■ لقد ولى ذلك الزمن الذي كانت فيه الخيانة عيبا وعارا، تغيرت كل المفاهيم وتشقلبت. الخيانة في وطننا الكبير أصبحت فخرا، وليس سهلا أبدا أن تحصل على وسام الشرف بدرجة خائن، للخيانة ثمنها أيها الناس، للخيانة مهرها، الشجعان فقط ممكن أن يحصلوا على هذا الشرف.
نعم اعتدنا أن نجفل عندما نسمع أو نقرأ كلمة خائن أو خيانة، فهي بلا شك تهمة رذيلة، الخيانات الزوجية تؤدي إلى دمار الأسر وانحلالها، خيانة الأصدقاء تخرّب العلاقات والثقة بين الناس، خيانة الشركاء في العمل والمصالح تؤدي لانهيار هذه المصالح وتضر بالاقتصاد، خيانة رفاق الدرب تؤدي لانهيار التنظيمات والأحزاب وخرابها أو انشقاقها، خيانة الشعب والوطن من الكبائر، وعقوبتها غالبا هي الإعدام أو السجن لمدد طويلة، إضافة إلى العار الذي يلحق بأسرة الخائن وسلالته، فالخيانة أمر لا يغتفر ولا ينسى، ومع ذلك أحب الخونة.
إذن كيف صارت الخيانة وسام شرف ولماذا أحبهم؟
حسنا هاتوا لي شخصية وطنية أو قومية أو دينية أو اجتماعية صالحة لم تحظ بهذا اللقب، هاتوا لي شخصية وطنية على مدى التاريخ العربي لم تتهم بالخيانة وخدمة العدو، ألم تتهم معظم الشخصيات القومية والوطنية إما بالعمالة لواشنطن أو بالعمالة لموسكو أو بكين أو للصهيونية العالمية أو الماسونية أو لعدو خارجي؟ لا أحد يعرف من هو وأين يقع هذا الخارجي؟ وهذه التهم ليست مقتصرة على فئة واحدة أو لون، فمرة تأتي من قبل اليمين موجهة إلى اليسار ومرة من قبل اليسار موجهة إلى اليمين، ومرة من قبل الديني ضد العلماني ومرة من العلماني ضد المتدين، ومن المحافظ ضد الليبرالي، ومن الليبرالي ضد المحافظ وضد المتشدد، ومن المتشدد ضد المعتدل سواء كان متدينا أو علمانيا، ومن شتى ألوان وأنواع الأنظمة الملكية والجمهورية و(الجملكية). ألم يتهم ملايين الشرفاء في الوطن العربي بخيانة البلاد والعباد لمجرد المطالبة بالعدالة والتمرد على الظلم؟ فكان مصيرهم السجون حتى التعفن فيها أو الإعدام بدون تأجيل، وغالبا بدون محاكمة. أليست تهمة خيانة الوطن والسعي لزعزعة النظام مسلطة على رقاب المعارضين؟ وكان مصير كثيرين منهم المشانق أو جز الرقاب. ألم يُتهموا بالتآمر على الوطن ووحدته وسلامته الاقتصادية والعسكرية في أكثر من بلد عربي؟ ألم يتهم كل مقاوم للاستعمار والاحتلال منذ مئات السنين إلى يومنا هذا بخيانة مصالح شعبه، بحجة أنه «يعرّضها للخطر» ويحرج شعبه ويضعه في مواقف ضعيفة أمام قوة الاحتلال الهائلة؟ ألم يعاقب كثيرون بل وأعدموا ممن اقتربوا من حدود وقف إطلاق النار مع إسرائيل بحجة محاولة توريط الوطن بمعركة غير متكافئة؟
يا أخوتي الخونة في فلسطين وفي الوطن العربي، سواء كنتم يساريين أو قوميين أو معتدلين أو إسلاميين أو قردة، كونوا مع النظام أي نظام، وحينئذ لا يهم ماذا تعتقدون حتى لو كفرتم، اكفروا بكل شيء إلا بالنظام، كونوا مع النظام ولا يهم أن تكونوا أصوليين وسلفيين وشيوعيين وقوميين وناصريين وليبراليين وأنصار المثليين أو المرأة والطبقة العاملة والفقراء أو البيئة والدلافين، المهم أن تكونوا مع النظام، وطالما أنتم مع النظام فمن حقكم أن تعتقدوا بما تشاؤون لأنكم «شرفاء»، أما إذا كنتم ضد النظام فأنتم خونة أولاد خونة ونسلكم خائن بغض النظر عن أفكاركم، في مكان ما يسمونكم خونة ومتآمرين فتشنقون أو تسجنون، وفي مكان آخر كفرة وزناديق فتطير رؤوسكم، وفي مكان آخر أنتم سفلة ومنحطون ومنحلون أخلاقيا، وفي مكان آخر أنتم متطرفون وإرهابيون، وأعداء الإنسانية، وفي مكان آخر أنتم أعداء التعايش بين الشعوب والعالم الحر.
أيها الخونة، أنتم تاج على رأس هذه الأمة، خياناتكم هذه هي الأمل الوحيد بالخروج من هذا الليل البهيم، تحية لكل خائن في ظل أنظمة الذل والاستعباد، تحية للخونة المقاومين للاحتلال والذين يرفضون الرضوخ لأمر واقع يحاول نتنياهو وعصاباته وأصدقاؤه من عرب وعجم فرضه على أرض العرب.
عندما يتهم نتنياهو بعض قيادات الفلسطينيين بخيانة مصالح شعبهم وأنهم سبب مأساته، فهذه شهادة شرف لهم وليست تهمة، لأنها تهمة من زعيم احتلال قذر، هذه التهمة وجهت منذ قرن وما زالت توجه لكل مقاوم ولو بكلمة، تحية لكم يا من تخونون مصالح الاحتلال ولا تدعوه يهنأ باحتلاله. تحية لملايين الخونة الذين قضوا سنين طويلة من حيواتهم في سجون الاحتلال وسجون القهر والاستبداد العربية، تحية للخونة الشهداء برصاص الاحتلال أو برصاص ومشانق وسيوف العرب. تحية لملايين الخونة من الجرحى، ومن هدمت بيوتهم وممن شردوا عن أوطانهم قسرا واعتدي على أموالهم وأعراضهم، تحية لكل خائن محاصر، سواء من قبل جيش الاحتلال أو من قبل جيش نظام الاستبداد العربي، تحية للمحاصرين في قطاع غزة وسوريا والعراق واليمن. أحبائي الخونة في ساحات الإعدام وفي الزنازين وفي ظلمات التهجير والحصار نحبكم، نعالكم تشرّف الكثيرين ممن يدعون الشرف ويرفعون لواء الدفاع عن الأوطان وعن الإنسانية وعن التقدم والبهاء والليبرالية والنورانية، فأنتم أيها المقاومون للاحتلال وللاستبداد، أنتم الشرف والوطنية والأخلاق والدين والحب والحياة.
٭ كاتب فلسطيني
سهيل كيوان