تحالف إسلامي وليس سنيا

حجم الخط
8

كلما فكرت الدول العربية وتركيا بالقيام ببعض واجباتها لإنقاذ الشعب السوري من العداون الإيراني الطائفي، تعالت أصوات الإعلام الآخر من الإيرانيين وأتباعهم من الفضائيات والإعلاميين المؤدلجين وغيرهم، إلى الادعاء بأن هذه الدول تعمل لتشكيل تحالف عسكري سني لمحاربة الشيعة.
هذه الأكذوبة الإعلامية روجت لها بداية بعض الآراء الغربية السياسية والعسكرية، عندما تظاهروا بفشلهم بالقضاء على تنظيم الدولة في العراق وسوريا، وعجزوا عن دحر «داعش»، لأن القوات البرية التي ساندتهم من الحشد الشعبي العراقي وغيره كانت لا تثبت في أرض المعركة، وتهرب أمام مقاتلي «داعش»، وبالتالي كانت الرؤية العسكرية الأمريكية وفي البنتاغون أنه لا بد من تشكيل جيش محلي من المقاتلين العراقيين السنة، فهــــم المرشحون للثبات على أرض المعركة، على طريقة الصحوات السابقة.
هذه الرؤية الأمريكية أيدتها وجهات نظر بريطانية وفرنسية في مرحلة من المراحل، ولكن الحكومة العراقية المركزية ومن ورائها القيادة الإيرانية رفضت هذه الآراء، ورفضت تشكيل قوة عسكرية عراقية لا تكون قيادتها بأيدي المليشيات الشيعية التابعة لإيران.
وبعد التدخل الروسي في سوريا بحجة مقاتلة «داعش» أيضاً، وقتل الجيش الروسي لأكثر من ثلاثة آلاف سوري، ومعظمهم من المدنيين الأبرياء، وبعضهم من فصائل المعارضة السورية المعتدلة، تعالت الدعوات العربية والإسلامية لتشكيل تحالف إسلامي لمكافحة الإرهاب، وأن يتولى هو بنفسه مقاتلة التنظيمات الإرهابية في بلاده بدون الحاجة إلى تدخل خارجي، ولا قوات تحالف دولي، ولكن ما أن اعلنت السعودية عن تشكيل التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب مع عشرات الدول الإسلامية، إلا وتعالت الأصوات السابقة نفسها بالتشكيك بهذا التحالف، وادعت انه تحالف سني ضد إيران ومحورها الطائفي المتشيع، وهذا كذب فاضح وتزوير للحقائق، وافتراء على الجهود الرسمية التي تقوم بها السعودية ودول الخليج، ونحو ثلاثين دولة شاركت بمناورات رعد الشمال، بما فيها تركيا، وتدخل هذه القوات العسكرية سيكون لوقف سفك الدماء في سوريا أولاً، لأن كل الجهود الدولية التي تدخلت هناك زادت من وتيرة الصراع، بما فيها التدخل الروسي الأخير.
أما في ما يخص العراق واليمن ولبنان، فإن ميليشيات الحرس الثوري الإيراني وتوابعها المحلية هي المتسببة في الأزمات في تلك الدول، لذا فإن الحلول السياسية هي المرجوة بأن تؤتي أُكلها قبل أي تحرك عسكري إسلامي، حتى لو كان في حالة الدفاع عن النفس. لماذا لا يتساءل الطرف الآخر أنه ومنذ بداية هذه أزمات هذه الأقطار العربية، لم ترسل دولة عربية جنديا واحداً بصفة رسمية للمشاركة في إخماد تلك الحروب والفتن الداخلية، بينما تجاهر إيران بإرسال جيشها الرسمي إلى سوريا والعراق، وتجاهر الأحزاب والتنظيمات التابعة لإيران بإرسال مقاتليها إلى سوريا والعراق واليمن، وفي مقدمتها «حزب الله» اللبناني، فزعيمه حسن نصرالله يعلن في كل خطاباته أنه أرسل مقاتليه إلى سوريا والعراق، وأنه يدعم الانقلاب الحوثي ويسانده، ويدعم كل التحركات الطائفية في الخليج العربي، فلماذا لا توجه أصابع الاتهام بالحرب الطائفية إلى من يعترف بمشاركته فيها رسمياً، وهو بمثابة إعلان حرب طائفية من الشيعة ضد السنة.. لقد تساءلت الشعوب قبل الرؤساء العرب والمسلمين، لماذا تسلك الدولة الإيرانية هذا السلوك العدواني ضد شعوب الدول العربية، وهي دول عربية إسلامية وجارة للدولة الإيرانية، ولماذا تقوم إيران بالعدوان بقسوة وهمجية محرمة دينياً وقانونياً، واستغربت الشعوب العربية والإسلامية سكوت أنظمتها على كل الجرائم التي ارتكبتها إيران في العراق منذ عام 2003، والجرائم التي ارتكبتها في سوريا منذ عام 2012 ، والجرائم التي ارتكبتها في اليمن منذ عام 2014، ما اضطر الدول العربية والإسلامية إلى اتخاذ أول قرار عسكري دفاعي عام 2015 بإعلان «عاصفة الحزم» في اليمن، والتحضير لعواصف أخرى قد تكون في سوريا أو غيرها، وقبل هذا التاريخ كانت هذه الدول قد انتهجت توجيه رسائل تحذيرية للقيادة الإيرانية بضرورة التراجع عن سياستها العدوانية تجاه الدول الإسلامية وفي مقدمتها الدول العربية، خاصة التي فيها أقليات من المواطنين الشيعة، مثل العراق وسوريا واليمن ولبنان، وكان آخر هذه التحذيرات «إعلان اسطنبول»، الذي صدر عن مؤتمر القمة لمنظمة التعاون الإسلامي في دورته الثالثة عشرة في مدينة اسطنبول في 15/4/2016
ولدحض افتراءات وسائل الإعلام الطائفية التي تدعي وجود تحضير لحرب طائفية من تشكيل تحالف إسلامي سني، قال الرئيس أردوغان في كلمة افتتاح مؤتمر القمة الثالثة عشرة لمنظمة التعاون الإسلامي في اسطنبول في 14/4/2016 :»إنه لا ينطلق من موقف عقائد سني ولا شيعي، وإنما من منطلق إسلامي»، والرئيس أردوغان يدرك ان زعماء الدول الإسلامية تحت ضغوط شعبية في جميع أرجاء العالم االإسلامي بضرورة وقف التهور الإيراني، ومنع استفحال السياسات الإيرانية الخاطئة أكثر مما وقع حتى الآن، فيكفي إيران قتل أكثر من مليوني مسلم، في مطلع القرن الواحد والعشرين، ولذلك وجدت القيادة التركية نفسها مضطرة للاستجابة إلى دوافع التنديد بالسياسات الإيرانية الخاطئة في قرارات القمة الثالثة عشرة، بل إن القيادة التركية مقتنعة بأحقية هذه التنديدات لأنها حذرت كثيراً في السنوات الماضية من السياسات الطائفية الإيرانية بدون استجابة من ايران، ولذلك فإن دعوى الحرب السنية الشيعية دعوى باطلة لا تؤمن بها تركيا ولا الدول العربية والإسلامية، وإذا تم استثناء دولة واحدة من هذه الدول فإنها ستكون الجمهورية الإيرانية، ويكفي دليلاً على ذلك أن الفتن الطائفية هي في الدول العربية التي توجد فيها أقليات شيعية من مواطني تلك الدول، ولذلك لا حجة للاحتجاجات الإيرانية على البيان الختامي لقمة التعاون الاسلامي في اسطنبول، لأن تلك القرارات عبرت عن إرادة الشعوب الإسلامية قبل تعبيرها عن موقف رؤساء تلك الدول.
إن إيران مطالبة أن تكون علاقاتها مع الدول الإسلامية قائمة على أساس مبادئ حسن الجوار، وعليها تجنب التدخل في الشؤون الداخلية وسيادة ووحدة الأراضي للدول الأخرى، وإيران مطالبة بضرورة حل النزاعات بالطرق السلمية، وبما يتوافق مع قوانين مجلس الأمن، وقوانين منظمة التعاون الإسلامي، من دون اللجوء إلى أسلوب التهديد أو القوة، كما أن منظمة التعاون الإسلامية مطالبة بإدانة الاعتداءات على الدبلوماسيين السعوديين في ولايتي طهران ومشهد، وأن تستنكر منظمة التعاون الإسلامي التصريحات الإيرانية في ما يخص القرار القضائي السعودي الخاص بتنفيذ الإعدام بحق عناصر تابعة للإرهاب، وأن تعتبر تلك التصريحات تدخلا في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وان تدين المنظمة استمرار إيران بالتدخل في الشؤون الداخلية في كل من البحرين، اليمن، سوريا، العراق والصومال، وكذلك تدين استمرارها في دعم الإرهاب. فتبني النعرات الطائفية وجعلها سياسة دولة أدت إلى آثار مدمرة، وعواقب وخيمة، ودمار أربع عواصم عربية بالكامل.

٭ كاتب تركي

محمد زاهد غول

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية