تعليم من الولادة

حجم الخط
0

بول صلان، يهودي اجتاز الكارثة واحد عظماء الشعراء الثوار في اللغة الالمانية، كتب القصيدة التي تقشعر لها الابدان «الحليب الاسود». الابيات التي تبدأ بها القصيدة، وكل بيت فيها يقول: «حليب اسود في الفجر نشربه في المساء، نحن نشربه ظهرا وصبحا، نشربه ليلا، نشرب ونشرب».
وتروي القصيدة قصة شخصية الانسان الالماني الذي يتجسد فيه بتناقضاته الكامنة الحليب الاسود: قمة الجودة الثقافية في مواجهة صناعة الموت والشر والسوء لافعاله.
رأيت قبل الكلمات الاولى التي قرأتها تقريرا بحثيا ألمانيا عن التعليم في مدارس السلطة الفلسطينية. وهذا تقرير «لمعهد الشرق الاوسط للسلام في برلين» صدر في 12 اذار/مارس وموضوعه هو «تحليل عرض اسرائيل واليهود في الكتب التعليمية الفلسطينية». ويتضمن التحليل 15 كتابا تعليميا في مواضيع التاريخ والتربية الوطنية، بدءا من الصف الاول وحتى الصف التاسع، ويفحص ما يوجد وما لا يوجد فيها. وكلها موجودة قيد الاستخدام الحالي في مدارس السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وفي غزة. مضمون الكتب قررته وأقرته السلطة الفلسطينية.
لقد اختار الباحثون تحليل الكتب التعليمية لانهم يرون فيها مؤشرا هاما جدا على قيم المجتمع، ورغبته في أن ينقل إلى ابنائه مثله وكنز ثقافته وثقافة الاخرين. والاهمية الكبرى لكتب التعليم الرسمية، كما يقول الباحثون، هي في أنه يفترض بها أن تعرض على التلميذ بشكل مسؤول وموضوعي الواقع، وتلخيص الاراء المسبقة، انعدام التسامح والمفاهيم المغلوطة.
فما الذي اظهره البحث في كل مؤسسة التعليم الفلسطينية؟ دولة اسرائيل والشعب اليهودي مشطوبان تماما وغير موجودين في النصوص، في الخرائط وفي البيانات. التلميذ الفلسطيني لا يتعلم أي شيء عن الشعب اليهودي، عن الكارثة وعن قرار التقسيم في 1947 لاقامة دولة يهودية وعربية.
مرتان فقط يتعلم فيهما التلميذ الفلسطيني عن اليهود في التاريخ: المرة الاولى كأعداء للنبي محمد وفي المرة الثانية كمحتلين صهاينة استعماريين في نهاية القرن الـ 19. هم تجسيد للسوء والشر، عنيفون ووحشيون. من الصف الثاني يتعلم الطفل بانه يجب ان نكرههم والعمل ضدهم بعنف، وان عودة اللاجئين إلى دياهم هي مثابة فريضة عليا. اليهودي اسود، الفلسطيني ابيض كالحليب.
عندنا تقف في مركز الخطاب الجماهيري ثلاثة مفاهيم مركزية: الاحتلال، السلام المنشود وحل الدولتين. اما التلميذ الفلسطيني فلا يلتقي مفهوم «السلام» الذي ينبغي أن يكون مع اليهود. لا يوجد تعليم للسلام كما لا يوجد حل الدولتين. يوجد فقط الاحتلال، ولكن هذا ليس بأي حال الاحتلال الذي نقصده عندنا. هذا هو الاحتلال، سلب كل فلسطين، من البحر وحتى النهر.
بالفعل، حليب اسود. هذا باعث على الاكتئاب، ولكن هذه هي الصورة. نضيف إلى هذا نقاط الحليب الاسود التي يرضعها الطفل الفلسطيني في البيت، في الشارع، في التعليم الاستكمالي في المسجد، في التحريض في وسائل الإعلام، في الاحتكاك مع جنود الجيش الاسرائيلي؛ فنحصل على الصورة الحقيقية للجيل الفلسطيني الشاب.
هل ينبغي اليأس، هل ينبغي لهذا السبب التخلي عن السعي إلى السلام كفريضة عليا لنا؟ لا يا سادتي. ولكن ينبغي أن نفهم على نحو افضل امام أي سور حديدي فلسطيني نقف.

عاموس غلبوع
معاريف 19/4/2016

صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية