شكسبير.. بعد أربعمئة عام

يحتفل العالم الأدبي يوم 23 من شهر نيسان/ابريل الحالي بالذكرى المئوية الرابعة لوليم شكسبير، أبرز الشعراء والمسرحيين الإنكليز. فقد ولد شكسبير في شهر نيسان/ابريل من عام 1564 لكن ليس في سجلات الكنيسة في ستراتفورد ـ أون ـ إيفن من تاريخ محدد لمولده في ذلك الشهر، بل ثمة تاريخ 23 نيسان/ابريل تاريخ وفاته. لذلك اتفق غالبية الباحثين على اعتبار يوم 23 نيسان/ابريل 1564 هو تاريخ مولده كذلك.
لم يكمل الفتى شكسبير سنوات المدرسة في مدينته، مما جعل حسّاده الكثار يوم برز في التأليف المسرحي والتمثيل في لندن في أول شبابه يأخذون عليه أنه كان لا يعرف سوى القليل من اللاتينية، وأقل من ذلك من الإغريقية وهما عماد ثقافة «الجامعيين» من معاصريه من الشعراء والمسرحيين. لكن موهبته في الشعر والتأليف المسرحي كانت البرهان على أن الموهبة أكبر من «الثقافة» التي بوسع الموهوب أن ينالها خارج المحيط الجامعي. كان ذكاءشكسبير وموهبته قد جعلتا منه قادراً على الإفادة من ترجمة «نورث» لكتاب ﭙلوتارك : «مشاهير الإغريق والرومان» أكثر مما أفاد كثيرون من «مكتبة المتحف البريطاني برمّتها» كما قال عنه ت.س.اليوت في مقاله الشهير «التراث والموهبة الفردية».
ترك شكسبير للعالم الأدبي 38 مسرحية، بعضها بقسمين أو ثلاثة، منها ما يضيف بعض الباحثين عليها مسرحيتين أو ثلاثاً، ربما اشترك في تأليفها مع بعض مجايليه. تنقسم مسرحياته إلى كوميديات، ومأساويات، وتاريخيات إلى جانب أربعة أعمال شعرية كبرى، لعل أهمها «الغنائيات» وهي 154 قصيدة حب صغيرة، قوام الواحدة منها 14 بيتاً/سطراً، كان لكاتب هذه السطور أن قدّمها بشكلها الكامل للمرة الأولى في العربية، ترجمة وتقديماً وتفسيراً (2013) عن مشروع «كلمة» في ابوظبي.
وقد عرف القارئ العربي المتأدب بعضاً من مسرحيات شكسبير في ترجمات عربية متفاوتة في جودتها، منذ حوالي مئة عام، صدرت في مصر ولبنان في الدرجة الأولى. بعض تلك المسرحيات عرفت أكثر من ترجمة واحدة، اختلفت ترجمة عناوينها. ثمة مثلاً مسرحية Measure for Measure ترجمت مرة بشكل «العين بالعين» ومرة «دقّة بدقّة» وهي عامية قد لا تكون مفهومة في بعض البلاد العربية، والأصوب أن نبقي على الأصل «صاع بصاع» وهو مكيال الحبوب التراثي في العالم الزراعي، ومنه قولهم «يكيل له الصاع صاعين».
ومنذ أواسط القرن الماضي، بدأ القارئ العربي المتأدب يرى ترجمات لمسرحيات شكسبير، بعضها وجد طريقه إلى التمثيل على المسارح في عدد من البلاد العربية. ويجدر بالذكر أن استاذي المرحوم جبرا ابراهيم جبرا قد ترجم أربعاً من المآسي الكبرى منذ عام 1959 بدءاً بمسرحية «هاملت» واعقبها بمسرحيات «مكبث» و»عطيل» و»الملك لير» ثم ظهرت المآسي الأربع في مجلد واحد عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت (2.000) في طبعتها الثانية. وأعقب ذلك بترجمة «كوريولانُس»، ثم «العاصفة» وبعدها «الليلة الثانية عشرة» وذلك بين عامي 1974 ـ 1989. وبذلك يكون أمام القارئ العربي سبعٌ من مسرحيات شكسبير من ترجمة أديب واحد تخصص في دراسة الأدب الإنكليزي بجامعة كمبرج. وقد ساهم كاتب هذه السطور في هذا المجال بترجمة ثلاث مسرحيات غير معروفة أو مشهورة لدى القارئ العربي، هي «تيمون الأثيني» و»سيمبلين» و»ﭙيركليس» وذلك بدءاً من عام 1977. وبهذا يكون لدينا عشر من مسرحيات شكسبير في ترجمة حديثة كاملة، من تحرير وشروح كبار المتخصصين الإنكليز، وهي مساهمة ليست بالقليلة في هذه الفترة من حياة العالم العربي، لم تكن فترة ذهبية في المجال الثقافي. ويُسعد كاتب هذه السطور أن المسرحيات الثلاث التي ترجمها مع «الغنائيات» تعرضها صالة العرض في «مسرح شكسبير الملكي» في ستراتفورد ـ أون ـ إيفن مع ترجمات بلغات أخرى قليلة. وهذا حضور ثقافي عربي في موطن شكسبير أعتزّ به. وأعتزّ كذلك بجهود وزارة الإعلام الكويتية التي بدأت في عام 1968 بمشروع «مسرحيات عالمية» بدأت بترجمات من عدد من اللغات الأوروبية وقد زادت اليوم إلى حدود أربعمئة مسرحية مترجمة تباع بثمن قليل، وتشجع بذلك على إشاعة الثقافة المسرحية بين القراء العرب.
كانت المسرحيات الأكثر شيوعا قد تناولها تراجمة من مصر ولبنان منها «روميو وجولييت»، «أنتوني وكليوباترا»، «يوليوس قيصر». ولكني وجدتُ أن بعض مسرحيات شكسبير «غير المشهورة» تستحق أن تترجم للقارئ العربي لاستكمال معرفته بأعمال شكسبير. وكانت «تيمون الأثيني» أولى ثلاث مسرحيات من هذا النوع. بعد طول بحث لم أجد إشارة إلى ترجمة كاملة سابقة لمسرحية «تيمون الاثيني» فترجمتُها ونشرَتها وزارة الإعلام في الكويت في سلسلة «من المسرح العالمي» العدد 95، آب/اغسطس 1977. ثمة نقطتان شجّعتاني على تناول «تيمون» .أولها أن لا ذكر لها في حياة المؤلف، ولم تمثلها فرقة شكسبير ولا غيرها في حياة شكسبير، ولم تدخل في «سجل الورّاقين» إلا في 8/11/1623 أي بعد وفاة شكسبير بسبع سنوات، فوصِفَت بأنها «من الأعمال التي لم يسبق أن أدخلت باسم شخص آخر» . وبدخول هذه المسرحية في «فوليو 1623» وهو المجلد المعتمد في مسرحيات شكسبير، صار الاعتراف بنسبتها رسمياً. ولكن القرن الثامن عشر لم يُظهر اهتماماً بهذه المسرحية إلى أن أعاد الاهتمام بها القرنُ اللاحق مع ازدهار الرومانسية. والنقطة الثانية أن ثمة إشارات أوردها الباحثون أن ثمة مصدراً محتملاً لهذه المسرحية هو محاورة «تيمون كاره البشر» كتبها بالإغريقية لوقيان الشاموشاطي الذي عاش في مدينة شاموشطة على ضفاف الفرات في منطقة الرها بين 115 ـ 200 ميلادية. كانت هذه المحاورة وغيرها من أعمال لوقيان معروفة في أوروبا القروسطية، ولكن لا توجد إشارة إلى ترجمتها إلى الإنكليزية ليُقال إن شكسبير أفاد منها، ولكنه ربما سمع بها أو قرأها في ترجمة إيطالية أو فرنسية، أو قرئت له. وثمة إشارات إلى ان هذه المحاورة كانت مقررة بترجمتها اللاتينية في مدارس القرن السادس عشر، وربما بقي في ذاكرة شكسبير شيء منها بنى عليها مسرحيته. ثم إن بعض الباحثين وجد تشابها طريفاً بين كرم تيمون الباذخ وبين بعض قصص ألف ليلة وليلة. وقد دفعني هذا إلى مراجعة حكاية «معروف الإسكافي» وكرمه الباذخ، إلى جانب نقاط أخرى في سلوك الشخصيتين. ولكن هذا لا يعني أن شكسبير قد قرأ «ألف ليلة» بل ربما سمع بعض قصصها من البحّارة القادمين من المشرق العربي. وهذه الاحتمالات جميعها تصب في موهبة شخص يبني على معرفة ممتعة مهما كانت ضئيلة. «تيمون» هذا نبيل أثيني، بالغ الكرم، يُغدق عطاياه على كل سائل من أهل اثينا حتى انتهى إلى الإفلاس، فتفرق عن «أصدقاء المنفعة» فانقلب إلى كاره بشر، وحفر قبراً له عند الشاطئ ما لبثت أمواج البحر حتى غطت على ذكراه.
وقد استهوت مسرحيات شكسبير أعداداً شتى من الفنانين والشعراء عبر العصور، في أنحاء العالم. ظهر هذا في «منظور مختلف» عن المسرحيات ،لا يخلو بعضها عن الهزل مقابل منظورات أخرى من الجد، في التمثيل أو الأوبرا. أذكر أني ساهمتُ في مؤتمر أدبي في جامعة «كويلف» في أونتاريو، كندا، أكرَمَنا فيه القائمون على المؤتمر بحضورنا إخراجاً عجيباً لمسرحية «روميو وجولييت». كان روميو أشبه بصقلي «مافيوزو» في بدلته الأنيقة وقبعته المخيفة، يظهر على المسرح يقود سيارة رياضية حمراء، مكشوفة، وتأتي جولييت، حبشية ترتدي ملابس بيضاء ضيقة جدا، تقفز جانبيا إلى المقعد جوار السائق العاشق، عبر باب السيارة الرياضية الحمراء المكشوفة، ثم ينزل العاشق ويدخل مكتبه ويتناول سيكاراً كوبياّ ضخماً، ويبدأ الحديث على التلفون، وكل هذا لم يكن معروفاً أيام شكسبير، ولولا لغة المسرحية، المحرّفة هي الأخرى، لما وجدنا ما يوحي أن هذه مسرحية لشكسبير.
وثمة مثال بارع آخر من التماهي مع شخصيات شكسبيرية، في سياق مأساوي، يقوم على «مسرحية هاملت» نجده في قصيدة رائعة، مؤلمة في جمالها، للشاعر الفلسطيني الراحل: سميح القاسم. «كلمة الفقيد في مهرجان تأبينه» ، كلمة الفلسطيني الميت ـ الحي، في قصيدة مسرحية الطابع، تتماهى مع شخصيات مسرحية هاملت وأحداثها: العم كلوديوس المتهم بموت والد هاملت يغدو العدو الإسرائيلي الذي تسبب في موت فلسطين واحتلالها، كما احتل كلوديوس والدة هاملت وتزوج بها. والوالدة هي الأم فلسطين، و»أحداث» القصيدة تتماهى مع أحداث المسرحية. وثمة التماهي مع أوفيليا الحبيبة التي لم تعد تميل إلى عاشق فارس، لأنّه لا يملك صولجانا ولا سلاحاً. وجمهور مهرجان التأبين من العرب البائدة الذين لا يملكون سوى الكلام وجلب الزهور بطيئة الذبول إلى ذلك المهرجان العقيم، هم أهل أقوال دون أفعال. ويبقى الفلسطيني الميت ـ الحي شامخاً شموخ هاملت، على الرغم من جميع المآسي، شامخاً فوق جموع من البشرِ هم الأموات ـ الأحياء.

عبد الواحد لؤلؤة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية