في مديح الألم

حجم الخط
0

شكل الألم يستهويني…
أشعر بإعجاب غامض كلما رأيتُ ملامحه على أحد الوجوه. على وجوه الأصدقاء. زملاء العمل. على وجوه الأقارب، أو على وجوه عابرين لا أعرفهم. ملامح الألم لا يمكن العبور فوقها كأنها حدث عادي. زوايا حادة ناتئة، كأحجار الأهرامات الهائلة. عينان واسعتان يصعب تجنّبهما. تغضّنات عديدة متشابكة فوق حاجبين طويلين.
ما زلتُ أبحث عن تاريخ ولادة الألم. الموضوع أصعب بكثير مما يبدو ظاهراً، باعتقادي أن العالم لم يأخذ شكله النهائي، إلّا بعدما تمت المصالحة التاريخية بينه وبين الألم، ولا أظن أن العالم كان يمكنه الاستمرار لولا القبول بوجود الألم كعنصر أزلي، هذا مفهوم ومنطقي. فمن يستطيع رسم حدود حيواتنا، بوضوح، كالألم؟ ذراعه المبلّلة دائماً بالدمع، تمتد من باطن الأرض التي نمشي عليها، تخترقنا، وتكمل طريقها صوب السماء، ولا أحد حتى الآن، استطاع معرفة أين تنتهي. أحبّ هذا الوقار الذي لا يمكن لغيره أن يمنحه. العابرون فوق رحى الألم، يخرجون أكثر حزناً، وأكثر وسامة، تصبح أصواتهم أكثر عمقاً، وتأثيراً.. حتى ابتسامتهم لا تعود حدثاً عابراً، بل دليلا دامغا على قدرة التسامح والحب والسخرية واللامبالاة.
جاري، رجلٌ أعرف أن الألم يحاول سحقه منذ فترة طويلة. ألتقي به كثيراً على الرصيف الذي يجمعنا. يبدو لي دائماً كأنه يخبّئُ أسراراً كثيرة خلف وجهه.. أسرار الألم. أوقفتُه مرةً، وطلبتُ منه أن يخبرني ما هي تلك الأشياء التي تملأ جيوب جاكيتته الطويلة، توسّلتُ إليه ألا يخفي شيئاً عني، فأنا بحاجة إلى أن أعرف. لم أخبره عن إعجابي بالألم.. لا أخبر أحداً بهذا الأمر.
لم يبتسم، ولم يغضب أيضاً. طلب مني بهدوء أن أبتعد عنه، بالأحرى، نصحني أن أتعلّم ما أرغب في معرفته بعيداً عنه «وإلا ستندم كثيراً»، هكذا أنهى كلامه…
بدا كلامه كأغنية حزينة، كترتيلة يرتجف لها القلب. كان صوته جميلاً، كأنه ليس صادراً من حنجرته، عندما كلمني عن الندم، شعرتُ كم كان صادقاً. لم أرَ صدقاً مماثلاً في حياتي. كنتُ واثقاً أن كل كلمة يقولها سيتردّد صداها لأجيال وأجيال، أن المدينة كلها سترتجف أوصالها عندما يغمرها هذا الصدق. ابتعدَ عني، بصمت. لم يودّعني، ولم يلتفت وراءه. فقط رأيتُ ذيل معطفه يزحف خلفه على الأرض، معطفه الذي بدا في تلك اللحظة، لامعاً، فارغاً، ولا معنى لوجوده على الإطلاق.
فكرة الألم تقدح في رأسي سلسلة غريبة من المشاعر. أولاً، أنا لا أستطيع سوى أن أحترم الألم. إذا صادف أن تجاورْنا على طريق ضيقة، أُخلي له المكان بالتأكيد، وقد أضرب له تحية أيضاً. وإذا حدث أن رأيته واقفاً في باص مزدحم، أقف، وأدعوه ليجلس في مقعدي. أتجنّب دائماً الحديث عنه بالعاطل أثناء غيابه، بل أتعمّد الدفاع عنه في بعض الأحيان. الموضوع ليس احتراماً فقط. أنا أحترم الألم، وأهابه. أعرف قدره جيداً، وأعمل ما بوسعي على عدم إثارة حفيظته وغضبه، أحترم الألم، لأنه بكل بساطة ينقذنا.
الألم ينقذنا من الموت، إنه جرس الإنذار.. المنبّه.. النخزة التي توقظنا قبل أن نسقط، الأثر الذي نقتفيه فلا نضيع.. العلامة وهمسة الحب التي تُمنح لنا مجاناً. يبدو مستحيلاً أن تجد مَن يحبّك من دون مقابل. لكن الألم يحبّنا جميعاً، ولا يطلب شيئاً، ولا ينتظر شيئاً. يعانقنا ثم يرحل. نطرده ولا يزعل، يتعرّض كثيراً لسوء الفهم، مع ذلك لا يتخلّى عن صحبتنا. إذا لم يكن هذا هو الحب في أروع حالاته، فكيف يكون؟ اقتلوا الألم، وسترون الكارثة التي ستحلّ بنا. سيصيبنا الصمم والعمى، وسيقترب منا الموت من دون أن نسمعه أو نراه. ستصبح الجروح خرساء، والأجساد قلاعاً هشّة أمام الغزاة. لا تعبثوا مع الألم.. دعوه يسرح في حياتنا كما يسرح الحزن والأمل والحقد والتفاؤل، هذه أشياء ثمينة، لا يمكن لنا التخلّي عنها.
حطّابٌ يهوي بفأسه على جذع شجرة عجوز، تركها الزمن واقفةً في منتصف الحديقة.
الألم جذعُ الشجرة المقطوع. لكم فقط أن تتخيّلوا ماذا حلّ بالشجرة عندما هوتْ الفأس الحادة فوق صدرها. لكم أن تتخيّلوا ذلك الصوت الرهيب الذي كان يصدره احتكاك المعدن بالخشب. سقوط النصل فوق جسد الطبيعة. دائماً نظنّ أن الأشجار لا تتألم، لأنها خرساء. إن شعوراً كهذا لا ينتابها، فقط لأنها لا تشتكي. والحطّاب لم يكن يُبالي، مع أن الجميع يشهد على رقّة قلبه. الألم لا يأتينا فقط من أعدائنا.. لا يأتينا فقط من قساة القلوب.
الطيّبون يمكن أن يجرحونا بجهلهم. رأيتُ بعد ذلك كيف هوى الحطّاب فوق ضحيّته، نادماً على ما اقترفته يداه. رأيتُه كيف كان يطلب من الشجرة المغفرة. سمعتُ بكاءه وأنينها. كانا جميلَيْن. القاتل والقتيل. أخذتُ لهما صورة وغفوتُ.
للألم أشكال مخادعة. كلنا يدرك ذلك. فأحياناً، يختلط علينا الأمر. ملامح الألم واللذة تتشابهان بشكل ساحر. ليس هذا فقط، بل يمكن للألم أن يخفي نفسه جيداً خلف ابتسامة. الابتسامة الكاذبة. الابتسامة الرشوة. ابتسامة البهلوان وهو يدعونا إلى الضحك. ونحن مُطالَبون دائما بالتوازن، كلاعبي الجمباز الماهرين. هذه هي المعركة، الأمر بحاجة إلى تدريب مكثّف، قد يستغرق عمراً كاملاً. لكن في النهاية ثمة أمل. الأمل بأن نصل إلى مكان نستطيع فيه أن نصرخ ألمنا، ونذرف دموعنا من دون خجل. الأمل في أن نخرج من هذه المعركة، منتصرين.

كاتب سوري

فادي سعد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية