أفق الأزمة البرلمانية وحراك الشارع العراقي

ما تزال كرة ثلج الأزمة العراقية تتدحرج وتكبر، وكلما هدأت حركتها وأعتقد المتابعون ان الوضع ابتدأ بالانفراج، تعود الأزمة لدحرجتها جارفة كل التوقعات. الحركة السريعة التي تميزت بها الأيام الماضية منذ بداية شهر نيسان/ابريل الجاري جعلت كل مراقب للوضع العراقي يعد الدقائق متوقعا بداية انفجار بركان الغضب في الشارع العراقي، لكن تم نزع فتيل الأزمة في اللحظات الأخيرة لتهدأ الأمور مؤقتا في انتظار تداعيات جديدة. وكل محلل للأوضاع السياسية في العراق عندما يمسك خيطا، ويوهم نفسه بانه سيتابع تفكيك المشهد كله بتسلسل، يجد نفسه قد دخل متاهة متشابكة الخيوط تفرض عليه إعادة حساباته مرارا وتكرار، لكني سأغامر في قراءة المشهد، وأحاول ان أمشي خطوة خطوة مع الخيوط المتاحة أو على الأقل المعلنة من الأزمة في هذه القراءة.
خلفيات الأزمة العراقية باتت معروفة منذ اندلاع التظاهرات الشعبية صيف 2015 عندما خرجت المظاهرات العفوية دون تخطيط أو توجيه من طرف سياسي، مظاهرات محركها سوء الأوضاع وتردي الخدمات والتدهور الاقتصادي والأمني الذي يعيشه المواطن، والشعار المحوري في هذا الحراك كان التنديد بالطبقة السياسية، برلمانا وحكومات منذ 2003 حتى 2015. والتهم الموجهة كانت تنصب بشكل رئيسي على أحزاب الإسلام السياسي بشقيه الشيعي والسني، التي جرت البلد إلى محاصصة حمت حيتان الفساد من العقاب، فكان صوت الشارع يصرخ (باسم الدين سرقونا الحرامية). واستمر الحال بين شد وجذب، بين حزم إصلاحات ووعود لا تنفذ، وكرة الأزمة تنتقل بين الحكومة والبرلمان دون أي بارقة أمل لإيجاد مخرج، وزادها التدهور الاقتصادي وسيطرة عصابات داعش على مساحات واسعة من العراق سوءا، وجعلت محاولة حلحلتها أمرا عسيرا، حتى دخل التيار الصدري بقيادة السيد مقتدى الصدر في شهر اذار/مارس الماضي على الخط، وتحولت التظاهرات إلى اعتصامات مفتوحة شارك فيها السيد الصدر نفسه باعتصامه في المنطقة الخضراء التي تضم الحكومة والبرلمان والسفارات الأجنبية في بغداد، ثم تم إنهاء الاعتصامات على إثر وعود بتشكيل حكومة تكنوقراط مستقلة تمثل حكومة إدارة أزمة للوصول إلى مخرج يلبي الحد الأدنى من طلبات الشارع. على إثر ذلك، قدم العبادي اسماء وسير المرشحين المستقلين للحصول على ثقة البرلمان في الحكومة الجديدة، تم رفض أغلبها من الكتل السياسية، التي طالبت بدورها بتقديم أسماء لمرشحين تكنوقراط مقربين أو تابعين لأحزابها، وهنا قدم وفي اليوم نفسه العبادي قائمة بديلة بمرشحين جدد تم التوافق عليهم فيما عرف بـ (وثيقة الشرف) التي وقعت يوم 11 نيسان/ابريل من رئيس الجمهورية ورؤساء كتل ورئيس الوزراء تعزز مبدأ مراعاة الشراكة الوطنية والمكوناتية عند اختيار أصحاب المناصب، وهذا ما اعتبره من قاطع الاجتماع (المالكي والصدر وعلاوي) تكريسا للمحاصصة، مما أدى إلى توتر في البرلمان قاد إلى اشتباكات ونزاع وتضارب بين النواب، ادى إلى رفع الجلسة. مع هذا الجو المتوتر ابتدأت أو طرحت فكرة اعتصام النواب في البرلمان وإعلان رفضهم لتدخل الكتل السياسية في تحديد أسماء الوزراء، أو على الأقل هذا ما أعلن، وابتدأ يوم 13 نيسان/ابريل ما عرف باعتصام النواب في البرلمان، وقد ادعى بعض النواب ان المعتصمين وصل عددهم إلى 170 نائبا في إشارة إلى إمكانية عقد الجلسات التي تشترط تحقيق النصاب القانوني بـ 165نائبا (الأغلبية هي نصف عدد أعضاء البرلمان +1) وبذلك يستطيعون ككتلة الضغط لتمرير مطالبهم. وفي الجلسة المقررة في اليوم التالي 14 نيسان/ابريل تغيرت المعطيات وارتفع سقف المطالب، حيث طالب النواب المعتصمين بإقالة رئيس البرلمان سليم الجبوري ونائبيه، كخطوة أولى ستتبعها بحسب إعلانهم خطوات إقالة الرئاسات الثلاث جميعها (البرلمان والوزراء والجمهورية). ومع انسحاب رئيس البرلمان وتعليق الجلسة، أصر المعتصمون على عقد الجلسة وانتخاب رئيس مؤقت للبرلمان هو النائب عدنان الجنابي، الذي أعلن عبر مقرر البرلمان النائب نيازي أوغلو ان النصاب مكتمل قانونيا، ليتم التصويت على إقالة رئيس البرلمان ونائبيه، الذي طعن بدوره بشرعية ودستورية الخطوة المتخذة من حوالي ثلث البرلمان، بينما أعلن النواب المعتصمون ان من حق سليم الجبوري اللجوء للمحكمة الاتحادية للبت في مشكلة دستورية الإجراء من عدمه، في إشارة إلى فرض سياسة الأمر الواقع في خطوة إزاحة الجبوري عن منصبه، مما دفع القوى السنية في البرلمان إلى اعتبار المسألة موجهة إلى السنة وتحميلهم مسؤولية فشل الحكومة واستخدام سليم الجبوري كبش فداء لإرضاء هتافات الشارع وتهدأتها، بينما كان الأولى والأصح من وجهة نظرهم إقالة الحكومة ورئيسها الذي يتحمل مسؤولية الفشل في تحقيق الإصلاحات المطلوبة.
أصبح أمام الأزمة البرلمانية سيناريوهان، الأول ويمكننا ان نصفه بالمتفائل، وهو السيناريو اللبناني، وهو حالة الشلل التي تعاني منها الحكومة والبرلمان منذ حوالي السنتين نتيجة عدم الوصول إلى اتفاق لحلحلة الأزمة، أما السيناريو الثاني، فهوالمتشائم، وهو السيناريو الليبي، حيث تعيش ليبيا في ظل برلمانين وحكومتين متقاتلتين، وكمحاولة لاحتواء الأزمة والعمل على ايجاد مقتربات لحلها، طرح رئيس الجمهورية فؤاد معصوم مبادرة لم الشمل وعقد جلسة موحدة يرأسها طرف ثالث (بحب التسريبات كان المرشح هو النائب سعدون الدليمي كحل وسط بين الرئيس المقال والرئيس المؤقت) تتم فيها مناقشة كل تفاصيل الأزمة للوصول إلى نتائج ترضي الطرفين، لكن الجلسة تحولت إلى فخ يحاول كل طرف ان يوقع به خصمه، مما ادى إلى انسحاب الكتل المعترضة وبقاء كتل المعتصمين، وهذا أوصل الأزمة إلى نهاية خانقة غير قابلة للحل.
عند تدقيق النظر في هذه اللحظة الفارقة ومحاولة تفكيك المشهد نجد ان المعتصمين رفعوا سقف شعاراتهم عاليا، وطرحوا انفسهم تحت مسمى الثورة العراقية، وانهم ممثلو الشعب العراقي، وانهم فكوا ارتباطهم بكتلهم السياسية، وان بدء اعتصامهم يمثل نهاية حقبة المحاصصة والفساد، وانهم سائرون في اتجاه تحقيق ما يطمح إليه الشعب، لكن عندما ندقق النظر في مكونات هذا التكتل الجديد نجد انه مؤلف من 40 نائبا من كتلة الأحرار التابعة للتيار الصدري، و65 نائبا من كتلة دولة القانون التي يتزعمها رئيس الوزراء السابق المالكي، و5 نواب من ائتلاف العراقية بقيادة إياد علاوي، و8 نواب من اتحاد القوى العراقية السني، ونائبين من المجلس الأعلى الإسلامي منشقين عن كتلتهم، ونائبين كرديين من حزب التغير منشقين عن الكتلة الكردستانية وبعض المستقلين، ما يصل بالعدد إلى حوالي 130 نائبا، في المقابل فان المتمسكين بالشرعية الدستورية وبقاء سليم الجبوري هم المجلس الأعلى وكتلة بدر وكتلة اتحاد القوى العراقية السني وبعض الكتل الصغيرة مشكلة حوالي 120 عضوا، ما يعني وجود حوالي 90 عضوا مواقفهم لم تحسم أو كانوا في وضع المتفرج للتعرف على الكفة الأرجح ومن ثم الدخول في الصراع السياسي. كما ان القراءة الأولية يمكن ان تطرح توصيفا مفاده ان كتلة المعتصمين بالرغم من تصريحاتهم المناهضة للمحاصصة والداعية لفك ارتباط النواب بكتلهم نجدها مكونة بشكل رئيس من نواب يدعمون المالكي ؟أو يرفضون تنحيته من الولاية الثالثة ومجيء العبادي بديلا له باستثناء الصدريين.
في هذه اللحظة الفارقة من الأزمة يتدخل السيد مقتدى الصدر عبر بيان نشر في وسائل الإعلام ركز فيه على عدة نقاط ساهمت في نزع فتيل الأزمة، ولو بشكل مؤقت، وإعادتها إلى المربع الاول، حيث أعلن سحب نواب كتلة الأحرار من اعتصام النواب في البرلمان، وجمد عمل الكتلة لحين التصويت على التشكيلة الوزارية المستقلة التي يطالب بها الشارع، ودعا إلى استمرار الاعتصامات في الشارع للضغط على الحكومة والبرلمان للسير باتجاه الاصلاح الحقيقي، وهاجم خصمه السياسي القديم الجديد نوري المالكي عندما قال ؛»ما زال الكثير من السياسيين يحاولون ان يحرفوا الثورة الشعبية العراقية الأصيلة عن مسارها الذي خط لها، محاولين بشتى الطرق تحويلها إلى نزاعات سياسية برلمانية من أجل ابقاء مكتسباتهم الضيقة أو من اجل الإنتقام ممن ازالوا الولاية الثالثة.لذا فان الصراع البرلماني الدائر تحت قبته بل وخارجه، أصبح يؤثر سلبا على هيبة الثورة العراقية الشعبية الأصيلة». كما وصف الحراك الشعبي في العراق بأنه «الثورة الشعبية العراقية وربيعها العراقي العربي الإسلامي الوضاء» والأخطر من ذلك انه طالب في بيانه بتدويل الأزمة العراقية عبر الإشارة إلى «اننا في الوقت نفسه نطلب من منظمة الدول الإسلامية والأمم المتحدة التدخل من أجل إخراج الشعب العراقي من محنته وتصحيح العملية السياسية ولو من خلال فكرة انتخابات مبكرة قد تكون نهاية المحاصصة والفساد المستشري في أروقة السياسية والحكومة». والإشارة إلى منظمة الدول الإسلامية تعني تفعيل دور المملكة العربية السعودية التي تقود المنظمة ومعها عدد من الدول الإقليمية الأخرى.
وقد رأى بعض المراقبين ان اعتصام ما تبقى من النواب قد أصيب في مقتل نتيجة انسحاب كتلة التيار الصدري، بالرغم من البيانات التي صدرت وجلسة البرلمان التي عقدها المعتصمون يوم الخميس 21 ابريل/نيسان وتأكيد من تبقى في الاعتصام ان الانسحاب لن يؤثر على قرارهم في المضي قدما في تحقيق أهدافهم، بينما الواقع يشير عبر تسريبات عن مجموعة اتصالات أجراها رئيس الحكومة العبادي مع قادة الدول الإقليمية شملت الأردن ومصر وإيران والسعودية وقطر والولايات المتحدة وبريطانيا، كان خلفها تطمينات بتجاوز الأزمة والسير قدما في تشكيل الحكومة وإجراء الإصلاحات والتعاون الاقليمي والدولي في حرب عصابات داعش في عمليات تحرير الموصل وما تبقى من محافظة الأنبار، بينما الشارع العراقي ما زال يشهد حالة غليان وتحول خطير في مزاج المعتصمين حيث شهد بدايات التلويح بأعمال عنف مقبلة عبر تعليق مشانق رمزية في ساحة التحرير وسط بغداد ومحاصرة بعض الوزارات والطلب من الوزراء تقديم استقالاتهم، فهل تنجح الطبقة السياسية في عبور لجج الأزمة والوصول إلى حل ما بأقل الخسائر؟ هذا ما نتمناه وما ننتظره في الأيام الآتية.

صادق الطائي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية