بيروت ـ «القدس العربي»: في سياق مسرحي معاصر كثّفت المخرجة علية الخالدي ثورة ناعمة سطرتها جدتها اللبنانية، التي ولدت في بيت سياسي بيروتي معروف تاريخياً. فتاة عايشت الاحتلال العثماني والانتداب الفرنسي وناهضتهما، وشرّدها اغتصاب فلسطين من ديارها الثانية.
«عنبرة» عنوان المسرحية التي قدمت للمتفرجين سيرة نسائية لامعة لعنبرة سلام 1897ـ 1986. الفتاة التي دعمت علناً ومن دون خوف استقلال الأقطار العربية عن الاحتلال العثماني، وكانت لها مواقفها القومية المشهودة، فلم تكن همومها نسائية وحسب. أدبياً سجلت «عنبرة» في تاريخها الإنساني الحافل ترجمات إلى العربية لمؤلفات عالمية مميزة. وفي ما يخص المرأة كانت لها تساؤلات جوهرية حول جدوى «الفيشة» أو النقاب، وعن أهمية تعليم المرأة. إنها سيرة ذاتية يحركها الاختلاف عبر السؤال الجدلي، والتميز عن النمط السائد، ويمكن القول، الاعتراض أو التمرد. عنبرة صورة امرأة راسخة في ذاكرة فئة من أهل بيروت لا زالوا يذكرونها حضروا العرض الأول للمسرحية. هذه السيرة المغرقة في الزمن وصلتنا بأساليب إخراجية متعددة جعلت من العرض على خشبة فسيحة، حكاية لها امتدادات في الأسرة، المجتمع، المدرسة والشارع. وجعلت المتلقي يشعر وكأنه يتابع مسار الأحداث في دارة كبيرة فيها جناح للرجال وآخر للنساء، ووسطها مشاهد تمر كما خيال الظل، وتحمل المتلقي إلى الذاكرة.
من لبنان إلى فلسطين امتد نشاط عنبرة سلام، بعد اقترانها بالمربي أحمد سامح الخالدي. سكنت القدس حتى النكبة. وفي القدس انكبت على ترجمة «الإلياذة والأوديسة» لهوميروس، ومن ثم «الإنيادة» لفرجيل إلى العربية. وقبل رحيلها بسنوات كان لعنبرة سلام أن تدون مذكراتها في كتاب صدر عن دار النهار سنة 1978 وحمل عنوان «ذكريات ما بين لبنان وفلسطين».
تدافعت الاسئلة التي طرحتها عنبرة منذ كانت في العاشرة من عمرها، وبها دخلت عمر الممنوعات التي كانت قبل ايام متاحة لها. لم تعد لها حرية اللهو في حديقة المنزل مثل شقيقيها، ولا حرية الخروج من دون «فيشة». و»الفيشة» هو التعبير المعروف عن النقاب الذي يُسدل على وجه المرأة في بيروت حينها. سألت والدتها من أين لنا هذه العادة؟ إنها من الأتراك بحسب «أم علي». طمحت عنبرة للكثير من العلم، و»أبو علي» لم يكن ليصد رغباتها، بل يدعمها بالقول «عنبرة عندا استقلالية بالتفكير.. كل واحد بيفكر عن حالو». تدافع العرسان طلباً ليدها ووالدها يترك لها حرية القرار. فتاة راجحة العقل قوية وشجاعة، دعّمت حضورها بقراءات نهمة لكل كتاب صادفته، وتوقفت ملياً عند قاسم أمين. عندما أقفل الحجاب على عينيها وجدت في القراءة سبيلاً لتوسيع خيالها. أخفت كتاب قاسم أمين «تحرير المرأة» ضمن كتاب ألف ليلة وليلة. اكتشفته «أم علي» صدفة لم تكن مرتاحة لحضه النساء على السفور، وعنبرة لم تكن تتصور أن عمرها بأكمله ستمضيه «عالبقبيشة».
عنبرة سلام كانت طالبة علم نهمة، وعندما كثر عدد الفتيات اللواتي يرتدن المدارس كتبت إحدى الصحف بالخط العريض سنة 1911: البنات المسلمات في النوادي الليلية. رغم ذلك ثابرت عنبرة على دربها الواضح والمتمرد، ونشرت آرائها في صحيفة «المفيد» وهي في عمر 16 سنة. أحبت الصحافي عبد الغني العريسي، وقابلته سراً قبل أن يخطبها من أبيها، ولم يلبث أن استشهد عندما أعدمه جمال باشا السفاح مع آخرين.
المخرجة علية الخالدي كتبت نصها عن قرب، لها أن تفتخر بسيرة امرأة لبنانية وعربية رائدة هي جدتها. كان المسرح والسيرة لها وبتصرفها. تمكنت من سبك الشخصية بكل الدعائم التي تحتاجها. ورغم أهمية وعمق شخصية عنبرة في محيطها، ورغم كون المخرجة أمام سيرة ذاتية، يحسب لها أنها تركتها طبيعية بكامل انوثتها ورقتها، ولم تدخل بها إلى حيز المبالغة وتضخيم الدور. في السياق التنويري الذي عاشته عنبرة تأثرت بفكر معلمتها «مديرة كلية المقاصد للبنات» جوليا طعمة. إلى أن أعلنت سفورها في محاضرة أمام جمهور عريض في الجامعة الأمريكية في بيروت سنة 1927. دور عنبرة أدته نزهة حرب بانسياب وهدوء، برقة وتمرد، بثورة ومنطق. وتميز الممثلون كل في دوره، خاصة شخصية «أم علي»، وشخصية شقيق عنبرة «صائب» الذي أصبح رئيساً لحكومات لبنانية متعددة.
ضمنت المخرجة نصها العديد من المواقف الكوميدية، وأطلقت أكثرها عبر شخصية «صائب» الذي كان لا يزال يافعاً. شخصياتها جميعها أتقنت اللهجة البيروتية المحببة التي شكلت باباً للإضحاك المتكرر. كليشهات وردت ضمن السيناريو قد لا تكون ضرورية. وحضور المواطن المسيحي، اقتصر على مديرة المقاصد جوليا طعمة، في حين أن المصيطبة حيث دارة آل سلام فيها الكثير الكثير من المسيحيين.
تقنياً تعاونت المخرجة علية الخالدي مع فريق عمل ساعدها في الوصول إلى عرض جيد لشخصية نسائية نحتاج لوجود المئات من أمثالها، حيث يتزايد كالفطر عدد النساء اللواتي يرتضين الحياة «عالبقبيشة».
يستمر العرض من 14 نيسان/أبريل إلى 15 أيار/مايو على مسرح بابل في بيروت
زهرة مرعي