تراجع ثقافة الترحيب باللاجئين داخل المجتمع الألماني؟

حجم الخط
13

برلين ـ «القدس العربي»: جائزة «الحريات الأربع» الدولية الشهيرة التي حصلت عليها المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل مؤخرا، بسبب قيادتها الأخلاقية لمواجهة أزمة الديون والأزمة الأوكرانية وكذلك أزمة اللجوء، التي تعرضت لها القارة العجوز، سلطت الضوء على ثقافة الترحيب باللاجئين، التي حاولت تمريرها داخل المجتمع الألماني، هل ما زالت موجودة أم أنها إختفت من داخل المجتمع الألماني؟
في كلمة الشكر التي ألقتها ميركل، شددت على ضرورة أن تجتمع أوروبا في التوصل لحل لأزمة اللجوء. ودافعت خلال ذلك عن اتفاق الاتحاد الأوروبي مع تركيا بشأن هذه الأزمة، ودعت المستشارة الألمانية للتوصل لـ «منظور حقيقي يسهم في إبادة نموذج الأعمال البغيضة التي يـــقــوم بهـــا مهـــربو البشر». وأشارت إلى أنه يسري الآن توزيع اللاجئين بشكل متضامن في أوروبا والمضي قدما نحو مواجهة أسباب اللجوء.
لقد تغيرت أمور كثيرة في ألمانيا منذ عام تقريبا، فلم تعد آلاف الصور لمواطنين ألمان يرحبون باللاجئين تجوب العالم بأسره. حيث رفع المواطنون الألمان لافتات كتب عليها بالإنكليزية «مرحبا باللاجئين». فيما تطوع عشرات الآلاف منهم لمساعدة اللاجئين دون مقابل. وبدلا من هذا كله باتت التظاهرات التي تنظمها حركة بيغيدا اليمينية المتطرفة، مظاهرات دفعت باتجاه انفجار جدل سياسي حول اللاجئين. وزاد من حدة الأمر التزايد الكبير لعمليات إحراق مراكز لجوء رافقتها اعتداءات على لاجئين في مدن ألمانية مختلفة، خاصة بعد الإعتداءات الجنسية لمهاجرين شباب في رأس السنة في كولونيا، والتي خلفت هي الأخرى آثارا سلبية واضحة، واستغلها اليمين المتطرف أيما استغلال.
وبالرغم من إعتزام الحكومة الاتحادية في ألمانيا مراعاة مطالب الولايات فيما يتعلق بتكاليف اللاجئين، ورصد ما يصل إلى 500 مليون يورو إضافية لهذا الغرض، إلا أن مراقبين يرون أن ثقافة الترحيب باللاجئين في ألمانيا تقترب من نهايتها، وأن المناخ السياسي قد شارف على التغير. وهو ما صرح به زعيم الاتحاد الاجتماعي المسيحي هورست زيهوفر لصحيفة «بيلد آم زونتاغ» في وقت سابق أن سياسة المستشارة أنغيلا ميركل تجاه اللاجئين تغيرت.
وقال زيهوفر وهو أيضا رئيس وزراء ولاية بافاريا أن «الحكومة الاتحادية غيرت تماما سياستها المتعلقة باللاجئين رغم أنها لم تقر بذلك». وأضاف «ثمة تراجع تدريجي عن ثقافة الترحيب غير المشروطة. ورغم الصور الآتية من الحدود اليونانية المقدونية فلم يقل أي سياسي ألماني اليوم :(الحدود مفتوحة ولنسمح للجميع بالمجيء إلى ألمانيا).»
حيث يصر رئيس وزراء بافاريا، على ضرورة أن تضع ألمانيا حدا أقصى لعدد اللاجئين الذين تقبلهم، وهو طلب رفضته ميركل وراهنت بدلا من ذلك على حل أوروبي للأزمة.
وفي حوار أجرته صحيفة «تاتس» الألمانية أعرب بوركهاردت عمدة مدينة لايبزيغ يونغ عن خجله بسبب تراجع سكان مدينته عن تقديم يد العون للاجئين، قائلا «أكاد لا أستطيع تحمل ما حصل في مقاطعة سكسونيا وهذا الأمر ينطبق على مدينتي أيضا. كان هناك استعداد كبير لقبول اللاجئين وفي المقابل كانت هناك رغبة عالية في صد كل ما هو غريب».
من جانبه اتهم أنتون هوفرايتر المسؤول الكبير في حزب الخضر المعارض أيضا، المستشارة الألمانية لتغيير موقفها، وقال لصحيفة «راينشه بوست» إن ميركل «تخلت عن نهجها الإنساني» بتأييدها لاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا بهدف وقف تدفق الهجرة غير المشروعة إلى أوروبا.
إن ما تواجهه ألمانيا لا تعد المشكلة الأولى مع اللاجئين، فتاريخ ألمانيا الحديث والقديم حافل في ما يتعلق باللجوء، خاصة بعد فرار الألمان من الحروب العديدة التي شهدتها منطقتهم. إلا أن التاريخ الحديث يخبرنا عن حالة مشابهة للحالة السورية. إذ أنه في عام 1993 انتشر الخوف من الهجرة غير المنضبطة. وخلال عام واحد دخل ألمانيا حوالي440 ألف طالب لجوء، بسبب حرب البوسنة. وكانت الحكومة الألمانية في حاجة إلى التحرك بسبب الضغوط القوية عليها، فقامت بتشديد قوانين اللجوء، بحيث تستقبل الملاحقين سياسيا فقط.
وخلال جلسة برلمانية في البرلمان الألماني «بوندستاغ» تم التصويت على إجراء تغيير في القانون الأساسي للدولة (الدستور الألماني) حيث تم إدخال ما يسمى بـ «نظام الدولة الثالثة» الذي يقضي بأن اللاجئين، الذين يدخلون ألمانيا عبر دولة تابعة للاتحاد الأوروبي أو دولة مجاورة لألمانيا، لا حق لهم في الحصول على اللجوء ومن الممكن ترحيلهم فورا.
هناك تشابه كبير بين الأوضاع عند المقارنة بين ذلك الوقت وما يحدث حاليا في موضوع اللجوء. حيث يبدو أن سياسة الترحيب قد انتهت، لأن كل الاهتمامات في برلين تركز حاليا على كيفية الحد من تدفق اللاجئين إلى ألمانيا.
الكاتب الألماني كاي شولتس نشر في موقع «دويتشه فيله» عن هذه الإشكالية وحاول فهم ما يجري في المجتمع الألماني، وما هو سر تراجع ثقافة الترحيب، ويرى شولتس أن فتح الحدود أمام اللاجئين كان سياسة أحادية من أنغيلا ميركل: لم يكن هناك قرار أوروبي في ذلك، ولم يُسأل البرلمان الألماني عن رأيه، ناهيك طبعاً عن المواطنين الألمان. اندفعت هي كمستشارة ـ وحصلت في البداية على مديح في ألمانيا والعالم. لكن تأثير الخطوة التي أقدمت عليها فاق مخيلة الكثيرين.
70٪ من الألمان يشعرون حاليا بالقلق من تدفق اللاجئين بلا هوادة. ولم يسبق أن كانت الأجواء بهذا السوء منذ عشر سنوات. ولأن كثيرين يعتقدون أن «أزمة اللاجئين تساوي ميركل، وميركل تساوي أزمة اللاجئين» فإن شعبيتها في الوقت الراهن سيئة لدرجة أن الغالبية غير راضية عن عملها كرئيسة للحكومة.
ولعل ذلك يفسر التقدم المفاجئ الذي أحرزه حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني الشعبوي في الانتخابات المحلية التي جرت في ثلاث ولايات، وولد حالة من الجدل داخل ألمانيا حيث تحوّل هذا الحزب اليميني المتطرف، من حزب هامشي إلى ثالث أكبر قوة سياسية في الولايات التي جرت فيها الانتخابات، وذلك بعد حصوله على نسبة تزيد عن 10٪ في الانتخابات المحلية التي جرت مساء الأحد في ولايات بادن فورتمبرج وراينلاندبفالتس وسكسونيا ـ أنهالت، وهو ما ولد حالة من الصدمة، لكثير من الألمان الذي علقوا على صفحات التواصل الاجتماعي بأنهم يشعرون بالخجل من هذه النتيجة.
بينما اعتبرت رئيسة حزب «البديل من أجل ألمانيا» فراوكه بتري النجاح الذي حققه حزبها في الانتخابات المحلية إشارة على الرغبة في حدوث تغيير في السياسات. وقالت في تصريحات لإذاعة ألمانيا إن النتائج «الجيدة بصورة مفاجئة» للحزب في الولايات الثلاث تدل على أن المواطنين «غير راضين تماما عن مواقف الأحزاب الراسخة، خاصة الأحزاب الشعبية الكبيرة سابقا». وذكرت أن حزبها يعتزم العمل في برلمانات الولايات كحزب معارض، مشيرة إلى أنه من المبكر المشاركة في حكومات محلية.
وهناك تراجع في التصريحات التي أطلقتها المستشارة ميركل بدايةً، حيث إنها لم تعد تتحدث عن اعتقادها في القدرة على مواجهة التحديات، بل إنها تصرح الآن أن ألمانيا تمنح الحماية بشكل مؤقت لأغلبية اللاجئين. فهي تنتظر من اللاجئين السوريين والعراقيين أن يعودوا إلى أوطانهم بعد انتهاء المعارك فيها. يأتي ذلك في سياق الجدل، الذي أثاره الكاتب المتطرف تيلو زارتسين، العضو السابق في مجلس إدارة البنك المركزي «البوندس بنك» بسبب ظهور كتابه الجديد «التمني» الذي يعارض فيه اللجوء وسياسة ميركل ويقول «إن استعادة السيطرة على حدودنا، سواء داخل ألمانيا أو في فضاء منطقة شنغن، هي مسألة بقاء لحضارتنا، والبقاء على قيد الحياة وأن ألمانيا لن تنجح في امتصاص هذه الصدمة ما بقي قدوم اللاجئين إليها على حاله».

علاء جمعة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية