التكييف القانوني لإقالة رئاسة مجلس النواب العراقي

حجم الخط
1

في موقفٍ مفاجئ وكرد فعل على توقيع ميثاق الشرف (وثيقة الإصلاح الوطني) بين الرئاسات الثلاث وبعض رؤساء الكتل السياسية، شهد البرلمان العراقي حراكا سياسيا غير مسبوق، تمثل بخروج بعض النواب عن إرادة رؤساء الكتل، ورفضهم لوثيقة الإصلاح، ومن ثم اعتصموا بمجلس النواب وطالبوا بإقالة الرئاسات الثلاث.
وبدأوا برئاسة مجلس النواب، التي تمكنوا من التصويت على إقالتها في جلسة الخميس 14 أبريل، التي عقدت بدون أن يرأسها أحد أعضاء هيئة الرئاسة، ما أثار لغطا وجدلا كبيرين حولها بين الفرقاء والخبراء، فجهة تقر بقانونية الإقالة وأخرى تنكرها، فما مدى صحة عقد الجلسة بدون حضور أحد اعضاء هيئة الرئاسة؟ وما هو التكييف القانوني لإقالة هيئة رئاسة مجلس النواب؟ وعلى أي مواد وقوانين استند المعتصمون في تصويتهم على إقالة الرئاسة؟ سنحاول الإجابة على هذه الاسئلة كما يأتي:
اولا: قانونية جلسة النواب المعتصمين وصحتها: نصت المادة (11/ اولاً) من النظام الداخلي لمجلس النواب على « في حال تعذر قيام الرئيس أو نائبيه بمهامهم يتولى رئاسة المجلس من يتم انتخابه بشكل مؤقت بأغلبية الحاضرين للجلسة ذاتها»، وعليه فإن عقد النواب المعتصمين لجلستهم وانتخاب عدنان الجنابي رئيساً مؤقتاً أمر قانوني، وجلستهم كانت جلسة قانونية وصحيحة وفقاً للنظام الداخلي، في حال كان النصاب مكتملاً أي حضور(165) نائباً. كما نصت المادة (12/ ثانياً) من النظام الداخلي «يحق لأعضاء مجلس النواب اقالة هيئة الرئاسة وفقاً للقانون» فعن أي قانون تحدثت المادة؟
ثانياً: قانونية إقالة هيئة الرئاسة: لم يرد في الدستور العراقي نص صريح يحدد آلية إقالة هيئة رئاسة مجلس النواب، كما هو الحال مع رئاستي الجمهورية والوزراء، بيد أن المشرع العراقي لم يترك ذلك مطلقاً وإنما نصت المادة (49/ خامساً) من الدستور العراقي على «يقوم مجلس النواب بسن قانون يعالج حالات استبدال اعضائه عند الاستقالة أو الاقالة او الوفاة».
تطبيقاً للنص الدستوري أعلاه شرع مجلس النواب قانون استبدال اعضاء مجلس النواب رقم (6) لسنة 2006، المنشور في الوقائع العراقية بالعدد (4024) في 19/7/ 2006، ومن ثم تم تعديله بقانون تعديل قانون استبدال أعضاء مجلس النواب رقم 6 لسنة 2006، وأصبح القانون يحمل اسم قانون التعديل الاول لقانون استبدال اعضاء مجلس النواب رقم (49) لسنة 2007، المنشور في الوقائـــع العراقية بالعدد (4049) في 27 / 9 / 2007، وقد نصت المــــادة (1/ ثانياً) منه على ما يأتي: «لمجلس النواب إقالة اعضاء هيئة الرئاسة من منصبهم بالأغلبـــية المطلقة لعدد اعضاء المجلس بطلب مسبب من ثلث اعضاء المجلس». يفهم من المادة انها تشترط تقديم طلب من ثلث اعضاء المجلس (110 نواب) لإقالة هيئة الرئاسة، وأوجبت التصويت بالأغلبية المطلقة (نصف + 1) من عدد اعضاء مجلس النواب، أي تصويت 165 نائباً لإقالة هيئة الرئاسة.
وباستعراض ما حصل في جلسة الخميس نجد أنه وبعد امتناع هيئة الرئاسة (حسب قول النواب المعتصمين) عن ترأس الجلسة، عمل النواب المعتصمين وفقاً للمادة (11) من النظام الداخلي، فانتخبوا رئيساً مؤقتاً لإدارة الجلسة وبعد افتتاحها تم التصويت على إقالة اعضاء هيئة الرئاسة، وعرض المعتصمون جلستهم عبر القنوات الفضائية، وهنا أكد المصوتون ان تصويتهم تم بالأغلبية المطلقة، وان النصاب كان مكتملاً، بينما طعن فريق الدكتور سليم الجبوري ومؤيديه بنصاب الجلسة وقالوا إنه لم يتجاوز 131 نائباً، ولم يعترضوا على جوهر الإقالة من النواحي الدستورية والقانونية.
استنتاجات:
اذا كان نصاب الجلسة مكتملاً بحضور(165) نائباً فهي تعد جلسة صحيحة وقانونية، حتى إن عقدت بدون ترؤسها من قبل أحد اعضاء هيئة الرئاسة، أما اذا كان النصاب مختلا فهي جلسة غير صحيحة والجدل في ذلك يحسمه قرار مقرر مجلس النواب وسجل تواقيع الحضور، فضلاً عن شريط فيديو الجلسة. القانون المشار إليه في المادة (12/ ثانياً) من النظام الداخلي هو قانون التعديل الأول لقانون استبدال اعضاء مجلس النواب رقم (49) لسنة 2007. اعتمد على النظام الداخلي لعقد جلسة بدون حضور هيئة الرئاسة، بينما اعتمد على القانون (49) لسنة 2007 من أجل التصويت على إقالة هيئة الرئاسة.
إن الفصل والحسم في قانونية الاقالة ودستوريتها بيد المحكمة الاتحادية العليا، ولكن التأخر في طلب تفسيرها او النظر في قانونية الاقالة من عدمها من جانب المتضررين يعدُ بمثابة اقرار ضمني بقانونية الاقالة.
ورغم تحفظات كثيرة لي على بعض النواب المعتصمين، ممن عرفوا بطائفيتهم وعنصريتهم إلا أنهم ركبوا الموجة فجأة ورفعوا شعارات القضاء على المحاصصة والطائفية، فضلاً عن معتصمين آخرين كان موقفهم بمثابة رد فعل على عدم ترشيحهم لتولي حقائب وزارية من قبل رؤساء كتلهم السياسية، إلا أننا ندعو للخروج من الأزمة الراهنة وإيجاد حلٍ سريع لها والحفاظ على وحدة البرلمان والتفرغ لأزمات البلد الأمنية والاقتصادية التي لها الاولوية على ازمات الاشخاص والرئاسات والكابينات، فالبلد ومصيره اكبر من الجميع.
إن تمسك كل طرف بموقفه واصراره على رأيه لاسيما بعد رفض النواب المعتصمين مبادرة رئيس الجمهورية لحل ازمة الرئاسة، لا يحل الأزمة، لذا نقترح حل مجلس النواب واعلان حكومة انقاذ وطني للسنتين المقبلتين، الأمر الذي سيوفر للعراق اموالا كبيرة جداً (بدل تعويضات ونفقات النواب) وربما سنتمكن من مواجهة الأزمة المالية وعبورها بدون حاجةٍ للاقتراض الخارجي أو الاكتتاب الداخلي، فهل ستتوحد مواقف اعضاء مجلس النواب فتنفرج الازمة المستدامة؟ أم سنتجه لسيناريو حل مجلس النواب واعلان حكومة انقاذ وطني؟

٭ كاتب وباحث سياسي عراقي

همام السليم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية