لنتفق أولاً على أننا نعيش في عالم بلا أمان.. عالم تتحكم فيه المصالح وتقوده النفعية ويحدد فيه الكبار فقط مستقبل الأنظمة حول العالم.
ومثلما تسيطر دول بعدد أصابع اليد الواحدة على مجلس أمن يناقش قضايا الكرة الأرضية بكل ما فيها ومن فيها، كذلك فإن هذه الدول نفسها ومعها من تختار ممن ستسميهم بـ»المجتمع الدولي» ستكون صاحبة الأثر الأكبر في تحديد تسمية ما يحدث بين الثورة الشعبية والإرادة الجماهيرية والانقلاب. كم من انقلاب مكتمل الأركان تم السهر على إكسابه شرعية وعلى مده بأسباب البقاء بلا اكتراث لرغبة الشعوب، ولا خياراتها، وكم من ثورة شعبية أجهضت بقوة وبلا رحمة أو تم التآمر عليها لأنها لا تصادف هوىً عند مجموعات المتنفذين.
في دول الربيع العربي تبدو كلمة «الشرعية» غير متفق عليها بين أطراف الصراعات المختلفة. الطرف الذي ستلتقي حوله المصالح الدولية والإقليمية سيكون هو الفائز بهذه الصفة في النهاية.
لكن ذلك كان سمة بارزة حتى قبل الربيـــع العربي، فالإسلاميون الذين فازوا بانتخابات الجزائر في حقبة التسعينيات تم اتهامهم بالانقلاب على الديمقراطية، وتمت معاقبتهم بالاستهداف والقمع ثم اتهامهم بنشر العنف والإرهاب. سيردد العالم هذا الاتهام وسنردده معه بدون أن نتساءل عن السبب الذي يجر فائزاً منتخباً إلى دوامة عنف وتخريب قد تحرمه من التمتع بهذا الفوز.
حماس ذات الشعبية الجارفة التي لا ينكرها حتى منافسوها، ستصبح بعد أن فازت بالانتخابات انقلابية، رغم أن حركة فتح كانت تمسك، حتى بعد فوز الحركة، بمفاتيح ملفات السياسة والدبلوماسية والأمن والمال. المجتمع الدولي سيعاقب حماس وسيعاقب معها الشعب الفلسطيني، خاصة في غزة التي ستحاصر من قبل القريب والبعيد وستقصف كما لم تقصف من قبل مدينة. يفضّل الإسلاميون ترديد مقولة إن العالم لا يقبل بحكم إسلامي أو دولة يقودها متدينون. لا شك أن لمثل هذه المقولات أثر طيب عند الأتباع وعند الجماهير التي تثيرها فكرة استهداف الإسلام. لكن التاريخ المعاصر يخبرنا أن ذلك العالم «الحر» لم يقتصر على استهداف الدول المسلمة أو القيادات الإسلامية، بل إنه يتدخل بقوة متى تعرضت مصالحه للخطر. تلك قد تتعرض للخطر عبر قيادة واعية رافضة للاستعمار والهيمنة، إسلامية كانت أو حتى شيوعية أو إلحادية، وفي الحالين لن تتركها القوى الامبريالية بدون أن تعمل على تغييرها، أو على الأقل ترويضها بحيث تصبح مدجّنة وسائرة مع بقية القطيع.
حينما قاد الأمريكيون ذلك الانقلاب الشهير على مصدق إيران، فإن ذلك لم يكن سوى رد على تأميم الرجل لصناعة البترول، ما كان يهدد مصالح مباشرة لبريطانيا والولايات المتحدة. وحتى لا تأخذنا الأمثلة لمساحة جغرافية بعيدة سنعود لتركيا نفسها، وذلك الانقلاب الشهير على عدنان مندريس الذي بدأ حكمه عام 1950. لم يكن مندريس إسلامياً بالمعنى الذي تعنيه هذه الكلمة حالياً، بل كان أقرب للعلماني الصادق الذي يقف مع الحرية العامة، خاصة الحق في التدين والاعتقاد. لكن ذلك كان يعتبر في ذلك الوقت، وفي البلد الذي كان يحارب اللغة العربية بحزم ويمنع المدارس الدينية وحلقات الذكر، ثورة حقيقية. أعاد مندريس حرية ممارسة الدين، خاصة الإسلام، إلى المجتمع التركي واقترب من الدول العربية والمحيط الإسلامي على حساب الكيان الصهيوني، واتبع إجراءات مهمة لضخ الدماء من جديد في الاقتصاد التركي المتعثر والنهوض بالبلد الذي كان يعتمد على علاقته بالغرب ليسعى لتحويله لقوة إقليمية مستقلة. كل ما فات شكّل تحدياً مهماً لحكومة مندريس التي كانت توجهاتها تهدد مصالح العلمانية المتطرفة والمتوغلة في الجيش، وفي منافذ صنع القرار. مشروعه، بما كان يسعى إليه من نهضة واعتماد على الذات، كان يهدد أيضاً المصالح الغربية التي باتت تتوجس من خروجٍ قريب للعملاق التركي من محبسه.
ما حدث ببساطة هو أن مجموعة صغيرة من ضباط الجيش وبالتعاون مع رموز القومية العلمانية المتطرفة استطاعت الاستيلاء على السلطة وعزل الرئيس التركي ورئيس وزرائه مندريس، وتوجيه تهم غريبة من بينها خلط الدين بالسياسة، ومحاولة قلب نظام الحكم العلماني. المحاكمات كانت سريعة وكذلك تنفيذ الأحكام وبعد قليل تم تنفيذ حكم الإعدام بحق مندريس وعدد من رفاقه. السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: ماذا كان موقف تلك الدول الكبرى من الانقلاب على مندريس؟ يصعب الحصول هنا على موقف واضح. أبرز المواقف المعلنة كان وقوف الولايات المتحدة على الحياد ثم إشادتها بـ»الثورة» التركية بعد نجاحها. الأمريكيون لم يكونوا على عداء مع مندريس الذي كان متحمساً لحلف الناتو، لحد الدخول مع الولايات المتحدة في شراكات عسكرية مهمة. لكن إذا كان الأهم بالنسبة للولايات المتحدة هو الجيش التركي والقيادة العلمانية التي تسيطر عليه، فلماذا يجب عليها التدخل لإيقاف سيطرة هؤلاء الكاملة على المشهد السياسي؟ مر وقت طويل على هذه الأحداث وما تلاها من توترات سياسية وانقلابات شهيرة واليوم يبدو أن تركيا، التي تحولت بالفعل إلى دولة إقليمية مهمة على غرار حلم مندريس القديم، قد ودعت عهد الانقلابات إلى الأبد. لكن، إلى أي مدى يمكن الرهان على هذا؟ وهل تكفي علاقة تركيا بالناتو وبالولايات المتحدة وأوروبا لتشكل مانعاً لأي حدث متهور قد يقوم به مغامر سياسي ما؟ وإلى أي حد يمكن التعويل على الشعبية الداخلية والتماسك الوطني؟
لن تكفي هذه المساحة لإجابة تفصيلية على هذه الأسئلة لكن يكفي أن نتذكر أن الناتو لم يكن صاحب مواقف قوية مناصرة لتركيا خلال أزماتها الأخيرة، منذ السفينة مرمرة ونهاية بالأزمة والتهديدات الروسية. أما العلاقات مع الولايات المتحدة فيلخصها الاستقبال البارد الذي حصل عليه أردوغان في البيت الأبيض، خلال زيارته الأخيرة.
أوروبا أيضاً ضاقت ذرعاً بالسياسة التركية ولا يخفي الإعلام هناك، خاصة في دول مثل ألمانيا، انحيازه ضد أردوغان وحزبه. العلاقة مع الدول العربية ليست أحسن حالاً فهي تتراوح، مع غالب تلك الدول، بين العداء الصريح والتعاون على مضض، وحتى أولئك الذين يسعون لعلاقة طيبة مع تركيا ورئيسها الحالي فإن أشياء كثيرة تجعلنا نؤكد أنهم يفضلون التعامل مع قيادة مختلفة، طيّعة، وأكثر ليناً. داخلياً لا يمكن إنكار وجود مشكلة وانقسام وصل بالبعض لحد التأييد العلني لروسيا في مواجهتها مع تركيا، كما دفع آخرين لتأييد الإرهاب الكردي وسيلة لزعزعة الحزب الحاكم. أيضاً فإن هناك من الأطراف المختلفة من لا يتفق مع الطروحات الرسمية فيما يتعلق بالموقف من القضايا العربية، وذلك الانخراط التركي الكبير في المسألة السورية تحديداً.
أولئك يفضلون تركيا بعيدة ومنشغلة بمشكلاتها الذاتية، بل، ولا مبالية. كل ذلك جعل فرضية التحضير لانقلاب عسكري مطروحة بقوة. حزب العدالة والتنمية يتعامل مع هذا الطرح بجدية لدرجة إطلاق اسم «الكيان الموازي» على أولئك الانقلابيين المفترضين، ويعتقل من حين لآخر عددا من قيادات الجيش المهمة بتهمة الانتماء لهم. لكن الأمر لا يتعلق فقط بالجبهة الداخلية فدول إقليمية مثل إيران وروسيا يحظى رجال مخابراتها بتحركات واسعة داخل الأراضي التركية وهي أنظمة لا تخفي أملها بإزاحة أردوغان.
الجيش أيضاً يتعامل مع هذه الفرضية بجدية فينفي بين الحين والآخر نية أي من المنتسبين إليه في القيام بتحرك غير دستوري. آخرها كان في نهاية شهر مارس الماضي، حيث أعلن ألا وجود لكيان موازٍ بين عناصره وأنه سيلاحق من يروجون لهذه الشائعات قضائياً. إذا كانت قيادة الجيش قريبة من حزب العدالة والتنمية وصادقة في عدم رغبتها في الانقلاب عليه، فإن البعض يطرح فكرة أخرى وهي أن ينقلب ضباط من داخل الجيش على قياداتهم، ثم يتولون حكم الجيش والبلاد.
قبل أيام من بيان الجيش ذاك كتب مايكل روبن، وهو من باحثي وزارة الدفاع الأمريكية، مقالاً تساءل فيه عن إمكانية حدوث انقلاب عسكري ضد أردوغان ملخصه أن ذلك ممكن، وأن من سيقوم به سينجو من العقاب، وقد يكافأ على إنقاذ تركيا وإبعاد شبح التقسيم عنها، على غرار انقلاب عربي أخير. قد يمثّل روبن وجهة النظر الأمريكية التي لا يجرؤ مسؤولون رسميون على التفوه بها، وهو ما سيجعل التعويل على «النظام الدولي» في حالة حدوث شيء ما عبثياً.
القيادة التركية في موقف لا تحسد عليه ما بين الاستسلام لنظرية المؤامرة، التي قد تبرر الاعتقالات المكثفة ومصادرة الصحف والتعدي على الحريات المكتسبة لبعض من سيوصفون بأعداء تركيا، وهو الأمر الذي سيكون له أثر سلبي على صورة أردوغان وحزبه، إذا تم التمادي فيه بلا مبررات واضحة، وما بين الالتزام بالديمقراطية والصبر والمتابعة الهادئة وهو المسار الذي قد يؤدي لتحول ذلك «الكيان الموازي» لحقيقة ماثلة قد تبتلع مجمل النظام السياسي.
اهتم قليل من الكتاب العرب بهذا الموضوع على أهميته، منهم الباحث في الشؤون التركية علي باكير الذي استعرض في مقالة نشرها في صحيفة «القبس»، مقالة مايكل روبن مستبعداً طرح المحاولة الإنقلابية لأسباب تتعلق بتحصين الدستور التركي الحالي والعدد الكبير من القوانين التي وضعت للحد من دور الجيش في الحياة السياسية. بالنسبة إليّ أتمنى أن يكون ما ذهب إليه باكير، على ما فيه من تغليب للعاطفة، صحيحاً وكافياً!
٭ كاتب سوداني
د. مدى الفاتح