وليد إخلاصي… المثقف السوري «الملتبس» و«المحارب»

حجم الخط
1

توجد علاقة إشكالية بين المثقف والسياسة، فهيرمان هيسة تحول لعدو لبلاده في الفترة النازية. وهذا فاقم من ألمه وحوله إلى كاتب متصوف يعبد الطبيعة الخلابة في مسقط رأسه، ويتماهى معها بطريقة الفيض الإلهي.
ولكن للمعادلة شكلا آخر في بلادنا، فعبدالسلام العجيلي اتخذ موقفا ضد منظمة اتحاد الكتاب ولم ينتسب لها، لكنه تابع حياته في سوريا بشكل طبيعي، وكان يكتب في المؤسسات الرسمية باستثناء الاتحاد.
تبقى المشكلة في كاتب مثل وليد إخلاصي، محسوب على النظام من دون أن تخلو حياته المهنية من المنغصات. يحمل وليد هوية ملتبسة، فهو من مواليد إسكندرون، استقر في حلب، وعمل في كلية الزراعة بصفة محاضر قبل أن تنقله إدارة الجامعة لأسباب أمنية للعمل في هيئة تسويق الأقطان.
وكلمة أمنية أيضا شيء غامض، لا يمكن أن تجد وثيقة تؤكد ذلك، والمرجح أن الخلفيات هي تعاطفه أو انتماؤه للحزب القومي الاجتماعي السوري، فقد كان يكتب في مجلات مثل «شعر» و»حوار». وأول أعماله وهي مجموعة بعنوان «قصص» لم تكن واقعية وينتابها الغموض والشك.. وتسيطر عليها أجواء كئيبة، على طريقة الوجوديين المتأثرين ببواكير فكرة سقوط الأمة السورية.
توجد عدة حدود أساسية في فكرة القصة والأدب عند وليد إخلاصي، إنه أولا مكتوب من أجل الإنسان وليس لتقديم خدمات مباشرة للعامة، ومثل هذه الفكرة تجدها حتى عند هيغل الذي يميز بين فلسفة الذات والفلسفة من أجل الذات. ثانيا أننا لا نعقل الطبيعة ولكن نتصور مغزاها. بمعنى أنها قيمة ذاتية. ثالثا لا توجد حبكة في الواقع المادي. ولكن يوجد فضاء نفسي يتألف في كل لحظة من ثلاثة مستويات: كابوس يفيض عليه المطلق بالرعب والرهبة والعبث، ثم حلم نتحول خلاله لوعي المعاني والكتل قبل أن تكون لها صورة، وأخيرا واقع بتصورات تجريدية عاجزة عن مجاراة الاستقرار الوهمي الذي ننعم فيه.
الاستقرار في رؤية وليد إخلاصي يشبه الورم أو التزييف، والإنسان الطبيعي يكون حركيا. لديه تجليات حيال وعي الحركة ( بتعبير المفكر ماجد الغرباوي) والدليل على ذلك تجده في طريقة تطوير وإنضاج البنية في أعمال وليد إخلاصي، إنها بنية متحولة وغالبا تتبادل الأشكال والمحتويات الأدوار في ما بينها.
فرواية «ملحمة القتل الصغرى» الصادرة عن دار كنعان في دمشق تتألف من مشاهد درامية متعاقبة كل منها بمثابة مونولوج في مونودراما، وقل الشيء نفسه عن قصة «هل رأيتهم يحلمون». إنها لا تختلف بشيء عن المثلث الأوديبي، فشخصياتها تتكون من رب عمل (يلعب دور الأب الإله) وعامل (بسيط بمقام ابن يحتاج للرعاية) وامرأة فاتنة. هي نقطة الاحتكاك.
ولا يوجد ما هو أوضح من هذه البنية، فالغرائز لها دور تحريضي أو أنها توسع من نشاط الليبيدو لتوجيه الصراع، وليس هذا هو المهم، لقد أضاف وليد إخلاصي لشكل الموضوع خطابا دائريا. كانت كل شخصية تكتفي بذاتها وعوضا أن تتابع مجريات الأحداث كانت تتخيل الأحداث، وتستكمل الواقع برواسب من اللاشعور. لقد تحول لاوعي الشخصيات إلى نوع من اكتشاف الذات ولحبكة تزيد من مساحة الصراع. وهو ما سيتطور في كتابه «يا شجرة» الذي صدر في ليبيا في بواكير الثمانينيات لنوع من الهذيان والهواجس، أو لما يشبه التفكير بصوت مرتفع. كانت الشخصيات تتابع نفسها ولا تهتم بحياتها أو بواقعها الاجتماعي، بمعنى أنها تتصور العالم الافتراضي الذي تعيش فيه، ولذلك كان غير العاقل بمستوى العاقل كلاهما جزء من الحياة العضوية لأحلامنا. لقد كانت الحبكة مجرد إمكانية لحلم غير مؤكد. وأعتقد أنه تأثر في هذه المقاربة بكتاب للشيخ خير الدين الأسدي وأبرهن على ذلك بروايته «الحنظل الأليف». فهي مرثية لكل من مدينة حلب وابنها البار الأسدي. ببكائياته على الأسدي كان إنما يتابع المدينة وهي تلفظ أنفاسها وتحتضر بسبب التلوث والصناعة وقضم الأرض العذراء. أصلا كان الأسدي متصوفا على طريقته الخاصة مولعا بنشاط الأفكار، والفرق واضح بين الفكرة والروح. فالطرف الأول محدث بينما الثاني أزل. بتعبير آخر للأفكار حدود وتصورات، بينما الأرواح غير متناهية ولا تنطبق عليها الصفات الجسمية. تحول الأسدي إلى قضية لوليد إخلاصي،
فقد حاول منذ عام 1980 وما بعده إعادة الاعتبار له، وطباعة أعماله المجهولة ونشر طبعات منقحة من الأعمال المختلف عليها، ولا سيما كتابه «أغاني القبة» وهو سلسلة من الابتهالات والأدعية، ولكن بأسلوب شاعر متصوف يعاني من الألم بسبب غياب الحضرة، فهو يتغنى بالنور الإلهي الذي نشعر به ولا نراه.. يعتبر هذا الكتاب نموذجا مبكرا على القصيدة النثرية وربما لم يجايله غير (سريال) لأورخان ميسر. لقد أصبحت قضية الأسدي مشكلة في الحدود، مع أن أحدا لم يعترض على اسمه لكن تفهم من سير ملف القضية ضرورة تنحية وليد إخلاصي وتكليف عبدالفتاح رواس قلعجي، وهذه نقطة نظام بكل معنى الكلمة، فالأسدي شخصية تهتم بهندسة وعمران المدن القديمة مثل اهتمامها بهندسة وترتيب الكون وموضع النفس البشرية فيه من الله، وكان وليد إخلاصي ناشطا في لجنة حماية حلب القديمة إن لم يكن شخصيا فمن خلال أخيه المهندس والعضو في بلدية حلب، بينما القلعجي مجرد مجدد في المسرح وبتعبير صديقي الرائع صباح الأنباري: هو محاولة لتأصيل الدراما العربية.
كان إخلاصي يعمل على بلورة رؤية حديثة وملحمية لعقل إدارة الأزمات. وهذا جزء من مشروع الحداثة الأساسي الذي لم تتوفر له الأسباب، فقد واجه المصاعب من كوادر محافظة لا تؤمن بالتطور ولا بالعلاقة الرحمانية بين الفن والطبيعة.
في زيارة ودية لمكان عمله عام 1998 سألته عن شكل هذه المصاعب، قال وهو يبحث عن غليونه فوق المنضدة: عصابة الدكتور علي. يعني الدكتور علي عقلة عرسان، رئيس اتحاد الكتاب، الذي احتفظ بمنصبه لحوالي 25 عاما، وقبل ذلك شغل منصب معاون لوزير الثقافة. وقد حاز وسام بوشكين من موسكو. لم أجد تفسيرا لهذا الجواب المختزل. معروف عن علي عقلة عرسان أنه كاتب افتتاحيات. له أعمال كثيرة. منها «صخرة الجولان». وهي رواية مخصصة لمديح حرب تشرين الأول/أكتوبر. بطيئة الإيقاع تصلح للإلقاء على المنابر.
تعرض وليد إخلاصي في ختام حياته في ضاحية حلب الجديدة للمرض ولاعتقال ابنه الكبير (خالد). وحينما تعافى اختفى من المدينة. وبلغني أنه سافر مع ابنه نفسه إلى مقديشو ليقيما هناك.
هل هذا صحيح.. ربما. لو أنه خطأ فهو من باب الإشاعات السياسية. إشاعة لتوصيل معلومة لمن يهمه الأمر. أن السيل بلغ الزبى، ولم يعد لدينا صبر على المزيد من الترهات والتجارة بالدين وبالوطنيات الفارغة.

كاتب سوري

صالح الرزوق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية