القاهرة ـ «القدس العربي»: على الرغم من كل شيء.. آلة النظام القمعية التي باتت تفوق بوضوح آلة دولة مبارك الاستبدادية، ورغم اليد الطولى للنظام الراهن في الداخل والخارج، إلا أن تجاوز الكُتّاب أرض الخوف في تزايد مطرد، حتى أولئك الذين سمنوا وارتدوا أفخر الثياب واقتنوا السيارات الفارهة من «خير» النظام، خلعوا عن وجوههم «برقع» الانتهازية والمحاباة، وأخذوا في الهجوم على السلطة، التي كانت وسيلتهم للانتقال من عالم الفقراء إلى دنيا الأثرياء، لكنهم قرروا في اللحظات الأخيرة التحول لخندق المعارضة، ربما لحجز مقاعد لهم في تاريخ النضال.
على مدار الساعات الماضية شهدت الساحة الإعلامية مزيدا من محاولات القفز من سفينة النظام، التي ترشحها الأقدار للغرق، قام هؤلاء في لحظات شجاعة نادرا ما تعتريهم بقول كلمة حق في الطريقة التي يدير بها الرئيس البلاد، والتي يختار بها مشروعاته، داعين إياه إلى التوقف عن السير في ركاب من سبقوه، إذ أن طريق الاستبداد محفوف بالمفاجآت الكارثية على البلد الذي لازال يعيش في جلباب مبارك، فلا هو تخلص من ركام الفساد الذي يملأ البر والبحر، ولم يخطُ خطوات للأمام تشفع للرئيس، عندما تحين لحظة حسابه، بمناسبة مرور عامين على ولايته، وهو الأمر الذي تفصلنا عنه أسابيع قلائل..
يوم أمس الأربعاء 20 أبريل/نيسان، تعالت أصوات الانتقاد للنظام وقياداته في صحف نمت في الأساس على ضفاف السلطة، وارتوت من خيرها وساهمت في مشروع تغييب الجماهير التي خرجت للشوارع أملا في حكم رشيد، فإذا بالأمور تزداد سوءا.. وقد كشف حال تلك الصحف عن تزايد في عدد الأصوات التي تطالب الرئيس بألا ينفرد بالحكم وألا يقتصر على الدائرة الضيقة التي تحيط به بالقرار، وأن يعمل على التخلي عن أسلوب الرأي الواحد، وإطلاع الشعب على الحقائق كاملة ومشاركته الرأي قبل الإقدام على أي مشروع أو قرار ذي أهمية، خاصة في كل ما له علاقة بالشأن العام.
كالعادة.. الشعب لم يعلم
البداية فجرها عماد الدين أديب الكاتب في «الوطن»، الذي أكد أن لديه بعض المخاوف من مؤامرات دولية وشيكة على مصر، لاسيما عقب إبرام اتفاقية بين مصر وفرنسا، متعلقة بشراء الدولة المصرية أسلحة بـ(8 مليارات) دولار، مُشيرا إلى أن: «هذه الصفقة تعد الواقعة الثانية التي حدثت في أسبوعين متتاليين، من قِبل النظام، من دون تمهيد ومناقشة لها في الإعلام لإطلاع الشعب عليها، وهو ما يساعد في حدوث المؤامرة، حسب زعمه. واستنكر أديب، خلال مداخلة هاتفية لبرنامج «90 دقيقة» الذي يُبث عبر فضائية «المحور»، يوم الثلاثاء، عدم تمهيد الدولة لاتفاقية السلاح مع فرنسا مثلما لم تمهد لاتفاقية «ترسيم الحدود البحرية»، التي أسفرت عن نقل ملكية جزيرتي تيران وصنافير، إلى المملكة العربية السعودية، متسائلا: لماذا لم تمهد الدولة لهذه الاتفاقيات قبل إبرامها؟. وأكد أديب، أن صفقة السلاح التي كلفت مصر (8 مليارات) دولار ستضع النظام الحالي في «موقف محرج» مع الشعب، إذ أن النظام يدعي طيلة الوقت، أن أزمة اقتصادية تتعرض لها البلاد، وعلى المواطنين أن يتحملوا، ما سيجعل المواطنين يتساءلون في الوقت الراهن، من أين أتت هذه الأموال؟ وألم يكن من الأولى أن تنفق هذه الأموال في مجالات أخرى تنفعهم. وحذر أديب، من تصاعد وتيرة الاحتجاجات خلال الفترة المقبلة، على إثر هذه القرارات المفاجئة للشعب، مرجعا تزايد هذه الاحتجاجات إلى عدم وجود توضيحات أو مناقشة جادة من قِبل النظام».
نتنياهو يهدد من الجولان
أما ثاني القضايا فتبعث على الاكتئاب مع فهمي هويدي حول اجتماع نتنياهو مع أعضاء حكومته في هضبة الجولان وإعلانه أنها تمثل حدود إسرائيل الشمالية للأبد: «حين بلغ الخلل في معايير الأمة منتهاه، وأصبح استخذاء البعض وانبطاحهم من علامات «الاعتدال»، صار التوافق مع إسرائيل يتم في العلن بلا خجل أو حياء، واكتشفنا أن التنسيق مع أجهزتها الأمنية لم يعد مقصورا على سلطة رام الله، وإنما جرى تعميمه على بعض الأقطار العربية، حين حدث كل ذلك لم يجد نتنياهو غضاضة في الذهاب منتشيا ومختالا إلى الجولان لكي يعلن قراره على الملأ. أيا كان قدر كراهيتنا له، فإننا لا نلومه على الصفعة أو البصقة التي وجهها إلينا، لكننا نلوم الذين مدوا إليه أيديهم وأحنوا رؤوسهم له وابتلعوا إهاناته لهم وازدراءه بهم. الذين لم يستأسدوا إلا على شعوبهم ومعارضيهم، في حين أداروا له خدهم الأيسر كلما صفعهم على الخد الأيمن، لم يجامل نتنياهو أصدقاءه العرب، ولم يلجأ إلى التهدئة والحفاظ على ماء وجوههم. وإنما فعل فعلته بمنتهى البجاحة والعجرفة، وهو يعلم جيدا أن ذلك سوف يسبب لهم إحراجا ويفضح عجزهم أو تواطؤهم أمام شعوبهم. في عام 1969 عندما حاول أحد الصهاينة إحراق الجناح الشرقي للمسجد الأقصى قامت الدنيا ولم تقعد في العالم العربي والإسلامي، والفرق بين الغضب الذي تفجر آنذاك في أروقة الأنظمة العربية خاصة، وبين الموات الذي نشهده الآن، يعكس الفرق بين أجواء وقيم مرحلتين في التاريخ العربي المعاصر. في المرحلة الأولى كان للعروبة والنخوة معنى، وفي الثانية انكسرت الأمة. لا غرابة والأمر كذلك أن يعربد الإسرائيليون في فلسطين، ثم يتحدث بمنتهى الصفاقة عن أن الجولان التي يسكنها أكثر من 25 ألف سوري، هذه كلها صارت تمثل الحدود الشمالية لإسرائيل. لم يكتف نتنياهو بإعلانه الصاعق، ولكنه بعدما أذاع النبأ أمر جيشه بإجراء مناورات عسكرية في الجولان تستمر أسبوعا».
الحل عند البرلمان
أكد الدكتور مصطفى الفقي، المفكر السياسي، أن جزيرتي تيران وصنافير أرض سالت عليها الدماء المصرية، لكن الخرائط الحديثة تقول إنهما سعوديتان، وهناك خرائط قديمة تقول إنهما مصريتان، مضيفا: «كان لابد أن تجري تهيئة الرأي العام قبل اتفاقية تعيين الحدود». وقال الفقي، خلال كلمته في ندوة «مستقبل الدعوة الإسلامية بين التنظيمات الإرهابية والسياسة الدولية»، ونظمتها كلية الدعوة الإسلامية في جامعة الأزهر، الثلاثاء، ونشرت في عدد من الصحف منها «الشروق» و«اليوم السابع»: إن البرلمان يستطيع رفع الحرج عن الدولة برفض الاتفاقية. وأوضح الفقي، أن الرئيس الأسبق مبارك، كان يحترم شيوخ الأزهر، فكان يقول لا تأتوني بتقارير عن مشايخ، مستدلا بموقف للشيخ جاد الحق شيخ الأزهر، قائلا:عندما كان الأزهر سيصدر بيانا عن الفن الهابط، هرع صفوت الشريف إلى مبارك، فأرسلني إلى شيخ الأزهر ليتنازل عن البيان، وبعد جلسة ودية قال أبلغ الرئيس أن للأزهر ما له، وللرئيس ما له، وعند رجوعي لمبارك قال.. والله رفع رأسي». مشيرا إلى أن الشيخ جاد الحق اتخذ قرارا في البنوك ولم يتزعزع، وهناك علماء وقفوا في وجه السلطان».
لهذا تنازلت عنهما إسرائيل
لازال الحديث موصولا عن القضية نفسها إذ يشير أسامة غريب في «المصري اليوم» إلى أنه: «لو كانت جزيرتا تيران وصنافير تتبعان المملكة السعودية، فإن إسرائيل ما كانت تركتهما لمصر وقت جلائها عن سيناء، ولما كان شملهما الانسحاب، ولا انطبقت عليهما معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، ولا دخلتا ضمن المنطقة (ج )المحظور وجود الجيش فيها، والمسموح فقط بوجود قوات شرطة طبقا للاتفاقية. لو كانت الجزيرتان سعوديتين لأقامت إسرائيل الأفراح والليالي الملاح وهي ترفض الانسحاب منهما، ولكانت أصرت على سعوديتهما وعلى أن المملكة فقط هي المنوط بها التحدث عنهما والتفاوض بشأنهما، ولكانت وجدتها فرصة لاختراق جدار المقاطعة العربي، الذي كان موجودا آنئذ، والنفاذ إلى عرب الخليج من خلال اتفاقية تبرمها مع السعودية قبل إعادة تيران وصنافير إلى أصحابها السعوديين. أما وأن شيئا من ذلك لم يحدث، أفلا يُعد هذا كافيا للدلالة على أن هاتين الجزيرتين مصريتان باعتراف المحتل، الذي استولى عليهما، والذي يعرف بالتأكيد وهو يقوم بالعدوان أنه إنما يعتدي على مصر لا على السعودية؟ هذا الكلام ليس موجها للشعب المصري لأنه يعرفه جيدا، لكنه موجه للأشقاء الكرام في المملكة من أبناء الشعب السعودي الذين لا نحمّلهم أي ذنب في ما آلت إليه الأمور».
البرلمان في ورطة
وممن اهتموا بمعالجة الأزمة وتداعياتها على مصر النائب الأسبق في البرلمان جمال أسعد عبد الملاك في «اليوم السابع»: «وجدنا من يخرج لمظاهرات بحجة الحفاظ على الأرض، التي هي العرض، ناسين أن أساليب التعبير عن الرأي حق بالفعل ومطلوبة، ولا يملك أحد مصادرتها، ولكن كل أسلوب له ظروفه السياسية، سببا ونتيجة، ولذا سيظل هذا الجدل دائرا، حيث سيستغل من الداخل والخارج، سواء كان ضد النظام السعودي أو المصري، ولا يخلو هذا من تصفية حسابات تتمسح في الوطن والوطنية. وعلى الرغم من ناصريتي وعروبتي وقوميتي، لا أنكر أنني لديّ بعض عدم الارتياح بشكل عام من النظام السعودي، ولكن متى كانت العواطف تصلح للحكم الموضوعي والعمل السياسي الشريف؟ فمع ذلك فأنا لديّ قناعة بصحة الاتفاقية، فالحدود والحقوق لا تخضع للعواطف والأحاسيس، ولكن للواقع والعلم والقانون الدولي، فحتى الآن أرى من يعارضون لم يقدموا وثيقة تدل على ملكية مصر، غير وضع اليد بطلب سعودي. ولذا نجد أن البرلمان في ورطة. فهناك من يؤيد، وهؤلاء تمارس عليهم ضغوط للرفض، وسيتهمون بأنهم مجلس مصنوع، والمعارضون ستكون حولهم ظلال من الشك بمغازلة الجماهير تحت عنوان الحفاظ على الأرض، ولذا يجب أن تكون هناك جلسات استماع بلا حدود لإبداء الآراء من المتخصصين من المؤيدين والمعارضين، مع عقد مؤتمرات جماهيرية مكثفة لمناقشة ولتوضيح حقيقة الأمر ببساطة. مع العلم أن الرفض سيؤدي إلى التحكيم، وحسب المطروح ستكون الجزر سعودية والله أعلم».
ليس للبرلمان تأثير
ونواصل مع الحملة على البرلمان، الذي ينتقده أحمد إبراهيم بشدة في «فيتو»: «منذ انتخابه أشعر بأن مجلس النواب ليس على مستوى المسؤولية، قضايا مهمة كثيرة تعرض لها ولم يتصرف فيها بالعقل والحكمة والاحترافية المطلوبة، في برلمان جاء بعد ثورتين عظيمتين، بداية من موافقته على أكثر من 400 قانون، صدرت من الرئيسين عدلي منصور وعبدالفتاح السيسي ما عدا قانونا واحدا فقط، وهو الخدمة المدنية، الذي كان يجب أن يوافق عليه البرلمان لضبط منظومة الجهاز الإداري المعوقة لأي إصلاح.. كانت حجة بعض النواب في رفض القانون هو تعالي الحكومة وعدم حضورها جلسة مناقشته، ثم قضية إسقاط العضوية عن النائب توفيق عكاشة، بسبب لقائه مع سفير معتمد في مصر لدولة تربطنا بها اتفاقات دولية وعلاقات رسمية حتى لو كانت مرفوضة شعبيا.. لو كان هناك رجل حكيم في البرلمان ما تصرف بهذا الشكل، وأسقط عضوية عكاشة لهذا السبب، ووضع البلاد في حرج دولي سوف تظل تعاني منه كثيرا، ومن الأسباب الرئيسية للهجمة الدولية على مصر هذه الأيام، سواء في قضية ريجيني أو حقوق الإنسان، هو تصرف غير مسؤول للبرلمان، وكانت لديه أسباب أخرى كثيرة للتخلص من عكاشة حتى لو كانت تافهة، مثل كرافتته التي لا تتناسب مع لون بدلته، المهم الابتعاد عن الأسباب التي قد تؤثر على بلد ما زال يعيش عالة على الخارج، ويستورد أكثر من نصف احتياجاته من الغرب الذي تحركه إسرائيل.. القضية الأخرى للبرلمان، التي لم يتصرف فيها بحكمة، هي طريقة تعاطيه مع حادث مقتل الشاب الإيطالي ريجيني؛ فبدلا من مطالبته لوزارة الداخلية بسرعة الانتهاء من التحقيقات، حتى يعلم الداخل قبل الخارج دوافع الجريمة، تبارى البرلمان ونوابه في الهجوم على البرلمان الأوروبي؛ لانتقاده لمصر بسبب ريجيني».
المعارضة ليست عارا
«النائب سمير غطاس ليس هو النائب توفيق عكاشة، والبرلمان ليس هو «كُتّاب سيدنا»، والشاكوش الخشبي الذي يدق به رئيس البرلمان على المنصة للتنظيم والتنبيه ليس هو «الفلقة» التي يمد بها سيدنا تلامذة الكُتّاب على أقدامهم عندما يُخطئون في آية أو يتلعثمون في تلاوة»، بهذه الكلمات ينتقد خالد منتصر الأجواء السائده في البرلمان، مؤكدا أن الصحافة ليست «البرافدا»، والجرائد ليست نشرات المحافظات التي تُغطي زيارات السيد المحافظ إلى الجمعيات الزراعية والمجالس المحلية، والإعلام ليس ماكييرا لتجميل القبيح، بل هو فوتوغرافي يرصد ويصوّر ما أمامه، ومجلس النواب ليس سرادق عزاء يجب على الجالسين فيه الصمت، احتراما لجلال المناسبة، ما حدث مع النائب سمير غطاس وعصبية رئيس مجلس النواب تجاهه، والطريقة التي تم طرده بها من القاعة، كل تفاصيل المشهد لها دلالات مزعجة، فالبرلمان ساحة حوار، ومن الممكن أثناء الحوار أن تحدث بعض التجاوزات، خصوصا في ظروفنا المحتقنة المرتبكة، ورئيس البرلمان عليه تنظيم هذا الحوار، وليس تأميمه، تطبيق الحماية القانونية التي تُحرر، وليست الحماية الجمركية التي تُصادر، ومع كامل احترامي، عليه أن يُفرق، وهذا ليس فيه واسطة أو مجاملة، بين توفيق عكاشة وما اقترفه، وبين سمير غطاس وما فعله وقاله، النائب سمير غطاس كان في فترة الإخوان لا يتحدث بكلام مرسل، بل كان دائما يتحدث عن الإخوان وينتقدهم، خصوصا فرعهم الحماسي الفلسطيني بوثائق وأدلة وأسماء كنا نتعرّف عليهم لأول مرة من خلاله، فهو دارس وباحث لا يُشق له غبار في هذه المنطقة بالذات، ودفاعه عن الإعلام وحريته ليس رغبة في الظهور، أو دفاعا عن الباطل، لكنه دفاع عن مبدأ حرية التعبير».
البشير حالما
ونتحول نحو السودان إذ يهاجم عباس الطرابيلي في «المصري اليوم» الرئيس على إثر إصراره ضم حلايب وشلاتين: «وبسبب أحلام انتخابية، وزيادة في الجراح بين مصر والسودان، خرج الرئيس السوداني البشير يطالب بمثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد.. وتتحدث حكومته عن سودانية هذا المثلث، وأن مصر اغتصبته منها بالقوة.. وهذا غير صحيح. وهنا نسأل الرئيس البشير: هل تملك شجاعة الرئيس السيسي وحكومته – في قضية الجزيرتين – لكي يعترف وحكومته بسيادة مصر على مثلث حلايب وشلاتين.. كما اعترف السيسي بسعودية الجزيرتين؟ ببساطة ومن دون إطالة أو ادعاء، وطبقا لكل المواثيق والمعاهدات واتفاقيات تحديد الحدود بين مصر والسودان، نقول – وعندي شخصيا الكثير من هذه الوثائق أو صورها – أن حدود مصر مع السودان تسير في خط مستقيم مع خط عرض 22 شمالا من ساحل البحر الأحمر شرقا وحتى تلتقي حدود مصر مع السودان وليبيا غربا، «خط مستقيم فعلا وعملا». ولكن وبسبب تحركات القبائل بين شمال هذا الخط وجنوبه، أي بين مصر شمالا والسودان جنوبا رأى وزير داخلية مصر بطرس باشا غالي، وليس ملك مصر «وكان لقبه وقتها خديوي مصر» تسهيلا على تحركات هذه القبائل من العبابدة والبشارية والبجا، أن يعطي لمحافظ ولاية شمال البحر الأحمر «سلطة إدارة» هذه المنطقة وتنظيم التجارة بين المنطقتين.. ولم يتنازل وزير الداخلية عن سيادة مصر على المثلث.. لأن الوزير لا يملك سلطة التنازل عن السيادة.. وإن كان يسمح له بالتنازل عن الإدارة، وشتان بين السيادة والإدارة».
خراب مصر على يد ثوارها
ونتحول لمعركة ضد ثوار جمعة الأرض ويطلقها في «اليوم السابع» دندراوي الهواري: «المخربون الأوائل، الذين ظهروا أمام نقابة الصحافيين، وتوسلوا لوسائل الإعلام، خاصة القنوات الفضائية لنقل الوقفة، لتصدير صورة مزيفة وغير حقيقية عن أن هناك حالة قلق وتوتر في الشارع المصري، في إعادة صارخة للمشهد الذي لعبته وسائل الإعلام طوال السنوات الماضية، التي تفوقت على الإعلام الإسرائيلي الصهيوني، الهادف لإسقاط القاهرة، يؤكد أن هؤلاء لا يبحثون إلا عن التخريب والتدمير، ولن يهدأ لهم بال إلا بعد أن تسقط مصر في يد «داعش»، ويصبح مصير 90 مليونا في علم الغيب، ونكرر المشاهد والصور نفسها التي نشاهدها للسوريين في عرض البحار، وفي الخيام على الحدود يتسولون المأكل والمشرب، والستر للعرض والشرف. أيضا صور الدمار الشامل في ليبيا واليمن والعراق، وحالة رعب مواطني هذه الدول من الذبح والحرق والقتل على يد «داعش» ورفاقه من جبهة النصرة، والجماعات التكفيرية الأخرى. في الوقت الذي قال فيه زيغمار غابرييل نائب المستشارة الألمانية ووزير الاقتصاد والطاقة، أثناء زيارته لمصر، وهو الرجل الملقب بعين «الصقر الاقتصادي»، موجها خطابه للمصريين: «خطواتكم واسعة نحو الديمقراطية ورئيسكم يستحق الإعجاب»، ولم تمر ساعات قليلة على هذا التصريح، حتى فوجئنا بالرئيس الفرنسي فرنسوا أولاند مخاطبا الرئيس عبدالفتاح السيسي، قائلا: «قمت بإنجازات كبرى في زمن قياسي في قطاع الكهرباء والغاز». ومع ذلك السيسي لا ينال رضى المخربين الأوائل، ويتهمون من يعلن ويقول الحق، بأنه مطبلاتي، فهل رئيس فرنسا ونائب المستشارة الألمانية مطبلاتية للسيسي؟».
يخدعون أنفسهم
وممن هاجموا الثوار بضراوة في «الأهرام» مرسي عطاالله: «هؤلاء الذين تظاهروا يوم الجمعة الماضي تحت مسمى «جمعة الأرض والعرض» يواصلون خداع أنفسهم بالزحف المنتظر يوم 25 أبريل/نيسان المقبل، من دون أن يدركوا أن مشكلتهم لم تعد مع الرئيس عبدالفتاح السيسي ونظام حكمه، وإنما مشكلتهم مع شعب مصر الذي لن يقبل بالعودة مرة أخرى إلى أجواء الرعب والذعر والهلع وغياب الاستقرار، وتوقف عمليات التنمية والاستثمار طوال السنوات الخمس الماضية. وليس أدل على تناقض ما يقولون أن الذين يسعون بكل الطرق والوسائل لاستعداء الخارج ضد مصر وسيادتها الوطنية من خلال تزوير الأقوال والشهادات والوقائع حول قضية مقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني، هم أنفسهم الذين يصنعون هياجا ويفتعلون غضبا بدعوى عدم قبولهم لترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، والرضى بما تقول به الوثائق من أن جزيرتي تيران وصنافير جزيرتان سعوديتان تحملت مصر مسؤولية إدارتهما باتفاق بين القاهرة والرياض، عقب قيام دولة إسرائيل لتمكين مصر من ممارسة حق اعتراض السفن الإسرائيلية عند مرورها في مضيق تيران في خليج العقبة.. يضيف الكاتب، لقد انكشفت اللعبة وسقط القناع وأدرك عموم المصريين أن هناك من يقفون في حالة تأهب لاستثمار وتوظيف أي حالة احتجاجية في الشارع المصري حتى لو كانت على شكل مطلب مهني للأطباء، أو زلة لسان من وزير أو مسؤول…».
حجج وذرائع للتظاهر
ويتوالى الهجوم على ثوار جمعة الغضب وغيرهم من الداعين لمظاهرات جديدة يوم 25 أبريل/ نيسان، وتتولاه علا السعدني في «الأهرام»: «ليس صحيحا أن الدعوات لعمل مظاهرات جديدة في 25 أبريل الجاري، أي يوم «عيد تحرير سيناء» كانت وليدة اللحظة، ولا هي مجرد بنات أفكار نمت وترعرعت هكذا فجأة بعد مظاهرات الجمعة الماضية، التي تمت إقامتها أمام نقابة الصحافيين اعتراضا على تنازل مصر – حسب زعمهم- عن جزيرتي تيران وصنافير وتسليمـــها للسعودي، وبالتالي فحتى لو حدث وصدقنا أن غضبهم كان هو المحـــرك وراء وقفتهم الاحتجاجية السابقة، فعلى أي أساس سنصدق دعواتــــهم الجديدة لمظاهراتهم المقبلة؟ ألا يكفيهم وصول رسالتهم للمسؤولين برفضهم واعتراضهم على موضوع التفريط من وجهة نظرهم بالجزيرتين وينتهي الأمر عند هذا الحد؟ أم أن القصة ليست هكذا وإنما هي خطة ممنهجة وأسلوب حياة عند البعض ورغبة قديمة وملحة لهم طول الوقت للرجوع إلى موجاتهم الثورية، واستمرار مظاهراتهم ووقفاتهم الاحتجاجية بداع وبدونه، وبالتالي فالقضية ليست في الجزيرتين بقدر ما هي مجرد طوق نجاة بالنسبة لهم في إيجاد الحجج والذرائع ليعيدوا بها أمجادهم القديمة «عفوا» مظاهراتهم السابقة! وإن لم تكن كذلك فلم كانوا يرددون إذن عبارات من نوعية «إرحل» و«الشعب يريد إسقاط النظام» وغيرها من العبارات التي كانت تطلق في مثل هذه الحالات مسبقا. لذلك ترى الكاتبة أنه لن يكون هناك اي مفاجأة لاختيارهم يوم عيد تحرير سيناء تحديدا كموعد جديد لمظاهراتهم المقبلة، حيث أننا اعتدنا تقريبا على عشقهم في تحويل أي عيد قومي أو وطني إلى العكس تماما وذلك بنية تشويهه أو القضاء عليه».
الفرصة الأخيرة
ونتحول للملف الفلسطيني، إذ يرى مكرم محمد أحمد في «الأهرام» أنه لا يكفي تبرئة حماس من ضلوعها في المساعدة على اغتيال النائب العام المصرى هشام بركات، أن تعلن على لسان المتحدث باسم وزارة داخليتها، تكثيف انتشارها الأمني على حدود غزة مع مصر وإقامة ثلاثة مواقع جديدة في المنطقة بين كرم أبوسالم وشرق رفح، لأن: «المطلوب أن تؤكد حماس التزامها بالوعود التي صدرت عن وفدها الذي زار القاهرة أخيرا وتسلم المتهمين الذين شاركوا في عملية قتل النائب العام هشام بركات، لأن كل ما أعلنه وزير داخلية مصر صحيح مئة في المئة، خاصة أن حماس تعرف على وجه اليقين أن الأمن المصري يملك من الأدلة والوثائق التي تثبت تورطها في الاشتراك في هذا الجرم، رغم ادعاءاتها بأنها ليست طرفا في الجريمة. ولن يفيد حماس كثيرا أن تحاول غسل يديها من الجريمة، بدعوى ضلوع آخرين في هذه العملية، لأنه ما من شيء يجري في قطاع غزة الذي تحكمه حماس بالحديد والنار، من دون علمها، إن لم تكن طرفا ضالعا، بما يحملها مسؤولية كل ما يجري في القطاع، وأظن أن حماس تعرف جيدا أن التزامها بالوعود التي قدمها وفدها في القاهرة يمثل الفرصة الأخيرة للحفاظ على صورتها كمنظمة مقاومة فلسطينية تعنى بشؤون شعبها، لأن مصر ترفض كل صور التسويف والمماطلة ومحاولات كسب الوقت، وأظن أنها تعرف أيضا أنها إن لم تف بوعودها فسوف يكون من حق مصر أن تذهب إلى الجامعة العربية تعرض وثائق تواطؤ حماس وتدخلها في الشأن المصري وضلوعها في جريمة اغتيال هشام بركات، لتطالب الدول العربية باعتبار حماس منظمة إرهابية لا ينبغي أن تتلقى أي عون مادي أو معنوي، أو يجد أفرادها ملاذا آمنا في أي من الدول العربية.
قتل الاحتجاجات في مهدها
«من المفارقات العجيبة التي حدثت أمس، خلال فعاليات جمعة «الأرض هي العرض» كما يشير في «الفجر» أحمد سامي التي دُعي إليها من قبل عدة قوى وائتلافات وحركات ثورية، اعتراضا على اتفاقية ترسيم الحدود التي قضت بتبعية جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية، أن لُخص المشهد بأكملة في كلمة واحدة هي «الجلالة»، وفضح سوءات الجميع. المتظاهرون اتخذوا من مقر «صاحبة الجلالة» قبلة لهم، سلم نقابة الصحافيين تحول إلى منبر لخطابات وهتافات رنانة، مناهضة لفكرة سعودية الجزيرتين، التي قُضي فيها شهداء أبرار دفاعا عنها في 67 وانتصار 73 وكل الحروب التي خاضتها مصر ضد العدو الصهيوني. ويؤخد عليهم أنهم تفرقوا ولم يجتمعوا على كلمة واحدة باستثناء اتفاقهم على الفض والعودة من جديد يوم 25 أبريل/نيسان، في ذكرى تحرير سيناء، لتجديد رفضهم سعودية الجزيرتين. وعلى الجانب الآخر تحدث الرئيس عبدالفتاح السيسي، من منطقة جبل «الجلالة»، وعقد نقاشا مع مجموعة من الشباب ضمن فريق البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب، ومجموعة من السياسيين وقيادات الجيش والإعلاميين، ناقش الإنجازات التي حققتها مصر في السنتين الأوليين لفترة حكمه منتقدا منكريها، ومنوها بالمشروعات الكبرى التي سينفذها في الفترة المقبلة. موقف الرئيس هنا أعطانا مؤشرا إلى مدى لا مبالاته بتلك الاحتجاجات، وعدم اكتراثه بالهدف منها، وهو ما يخالف قوله بأنه لو أراد المصريون رحيله سيفعل، خاصة أنها أول مظاهرة ثورية شعبية تخرج ضده، بعيدا عن تظاهرات الإخوان. الأمن كان تعامله مع الاحتجاجات من منطلق «قتلها جميعها في المهد»، وهذا ما حدث أمام مسجد الاستقامة في الجيزة، وأمام مسجد مصطفى محمود، عندما أطلقت قنابل الغاز بكثافة على المحتجين فور خروجهم من المسجد، وفي المحافظات، وأخيرا أمام نقابة الصحافيين بعد أن تجمعت الحشود على سلمها، حيث أطلقت كمية كبيرة من الغازات المسيلة للدموع لتفرقتهم، ما يعطينا الانطباع بأن التعامل الأمني سيبقى هكذا ولا تحدثني عن حقوق إنسان أو غيره، وأن آلة الأمن دُعمت واشتد عودها ولم تعد كما كانت عليه إبان ثورة 25 يناير/كانون الثاني المجيدة».
الدفع مقدما
المتابع للتحول الذي يبديه الكثير من المراقبين في آرائهم يدرك كم الأزمة التي نعيشها، وهو الأمر نفسه الذي يزعج السعيد الخميسي في «الشعب»: استمعت وشاهدت إعلاميين وخبراء ومحللين وساسة في قضية جزيرتي تيران وصنافير، اللتين اعترفت مصر، حسب بيان الحكومة بأحقية السعودية بهما. شاهدت كل هؤلاء والكثير منهم يجزم ويؤكد أنهما أرض مصرية خالصة. وفي اليوم التالي، لا أدرى ماذا حدث وجرى؟ فإذا بالوجوه نفسها، والألسنة نفسها تؤكد بل وتنفي ما قالته بالأمس، وتبرهن على أنهما سعوديتان خالصتان شحما ولحما وهنيئا مريئا لها بجزرها التي عادت إلى حضنها، وكأن مصر كانت وطنا محتلا لتلك الجزر. أليست هذه النخبة عارا على مجتمعنا؟ أليس هؤلاء الإعلاميون وصمة عار يلاحق جبين الوطن؟ أليس كل هؤلاء الخبراء والمحللين يشبهون قطعة النقود، يتقلبون في آرائهم كما تتقلب قطعة النقود في جيوب الخلائق شرقا وغربا؟ هل كل هؤلاء يصلحون من الأساس لتصدر أي مشهد؟ هل من الممكن أن يتقدم الوطن في أي مجال وهؤلاء في مقدمة المشهد السياسي والاجتماعي والإعلامي؟ لا أراهم إلا عملة مزيفة لا قيمة لها في عيون الناس. يضيف الكاتب: إن هؤلاء الذين يتقلبون في آرائهم من خبراء وعلماء وكتاب ومحللين وساسة، ويغيرون مواقفهم بسرعة البرق، ويتلونون بلون كل نظام، ويرتعون في حظيرة كل حكومة قائمة بالحق والباطل، ليسوا أقل خطرا على تماسك بنية المجتمع وسلامة أراضية، وبقاء حدوده آمنة مستقرة، من هؤلاء المنافقين الذين بنوا مسجد الضرار في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم تفريقا وكفرا بين المؤمنين، بل دعوا الرسول حتى يصلي معهم فيه».
وجه الشبه بين السيسي ومحمد علي
من يقرأ تصريحات حكام مصر يجدها تتشابه تماما، هذه حقيقة توصل إليها ناصر عراق في «التحرير»: «رغم أن الفرق بين إطلاق هذه التصريحات يصل أحيانا إلى قرنين من الزمان، فما قاله محمد علي باشا عام 1837 أمام الأمير الإنكليزي (بوكلير موسكو) هو نفسه ما ردده الرئيس عبد الفتاح السيسي يوم 18 أبريل/نيسان 2016 أمام الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند في الجلسة الافتتاحية لمنتدى الأعمال المصري الفرنسي. قال محمد علي باشا في القرن قبل الماضي مخاطبا الأمير البريطاني: «لا تحكموا عليّ مقارنة بكم. قارنوني بالجهل الذي يحيط بي. لا يمكنكم تطبيق القوانين نفسها في مصر وإنكلترا. تلزمنا سنوات طويلة لنبلغ المستوى الذي بلغتموه». كما جاء في كتاب «الفرعون الأخير» للكاتب الفرنسي غيلبرت سينويه. أما الرئيس السيسي فأشار أمام الرئيس الفرنسي أمس إلى: «أهمية عدم الحكم على الأوضاع في مصر من منظور غربي، نظرا لتباين التجربة والثقافة»، وفقا لما نشرته وسائل الإعلام (الأهرام/ الخليج). أرأيت درجة التشابه بين كلام الرجلين؟ لا يعتقد عراق أن الرئيس الحالي قرأ تصريحات الباشا القديم، ولا أظن أن مستشاريه قد اطلعوا على كتاب «الفرعون الأخير»، وإلا ما جعلوه يردد كلاما قيل قبل 180 سنة! أغلب الظن وفقا للكاتب، أن هذه التصريحات يطلقها الحكام دفاعا عن أنفسهم أمام الغرب، ويبدو أن الغرف المغلقة تشهد انتقادات غربية حادة للأوضاع في مصر، سواء كانت هذه الأوضاع في زمن محمد علي أو في عهد السيسي. لاحظ من فضلك أن محمد علي دافع عن نفسه بعد أن ظل ملتصقا بكرسي الحكم 32 سنة كاملة، لأنه استحوذ على السلطة عام 1805، ومع ذلك اتهم الشعب بالجهل، في حين أن الرئيس السيسي يكاد يكمل عامه الثاني في الحكم، ومن أسف فإن توجهاته السياسية لا تنحاز إلى البسطاء، ولا تحترم حقوق الإنسان، باختصار.. حكامنا يخشون الغرب».
حسام عبد البصير