كشفها دونما مواربة بن رودس، مستشار أوباما، بعد مباحثات الأخير مع القادة الخليجيين. قال إن الرئيس الأمريكي حاول «المواءمة» بين الأهداف التي يتفق عليها الطرفان، والأساليب التي هي موضع اختلاف، لا خلاف.
الطرفان متفقان على محاربة «الإسلام الجهادي» المتمثل بتنظيميّ «الدولة الإسلامية – داعش» و»القاعدة» الناشطين في كل مكان، ولاسيما في سوريا والعراق واليمن. ومتفقان أيضاً على مواجهة «الإسلام الثوري» المتمثل بإيران وحلفائها، ولاسيما سوريا وحزب الله. لكنهما مختلفان في أسلوب محاربة «الإسلام الجهادي» ومواجهة «الإسلام الثوري». الأولوية، في هذه الآونة، هي لمحاربة «الإسلام الجهادي» في سياسة الولايات المتحدة، فيما هي لمواجهة «الإسلام الثوري» في سياسة السعودية. اختلاف الطرفين يتعدّى مسألة الأولوية إلى مسألة الكيفية. واشنطن تدعو إلى التركيز على محاربة «داعش» في سوريا والعراق واليمن عسكرياً في ساحات القتال، وسياسياً على طاولات المفاوضات على النحو الآتي:
في سوريا، ثمة حاجة لوقف الأعمال العدائية وتوليف تسوية سياسية، من خلال مرحلة انتقالية لا يبقى الرئيس بشار الأسد في نهايتها وليس في بدايتها، مع الحفاظ على مؤسسات الدولة، لأن إطالة أمد الصراع مُكلفة ولأن «الغالب سيرث بلداً منهاراً سيتطلّب سنوات عدّة لإعادة بنائه».
في العراق، يقتضي اتحاد الأطراف السياسية لمواجهة «داعش». حيدر العبادي «شريك جيد» لواشنطن،»لكن شكل الحكومة مسألة تخصّ العراقيين وحدهم»، مع العلم أن «الشلل السياسي يُعيق جهود الولايات المتحدة في حربها ضد داعش».
في اليمن، طالت المهلة التي جرى منحها للسعودية لحسم المعركة، الأمر الذي يستوجب إعادة النظر بالسياسة المتبعة بغية تركيز الحرب على جماعات الإرهاب التي انتعشت في ظل الحرب السعودية في اليمن وعليها.
لا خلاف بين الطرفين الأمريكي والسعودي على مواجهة «الإسلام الثوري» المتمثل بإيران وحلفائها. لكن ثمة «مخاوف خطيرة لدى الطرفين بشأن تصرفات إيران». فواشنطن تدعو الرياض للتواصل مع «القوى الأكثر عقلانية» في طهران بغية «عدم المشاركة في تصعيد الحروب بالوكالة في المنطقة، لأن لا مصلحة لنا جميعاً في النزاع مع إيران». هذه المقاربة السياسية لا تتعارض بالضرورة مع المقاربة الأمنية لكِلا الطرفين في تعاطيه مع إيران وحلفائها، من خلال:
تأكيد التزام الولايات المتحدة بأمن دول الخليج وحمايتها وتزويدها بالأسلحة المتطورة التي تحتاجها.
الضغط على ايران للحؤول دون تزويد الحوثيين بأسلحة وعتاد، والعمل على تسهيل وصول الأطراف اليمنية المتنازعة إلى تسوية سياسية في المشاورات الدائرة في الكويت.
تشديد الحصار، الأمني والمالي، المضروب على حزب الله لتطويق فعاليته السياسية في لبنان، وإضعاف مشاركته القتالية في الحرب إلى جانب الجيش السوري، والحؤول دون تزويده بأسلحة متطورة تكسر التوازن القائم حالياً بينه وبين اسرائيل.
الصراع مع «الإسلام الثوري» المتمثل بإيران وحلفائها، ولاسيما حزب الله، هدف مشترك للطرفين الأمريكي والسعودي، ولا خلاف جوهرياً بينهما على الأساليب المتبعة في هذا السبيل. فالولايات المتحدة حريصة لاعتبارات استراتيجية عليا على متابعة صراعها مع الجمهورية الإسلامية وتعزيز مواجهتها لها، امنياً واقتصادياً. وإذا كانت المواجهة الأمنية، ولاسيما ما يتعلق منها بحزب الله تتولاها إسرائيل بالدرجة الأولى، فإن المواجهة الاقتصادية ـ المالية تتولاها الولايات المتحدة. وهي مواجهة واسعة، متشعبة ومذهلة. كل ذلك لأن واشنطن تنظر إلى حزب الله على أنه الذراع الأقوى للإسلام الثوري المتمثل بإيران من جهة والحليف القومي الأوفى لسوريا بما هي الدولة العربية الاصدق التزاماً بمقاومة اسرائيل، من جهة أخرى.
إن نظرةً خاطفة على ما فعلته وتفعله الولايات المتحدة ضد حزب الله يعطي فكرةً عن أبعاد «الحرب الناعمة»، بفصولها المالية الباردة وفصولها الأمنية الساخنة الدائرة حالياً على مستوى العالم برمته، ولاسيما في ساحات الصراع في غرب آسيا من حيث:
إصدار الكونغرس الامريكي في 2015/12/18 قانوناً يقضي بمعاقبة الأقمار الصناعية التي تقدّم خدمات البث الفضائي لتلفزيون «المنار» (حزب الله) ما أدى إلى وقف بثه عبر «عربسات» ثم عبر «نايل سات». بعدها جرى فرض عقوبات على المصارف الأجنبية التي تقدّم خدمات وتسهيلات مصرفية لحزب الله وللأشخاص والمؤسسات الواردة اسماؤها على لائحة العقوبات الخاصة بهذا القانون.
إعلان مكتب مراقبة الأصول الخارجية في وزارة الخزانة الامريكية (اوفاك) في 15 الشهر الجاري البدء بتطبيق عقوبات القانون الآنف الذكر، وتشمل منع المصارف الاجنبية من المراسلة مع المصارف الامريكية والوضع على لائحة العقوبات الخاصة بهذا القانون. كما استحدثت «اوفاك» لائحة إجراءات بالعقوبات المالية على حزب الله ضمّت اكثر من 100 فرد ومؤسسة، وتقضي بتجميد أصول هؤلاء ومنعهم من التعامل مع المصارف والمؤسسات المالية، في أي دولة لها اتفاقات تعاون أمني مع امريكا.
بعد اقل من شهرين على صدور القانون، نظّمت السلطات الأمريكية، بالتعاون مع عدّة دول اوروبية حملة استهدفت ما سمته شبكات تقديم الدعم المالي لحزب الله، ما أفضى إلى اعتقال بعض رجال الاعمال الشيعة بتهمة الاتجار بالمخدرات وتبيض الاموال لصالح الحزب.
هذه « الحرب الناعمة» التي تشنها الولايات المتحدة على حزب الله لا تقتصر مفاعيلها عليه، بل تتناول ايضاً حلفاء له في الخارج والداخل. ففي واشنطن تبنّت المحكمة العليا حكماً يقضي بتسليم أصول مالية ايرانية مجمّدة تربو على 2 مليار دولار إلى عائلات امريكيين قتلوا خلال تفجيرات «ارهابية» اتهمت بها ايران وكانت أدت إلى مقتل 241 جندياً امريكياً في بيروت خلال اضطرابات عام 1983.
الى ذلك، فإن افراداً واحزاباً وجماعات قد تتحرج في المستقبل من التعاون السياسي مع حزب الله مخافة أن تُقدِم السلطات الامريكية على معاقبتها بدعوى التعامل مع حزب الله «الإرهابي»، فتمنع اعضاءها من السفر أو تلاحقهم، على الشبهة، بأنهم يتعاطون تهريب المخدرات وتبييض الاموال. مقربّون من حزب الله استوقفتهم الإجراءات الامريكية، لكنها لم تقلقهم. ذلك أن الولايات المتحدة (واسرائيل) تشن منذ اكثر من عشرين سنة حرباً متواصلة على حزب الله، ومع ذلك تمكّن من تفادي مفاعيلها بشكل او بآخر. يسلّمون بأنها اجراءات مزعجة ومُكلفة وقد تؤثر في بعض الحلفاء، لكنها لن تُحدث تغييراً نوعياً في موازين القوى، لا في لبنان ولا في المنطقة.
٭ كاتب لبناني
د. عصام نعمان