«القدس العربي»: ارتفعت وتيرة مطالب المتظاهرين في معرة النعمان، وبدأوا بالهتاف ضد أبي محمد الجولاني، قائد جبهة النصرة الجناح السوري لتنظيم القاعدة العالمي. وبث نشطاء من مدينة معرة النعمان تسجيلات مصورة للمتظاهرين الذين هتفوا «يلا ارحل جولاني» مستوحين لحن أغنية القاشوش الشهيرة: «يلا ارحل يا بشار». وتدخل مظاهرات معرة النعمان، اليوم الأحد، يومها الثالث والأربعين دون انقطاع، رغم انفجار سيارة مفخخة بالقرب من ساحة التظاهر في السوق القديم، ما أدى إلى مقتل امرأة وطفل وجرح عشرة آخرين. وكان نشطاء قد اتهموا جبهة النصرة بتفجير السيارة، في محاولة منها لإخافة المتظاهرين كي يكفوا عن التظاهر ضدها.
من جهته، صرح قائد الفرقة 13، المقدم أحمد سعود، لـ«القدس العربي» أن «المظاهرات مستمرة بسبب تعنت جبهة النصرة وعدم استجابتها لمطالب أهالي المعرة». وقال المقدم سعود إن الجبهة «سقطت شعبياً بعد اعتدائها على الفرقة والاستيلاء على عتاد الفرقة العسكري من آليات وسلاح وذخيرة، إضافة إلى الآليات الخدمية وسيارات الإسعاف».
من جانب آخر، بث اعلاميو مدينة معرة النعمان شرائط مصورة للمجزرة التي ارتكبها الطيران السوري بحق المدنيين خلال استهدافه سوق الخضار في المدينة، حيث ارتفع عدد القتلى إلى 37 قتيلاً ونحو 90 جريحاً. وأظهرت الفيديوهات أهالي معرة النعمان وهم يقومون بنقل الجرحى على الدراجات النارية، ما أثار موجة انتقادات كبيرة لجبهة النصرة التي استولت على سيارات «منظومة إسعاف معرة النعمان»، وهي المنظومة التي شكلتها الفرقة وتقوم بخدمة المدنيين إضافة لمقاتلي الفرقة 13. وكانت جبهة النصرة قد اعتقلت قائد المنظومة، عمران قيطاز، في مدينة إدلب مع ثلاثة من نشطاء مدينة معرة النعمان، خلال مظاهرة قمعتها الجبهة، لتفرج بعدها عن ثلاثة من المعتقلين فيما أبقت على الرابع مدة زادت عن الشهر. وفي السياق قال أحد أعضاء منظومة اسعاف معرة النعمان ـ تتحفظ «القدس العربي» على ذكر اسمه ـ إن المنظومة تملك سيارتين مجهزتين بجهاز تنفس صناعي (منفسة)، وهما السيارتان الوحيدتان في المنطقة، المجهزتان بمعدات متطورة.
وأشار عضو منظومة الإسعاف في حديث مع «القدس العربي» إلى «الدور الكبير الذي قدمه الفريق في العمليات الإسعافية، سواء جرحى الحرب أو المرضى أو الأطفال حديثي الولادة». وأضاف المسعف «كانت سياراتنا تنقل في الأيام العادية أكثر من أربع حالات يومياً من المشافي الميدانية والمشفى المركزي، وفي حالات القصف الجوي على المدينة يرتفع المعدل إلى 10 حالات حسب حدة القصف، وكانت السيارات على أتم الجاهزية وتلبي جميع مشافي المنطقة والمشافي عبر المراصد والدفاع المدني حتى نقاط الرباط على الجبهات في أرياف حماة وحلب. وتنقل الحالات الحرجة إلى الحدود التركية».
وتعتبر الحاضنة الشعبية للفرقة 13 من أكبر حواضن الفصائل المسلحة لدى المعارضة، ولعل السبب الأساسي لذلك هو قوة القطاع الخدمي في الفرقة حيث توزع الخبز للأهالي بسعر مدعوم، كما تعمل آليات الهندسة التابعة للفرقة إلى جانب الدفاع المدني، إضافة إلى نقل المياه بصهاريج إلى بيوت أهالي المدينة مجاناً. كذلك تتولى الفرقة توزيع الإغاثة على الأسر الفقيرة وأسر المقاتلين. كل ذلك ساعد على بناء حاضنة شعبية مميزة، وأمدّ المتظاهرين بشجاعة غير مسبوقة، تذكّر بأولى المظاهرات ضد نظام الأسد، منتصف شهر آذار/مارس 2011.
وقال الناشط وعضو المكتب الإعلامي في الفرقة 13، عبد الرحيم العمار «إن الجبهة تراهن على ملل المتظاهرين وتعبهم، لكن المظاهرات مستمرة ولن نتوقف حتى استرجاع حقوقنا ومحاسبة من قتل ستة من مقاتلي الفرقة».
ومن اللافت أن جبهة النصرة تتعامى عن مظاهرات معرة النعمان ضدها، ويبدو أن قياداتها تعي خطورة قمع المظاهرة المدنية ضدها، وأن النصرة بدأت بالرهان على أن يفقد المتظاهرون الأمل ويشعروا بعدم جدوى التظاهر، فهم فعلوا كل ما يستطيعون بعد شهر ونص من المظاهرات المستمرة. ولا تفضل النصرة فيما يبدو الاحتكام إلى القوة بتفريق المظاهرات، فذلك سيزيد من سقوطها الشعبي في منطقة معرة النعمان، وسيتمدد ليصل إلى مناطق أخرى، خصوصاً وأن المظاهرات شهدت عودة لنزول النساء والأطفال إلى الشارع بعد انقطاع دام ثلاث سنوات، بسبب القصف الجوي على كل التجمعات.
ومع بقاء مقاتلي الفرقة مرابطين على عدة جبهات في حماة واللاذقية، ووجود الفرقة 13 كرأس حربة في المعارك مع تنظيم «الدولة الإسلامية» في ريف حلب الشمالي، إضافة إلى تمركزها في خطوط اشتباك مع قوات الحماية في الشيخ مقصود وريف حلب الجنوبي، تنجح الفرقة أكثر فأكثر في كسب تأييد فصائل الجيش الحر، ومساندة واحترام الكثير من النشطاء السوريين.
ذلك لأن أغلب مقاتلي الفرقة الذين اعتقلتهم «جبهة النصرة» ليلة اقتحام معرة النعمان ومقرات الفرقة، التحقوا بجبهات القتال ضد النظام في ريف حلب الجنوبي قرب خان طومان. كل هذا يضع جبهة النصرة في حرج كبير أمام جمهورها والمدافعين عنها، ويبدو أن المعارك الكبيرة التي خاضتها الجبهة ضد الميليشيات العراقية في بلدة الحاضر لم تشفع لها أمام كثيرين برروا لها في السابق هجومها عل جبهة ثوار سوريا وحركة حزم وبعض فصائل الجيش الحر الأخرى. بل يبدو أن النصرة قد ارتكبت الخطأ القاتل، فاستمرار المظاهرات ضدها ربما سيجعلها تخرج عن سياسة ضبط النفس، وإنْ انزلقت إلى هذا فالأمر يعني أنها ستوجه رصاصها إلى المدنيين، نساء وشيوخا وأطفالاً. وهذا هو الخيار المر.
منهل باريش