الشعب يريد دولة مافيا في تونس

■ جرس آخر يقرع للتحذير من تحول تونس في وقت قريب إلى «دولة مافيوزية». المعنيون بسماع صوت الجرس الذي دقه شوقي طبيب رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، خلال مقابلة أجراها معه موقع «أخبار الجمهورية» الإلكتروني في الثالث والعشرين من الشهر الماضي، هم التونسيون الذين قال إنه يرغب بتوجيه رسالة عاجلة لهم، حتى لا يتعايشوا ولا يطبعوا مع الفساد ليفوتوا فرصة انتقال ذلك المرض العضال، «من وضعيته الوبائية الحالية إلى وضعية أخطر ونعيش بذلك تحت ظل دولة مافيوزية تنتشر فيها بارونات ومافيا الفساد التي لن تكتفي بالمواقع الخلفية، بل ستتحول إلى ما هو أهم واعمق، أي إلى المراكز العليا للدولة».
ما يعنيه ذلك بشكل مختصر وبسيط هو أن هناك عدوا آخر يهدد التجربة التونسية بالزوال والانقراض، وقد لا يقل خطورة وفتكا عن تنظيم الدولة وباقي التنظيمات الارهابية الاخرى، التي اعلنت السلطات رسميا الحرب عليها، رغم أن ذلك العدو لا يتحصن مثلهم في المغاور والجبال والصحارى، أو يزرع ألغاما ويخطط لتفجير قنابل وأحزمة ناسفة في بعض المواقع المعروفة، بل ينعم بمقعد دافئ وثير داخل اعماق الدولة ومفاصلها الحساسة. والغريب ألا احد يعرف حجم قوته ونفوذه، أو يقدرعواقب التغافل عن مهاجمته والقضاء عليه في وكره قبل فوات الأوان. أما الأكثر غرابة من كل ذلك فهو أن التونسيين الذين استنجد بهم رئيس هيئة مكافحة الفساد، لا يجدون في معظم الاحيان فرقا واختلافا كبيرا بين الدولة الحالية، التي اعتادوا العيش داخلها، وتلك التي قصدها شوقي في تحذيره الأخير ونبه من خطر الوقوع في شراكها، والسبب هو أنهم يرون أن الصراع على المواقع الخلفية والامامية، التي أشار اليها لايزال مقتصرا كما كان في السابق على طبقة محدودة ومحظوظة من رجال الأعمال النافذين والسياسيين البارزين دون سواهم، كما أن الجمهور الواسع ايضا لا يزال مشغولا بالكسب السهل والسريع بدون البحث عما اذا كانت الطرق والوسائل الموصلة لذلك شفافة او مشروعة بالكامل. والواضح أن الفساد لا يخيف الكادحين والمسحوقين أو يثير رعبهم وفزعهم كما يتصور البعض. فلا شيء يشير إلى أن هناك قلقا شعبيا واسعا من احتمال تحول تونس يوما ما إلى «دولة مافيوزية» تخضع لحكم البارونات وتتقاسم ريعها وثرواتها بعض العصابات، وفقا لموازين قوى ومناطق نفوذ مضبوطة. وحتى الفيلات والقصور والسيارات الفخمة والمجوهرات النادرة التي ظهرت صورها بشكل مكثف على شاشات التلفزيون، خلال الايام الاولى لهروب الرئيس المخلوع بن علي ونسبت كلها إلى دائرته العائلية القريبة، لم تعد تثير الان أي قدر من الاهتمام أو السؤال عن مآلها، فضلا عن البحث في مصير اللصوص الكبار الذين هربوا مع بن علي، أو فضلوا البقاء في البلد بعد هروبه. لقد اصيب التونسيون بموجات حادة من الإحباط والاكتئاب جعلتهم يفقدون كل امل أو رجاء في أن تتحسن احوالهم يوما ما، ويحصل الانقلاب الدراماتيكي الذي يغير حياتهم مئة وثمانين درجة. وصار من السهل على المغامرين والباحثين عن مكاسب سياسية سريعة أن يستغلوا نقطة ضعفهم تلك، ويخرجوا لهم كلما ظهرت علامات هدوء أو استقرار في البلد، جردا مفصلا بالازمات والمحن والكوارث التي حلت بهم، عندما توهموا أن الديمقراطية ستحل كل مشاكلهم في رمشة عين وتنزل عليهم بركاتها وخيراتها الوفيرة، وتبين لهم بالدليل القاطع أنها لم تطعم جائعا ولا كست عاريا أو شغلت عاطلا. لقد ظلوا صامتين أيام الاستبداد ولم يكن هناك ما يدل على أن لهم مطلبا شعبيا واضحا لا في الحرية ولا في الكرامة، رغم كل ما قيل عن رفضهم ومقاومتهم لبطش النظام. أما الاهتمام الوحيد الذي ظل يشغلهم على مدى عقود فهو تحصيل القوت بأي طريقة ولم يكن يهمهم كثيرا ما الذي يدور في قصر قرطاج أو في الزوايا والغرف المغلقة لكبار المسؤولين والقادة، ولا كانت تعنيهم صفقات العائلة الحاكمة ونزواتها ونهمها المفرط لجمع الثروات وتكديسها. وحتى حين اظهرت وثائق ويكيليكس جزءا صغيرا من حياة الترف والفساد التي يعيشها النظام، لم يحصل اي تغيير لا في سلوك الناس ولا في عادات الحكام. ولاجل ذلك قوبلت حينها دعوة المنصف المرزوقي بالعصيان العام بموجة من السخرية والتجاهل، ورآها الناس فكرة طوباوية غير قابلة للتحقق الا في الاحلام. لم يحصل ذلك فقط لمجرد الخوف من الآلة البوليسية العمياء، بل لأن سياسات دولة الاستقلال أنجبت اجيالا خاوية الفكر والروح لا تستطيع التحليق خارج منطق نفعي براغماتي يقوم على موازنة مغشوشة بين الربح السريع والخسارة المرتقبة، ويؤدي بشكل حتمي ومباشر إلى الاسترخاء والسكينة والخنوع. والمفارقة هنا انه فيما بنى الرئيس الاول لتونس حكمه على اساس أن شعبه «غبار من الافراد « كما صرح بذلك في واحد من خطاباته الشهيرة فضل الثاني أن يقول في بيان الانقلاب الطبي الذي تلاه فجر الاطاحة بسلفه، بان ذات الشعب» قد بلغ من الوعي والنضج ما يسمح لكل ابنائه وفئاته بالمشاركة البناءة في تصريف شؤونه». والنتيجة كانت أن الشعب ظل في كلتا الحالتين مقيدا بارتباط عضوي صارم مع الدولة، يقوم على اساس مقايضة هدوئه وسكينته وانصرافه عن الشأن العام بالامن والاستقرار النسبي الذي يجده حين يلقى إليه بعض الفتات من ثروات بلده المنهوبة. أما ما حصل بعد هروب بن علي فهو أن حالة الارتباك التي سيطرت خلال الشهور الاولى لغيابه ادخلت تعديلا شكليا على علاقة الناس بدولتهم وبدا للوهلة الاولى أن هناك اتجاها للفصل بين شخص الزعيم ونظامه القابل للتغيير، وبنية الدولة واسسها المستقرة والثابتة. لكن الامور سرعان ما ارتدت إلى نقطة انطلاقها الاولى بفعل استحكام رواسب الماضي وتعلق الحرس القديم بقلعته، رغم قبوله ادخال بعض الزينة الديمقراطية عليها. الإشكال الاساسي الذي لم يحسم بعد هنا هو أن الهواجس والمخاوف والشكوك القوية التي ظلت تسيطر على نظرة المحكومين لحكامهم لم تتأثر بشكل قوي وواضح بالخطوات التي قطعت نحو بناء دولة مدنية وديمقراطية. والسبب هو أن الشعور العام بفقدان العدل بقي تقريبا على حاله، وهو امر قد يفسر جزئيا بعدم مجازفة الحكومات التي استلمت السلطة في أعقاب هروب بن علي بالقيام باصلاحات جذرية ومؤلمة على أجهزة القضاء والشرطة التي كانت الذراع القوي للاستبداد، وقد يفهم ايضا وبشكل أعم كمظهر من مظاهر الازمة الحادة لعلاقة الناس بالقانون، التي لم تتخلص بعد مما لحقها من التباس وتشويش بفعل حالات الاستخدام الخاطئ لترسانة النصوص في تبرير أو تجريم السلوكات والمواقف. وما يعقد الامور هو أن حالة التحرر الاعلامي لم تنتج كما كان مفترضا عقولا وضمائر حرة قادرة على فهم الديمقراطية والصبر عليها. وهذا ما جعل التونسيين يعيشون نوعا من التناقض الفريد بين ما يطلبونه ويرغبون بتحقيقه وما يسلكونه من طرق للوصول إلى تلك الاهداف. وليس صعبا أن يلاحظ ذلك التناقض من خلال ارتفاع اعداد الشباب الملتحق بالتنظيمات والجماعات المتشددة من جهة وانتشار دعوات اخرى على الطرف المقابل لاقصاء الدين من اي حضور في المجال العام. ومن الطبيعي امام ضبابية الصورة وتعدد الاهداف والوسائل ألا يعرف احد ما الذي يدور بالضبط في خلد الشعب؟ وهل أنه بالفعل صاحب السلطة والقرار. وقد لا يكون مفاجئا أو غريبا أن تخرج الجماهير يوما في مظاهرات مليونية حاشدة للمطالبة بسقوط النظام الديمقراطي، الذي لم يوفر لها الكساء والغذاء والهتاف بالصوت القوي والعالي لدولة المافيا التي قرع رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد جرس الانذار من قرب قدومها بدون أن يتأكد بالكامل من أن كل التونسيين يقفون معا وفي صف واحد ضدها.

٭ كاتب وصحافي من تونس

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية