لم يعد خافياً على أحد أنّ الكُرد في سوريا بمختلف توجهاتهم السياسية متفقون على مطلب الفدرالية كنظام حكم لسوريا المستقبلية ما بعد الأسد، كما لم تخفِ المعارضة السورية بمعظم توجهاتها رفضها المطلق للنموذج الفدرالي.
وهنا لابد من توضيح أن الكُرد في سوريا منقسمون سياسياً بين المعارضة وبين النظام السوري، فالمجلس الوطني الكُردي في سوريا والذي يُعتبر المظلة السياسية الأكبر للشعب الكُردي في سوريا، ينتمي إلى المعارضة السورية السياسية المتمثلة في الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة ويتبنى موقفه الداعي إلى اسقاط نظام الأسد، وممثل في وفد التفاوض للهيئة العليا للمعارضة في محادثات السلام في جنيف، في حين أن حزب الاتحاد الديمقراطي والمجموعات المحسوبة عليه والذين يتم إدارتهم من قبل حزب العمال الكُردستاني ينتمون إلى محور نظام الأسد – إيران، ويُنسِّقون معه على الصعيدين السياسي والعسكري، ويتقاسمون معه إدارة المناطق الكُردية في شمال وشمال شرق سوريا.
هذا الانقسام السياسي الكُردي السوري وكذلك الخلافات الجوهرية بين المجلس الوطني الكُردي وحزب الاتحاد الديمقراطي تعود جذورها إلى تحالفات الطرفين المختلفة وموقفهما المختلف من النظام والمعارضة. يُطالب المجلس الوطني الكُردي منذ تأسيسه بتبني نظام حكم فيدرالي اتحادي كشكل لحكم الدولة السورية المستقبلية، وعلى هذا الأساس انضم إلى الائتلاف السوري، ويسعى المجلس في اطار وجوده ضمن صفوف المعارضة إلى تحقيق تقبل صيغة توافقية حول هذا المطلب، وفق أسس وقوانين دستورية، على نقيض حزب الاتحاد الديمقراطي الذي أظهر مؤخراً هو بدوره أيضاً سعيه إلى نظام الحكم الفدرالي، ولكن بشكل أحادي وبرؤيةٍ ضبابيةٍ، وربما جاء إعلانه هذا إما تماشياً مع رغبة الشعب الكُردي أو محاولةً منه لإضعاف موقف المجلس الوطني الكُردي ضمن المعارضة عبر طرح مشابه لخلق شرخٍ بين المجلس الوطني الكُردي والمعارضة السورية، ولاسيما أن حزب الاتحاد الديمقراطي بسبب تحالفه مع نظام الأسد وضع نفسه موضع الرفض وعدم القبول من قبل المعارضة، ولذلك ترفض المعارضة كل ما يصدر عن هذا الحزب.
الفارق بين طرح الفدرالية عند كل من حزب صالح مسلم والمجلس الوطني الكُردي، أن المجلس يُطالب بالنّموذج الفدرالي الاتحادي كشكل للحكم المستقبلي في سوريا وفق توافق وطني سوري، لإعادة الثقة بين المكونات السورية الأثنية والمذهبية والدينية بعد أكثر من نصف قرن من حكم نظام البعث والأسد الذي ساهم في زعزعة ثقة السوريين ببعضهم البعض على قاعدة فرّق تسد، ودفع هذه المكونات لقمع بعضها البعض، وزادت أجهزته الأمنية والمخابراتية من هذا الشرخ بعد قيام الثورة السورية عام 2011 لتُراق أنهار من الدماء بين المكونات السورية، ويصعب بالتالي توحدهم ضد نظام الأسد، ولن أدخل هنا في تفاصيل العداوة الدموية التي تعمّقت بين المكونين السني والعلوي في سوريا، كونها أصبحت اليوم في أوضح صورها، ويتحمّل نظام الأسد المسؤولية الأكبر في ذلك، ولكني سأحاول إضاءة زاويةٍ أخرى من الصراع السوري الذي زاد يوماً بعد آخر، ولم يعد مُقتصراً هذا الصراع بين المعارضة السورية وحزب الاتحاد الديمقراطي فقط، بل أنه أيضاً يتجه نحو شقاق كُردي عربي ضمن صفوف معارضي الأسد من الكُرد والعرب أنفسهم، والذي قد يؤدي إلى اصطفاف على أساس قومي، يُضاف إلى الاصطفاف الطائفي الموجود في ظل السعي الدؤوب لنظام الأسد إلى خلق هكذا صراع الذي من شأنه تعقيد الوضع السوري أكثر مما هو عليه اليوم.
وهنا لابد من التأكيد على أنّ المعارضة السورية وبالأخص السياسية منها، وبمختلف فعالياتها، سواء تلك المنظّمة في الائتلاف السوري أو المنظمات والمثقفون والسياسيون المعارضون والمستقلون يتحملون أيضاً جزءاً كبيراً من مسؤولية تأجيج الصراع الكُردي-العربي، عبر تناولهم الخاطئ والمتعمّد لمسألة الفدرالية بشكل مشوّه وعرضه على الرأي العام السوري على أنّه شكل من أشكال التقسيم، مستفيداً من سياسات حزب الاتحاد الديمقراطي في محاولةٍ منهم للتلاعب وتزييف بعض الحقائق، والتي يمكن أن تتسبب في تأليب الشارع العربي السوري ضدّ الطرح الكُردي للفيدرالية. البارادوكسية أو المفارقة هنا، هو أنّ ما يفعله هؤلاء المعارضون السوريون يأتي من منطلق حرصهم على وحدة سوريا حسب ادعائهم، إلا أنه يُساهم في الدفع باتجاه تقسيم البلاد وقطع أي أمل لتعايش مشترك بين المكونات السورية مستقبلاً.
المفكر والمثقف السياسي العربي والكُردي مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى في البحث عن القواسم المشتركة بين السوريين، والسعي لإظهارها والتركيز عليها عوضاً عن القضاء عليها عبر التعامل المتشنج وردود الأفعال المتسرعة والأمنيات الطوباوية المنفصلة عن الواقع، قافزين بذلك على ممارسات نظام الأسدين طيلة العقود الماضية. على المفكر والمثقف العربي السوري ألا يتجاهل قضيّةً أساسيةً ألا وهي فقدان جزء كبير من الكُرد في سوريا ثقتهم بالأنظمة الحاكمة في سوريا نظراً للمظلومية التاريخية التي وقعت عليهم منذ أيام ميشيل عفلق وصولاً إلى بشار الأسد، وقد كانت معاناتهم أكبر من معاناة بقية السوريين وتم حرمانهم من المشاركة في الحياة السياسية بشكل كامل وفي المجالات الثقافية والمجتمعية بشكل شبه كامل، وحُرم على مدى نصف قرن حتى من خيرات أرضه التي كانت توزّع على بقية المحافظات السورية ولو أن الجزء الأكبر منها كان يدخل في جيوب الطبقة الحاكمة، إلا أنّه في الحقيقة لم يتم حرمان العرب السنة أو المسيحيين من المشاركة في الحياة السياسية، في الوقت الذي حُرم فيه الكُردي حتّى من حق الجنسية والتملك ناهيك عن المشاريع العنصرية التي مورست بحقهم عبر تغيير أسماء قراهم ومدنهم وبناء الحزام العربي حول مناطقهم ورفض لغتهم وثقافتهم وإقصائهم الشبه الكامل عن مؤسّسات الجيش والسلطة الحاكمة، وهو ما أفقد الكُردي بمختلف انتماءاته السياسية من أي شعور بالانتماء إلى «الوطن» سوريا، وتمكّن النظام في ذات الوقت من إقناع جزء كبير من السوريين أنّ الكُرد انفصاليون يجب سحقهم وعدم التهاون معهم، ولعل هذا كان هو السبب في توحد جميع السوريين ضدّ انتفاضة الكُرد عام 2004 والتي استطاع نظام الأسد اظهارها وترويجها بكل سهولة على أنّها محاولة انفصالية من الكُرد «الانفصاليين». والتي جاءت في الحقيقة كردة فعل على ظلم مديد لنظام البعث والأسد للكرد وقمعه وقتله لشباب كُرد في مدينة القامشلي.
ومع أن المطالبة بالنموذج الفدرالي حق طبيعي للكرد كشعب يعيش على أرضه، ولكني ارتأيت أنّ السّرد الأخير كان ضرورياً لتوضيح سبب إضافي آخر لمسألة الطرح الفدرالي الكُردي وهو من باب عدم ثقة الكُرد بالعرب السوريين بسبب مشاركتهم على مدى نصف قرن في النظام الذي قمع الكرد ونكّل بهم أو على الأقل وقوفهم موقف اللامبالي تجاه القمع والعنف الذي مورس ضدّهم أثناء انتفاضتهم عام 2004، كما أن هذا الطرح الفدرالي يأتي كضمان لعدم وقوع هكذا ظلم عليهم مرةً أخرى، في حين أنّ الرفض السوري من قبل المعارضة لهذا الطرح يأتي من منطلق عدم ثقتهم بالشعب الكُردي واستمرار تأثرهم بعقلية نظام الأسد والبعث المُشككة بالكُرد على أنهم انفصاليون. وهنا معضلة فقدان الثقة التي نقف اليوم أمامها، وإذا ما تناولنا المعطيات الواقعية ونظرنا إلى الأمر بمنظور وطني وبكل موضوعية، سوف لن نرى بداً من تعاون الطرفين وبذل جهود كبيرة لتأسيس وتوطيد الثقة بين الطرفين، وذلك من خلال القبول بمناقشة جميع المسائل العالقة بين السوريين على أسس ديمقراطية بعيداً عن التعصّب والأحكام المُسبقة.
وهنا العتب الكبير على المعارضة السورية وبعض شخصياتها التي تلعب دوراً سلبياً في تناولها لقضية الفدرالية المقترحة من قبل شركائهم الكُرد في المجلس الوطني الكُردي، وكأن الفدرالية بنظرهم عدوٌ يجب التّوحد حتى مع النظام في سبيل محاربتها، وهم يعلمون علم اليقين أن الفدرالية ليست سوى شكل من أشكال أنظمة الحكم الحديثة التي تُساهم في تطوير الدول لا تقسيمها أو تدميرها ولاسيما إذا بُنيت على أسس مدنية صائبة فسيكون لها تأثيراً إيجابياً في تطوير كامل البلاد، حيث سيعمل كل إقليم فيدرالي على تطوير نفسه وستكون هناك منافسة وطنية بين تلك الأقاليم في مجالي التنمية والتطوير، كما ستلعب دوراً كبيراً في إعادة الثقة المفقودة بين مختلف المكونات السورية.
في النهاية يجب التأكيد أن الثورة تعني التغيير الفكري والسياسي الشامل وليس فقط استبدال حاكم بآخر أو نظام حكم بآخر، فالثورة تعني تغيير المفاهيم المجتمعية وتطويرها نحو الأفضل كما تعني التحرّر من القيود الفكرية والمجتمعية الكلاسيكية، وبما أن الثورة السورية انطلقت لهذه الغاية ودفعت في سبيل التغيير الجذري الكثير من الدماء والدمار فيجب أن تكون ثورةً على جميع الأصعدة ويجب أن يكون طرح جميع المواضيع قابلاً للنقاش بما فيه شكل نظام الحكم وأن يُساهم جميع السوريين في ذلك دون أيّ اقصاءٍ لأي طرفٍ أو مكون من المكونات السورية.
المتحدث باسم تيار المستقبل الكُردي في سوريا
جيان عمر