشوهات في هياكل الرواتب والترقيات العشوائية هي التي تسود غالبية وزاراتنا ومؤسساتنا، علاوة على القرارات التي تمس بالسيادة الوطنية، كاستقبال قوات أمريكية على التراب الأردني، مما عاد على الأردنيين بخيبة الأمل والإحباط من الوضع السائد، الذي قد يتساوي فيه الحياة والموت عند الكثيرين مما قد يولد نواة خطرة قد تنفجر في أي وقت، وهذا حال الجنوب المنكوب المتهالك نتيجة تفاقم الأوضاع، فمدننا في الجنوب ليست بحاجة إلى جسر معلق يكلف عشرات الملايين، ولا إلى نفق مشاة أو إلى مدينة مائية ترفيهـــية، رغم أن جــــل ثروات الوطن مكنونة فيه، الجنوب بحاجة إلى مراكز توظيف كمصانع ومعامل ودوائر حكومية تستوعب الكم الهائل من الطاقات البشــــرية، خاصة الشبابية، هذه الطاقات المهدورة، نعم الجنوب بحــــاجة إلى برنامج إعادة إعماره وتنمية قواه البشرية ودمجهم في النظام الإقتصادي لتحل مشاكل الفقر والبطالة ولا يكون ذلك إلا بالتخلص من الاستبداد والتسلط على الموارد الوطنية من قبل فئـــة متنفذة، فلا يمكن أن يستمر الوضع كذلك. ما حدث في معــان قد يحدث في أي محافظة أردنية أخرى لاستمرار نهج التهميش والتحييد والاستبداد، وغياب المؤسسية وسيادة القانون الذي نتــــج عنه الشـــعور بالظلم والقهر، لذا أعتقد بأن معان الحضارة مستقبلة الملك عبدالله الأول المؤسس، هي الآن بحاجة إلى الملك عبدالله الثاني ليقف في خندقها وليست بحاجة إلى قوات عسكرية، فالشدة لا تولد إلا ردة فعل معاكسة أقوى منها من رجالات تعودت خشونة وعـــناد الشجــــعان، ولن يقنع الرأي العام حجة مطاردة مطلوبين خطرين وغيـــرها من الحجــج الواهية.