العالم المتناقض بين تلاشي الحدود وبناء جدران العزل

حجم الخط
0

في عالم تتلاشى فيه الحدود بين مكوناته وتتراجع المسافات بين شعوبه، اصبحت اوضاعه اكثر تأثرا بالعلاقات في ما بين الدول الكبرى. ولذلك اصبح الحكم على مدى تقدمه في مضامير السياسة وحقوق الانسان أيسر مما كان الأمر عليه قبل عقود، خصوصا مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية. ولكن هل نجم عن ذلك تحسن اوضاع شعوب العالم الثالث؟ ام ان اساليب القمع تغيرت؟ وربما السؤال الاكبر: هل اصبح العالم اكثر أمنا؟ أكثر حرية؟ أكثر تعايشا؟ أكثر قبولا بالآخر؟ اكثر اهتماما بالبيئة والطبيعة؟ أقل فقرا وامراضا؟ من المؤسف القول ان الاجابات على اغلب تلك التساؤلات ستكون بالنفي، فما الاسباب؟ والى اين يتجه عالم القرن الحادي والعشرين؟ وهل انقرض الجيل المفكر الذي اوحى للشعوب قبل ربع قرن بان الديمقراطية الليبرالية ستسود العالم؟ ام ان مفكري «العالم الحر» تغيرت اولوياتهم فخفتت اصواتهم وتلاشى تأثيرهم؟
يخطىء من يعتقد ان التطور التكنولوجي قد صاحبته انفراجات سياسية او حقوقية او امنية. فالمؤشرات توحي بعكس ذلك تماما. يعرف الساسة الغربيون ذلك لأن مؤسساتهم البحثية والدراسية والحقوقية والمختصة باستطلاع الرأي العام تؤكد ان الانحدار في تلك الجوانب مستمر، وتؤكد ايضا تواطؤ دول الغرب في ذلك التراجع بدعمها الاستبداد وتجاهلها حقوق الانسان.
ومن تلك الجهات المنظمات الحقوقية كالعفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، والمتخصصة مثل فريدوم هاوس والشفافية الدولية وغيرهما. وللتدليل على ذلك يمكن استقراء الاوضاع من خلال مفردات عديدة تشير جميعها باتجاه واحد: تراجع مؤشرات الحرية وحقوق الانسان. فهل لهذا التراجع علاقة بتوسع الفجوة بين الفقراء والاغنياء؟
في الاسبوع الماضي انشغل الرأي العام الالماني بقرار رئيسة الوزراء الالمانية، انغيلا ميركل، احالة الفكاهي يان بومرمان الى التحقيق وربما القضاء استجابة لطلب من رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان. وتجدر الاشارة إلى ان السنوات الاولى من حكم «الإسلاميين» الاتراك تميزت باحترام حقوق الانسان والتفاعل الايجابي بين رموزه والشعب. وبرغم «إسلامية» النظام فقد قبله الاوروبيون بعد عقود من حكم العسكر الذين أساؤوا لتلك الحقوق. ولكن ثمة نزعة لدى حكام انقرة نحو التفرد في الحكم ومحاصرة الحريات العامة. يضاف إلى ذلك ان الاتحاد الاوروبي ما يزال مصرا على رفض عضوية تركيا برغم انها عضو بحلف الناتو. وهنا لا يمكن التقليل من ذكاء حكام تركيا وقدرتهم على استمزاج الرأي العام في الغرب. فقد ادركوا ان الغربيين متساهلون تماما ازاء قضايا الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان. فحين يضج العالم الطلابي في بريطانيا احتجاجا على انتخاب طالبة مسلمة رئيسا للاتحاد الوطني للطلاب البريطانيين، أليس ذلك مؤشرا لتوجهات غير ايجابية ازاء قيم التعايش والقبول بالآخر والمواطنة المتساوية وحرية التعبير والمعتقد؟
الرئيسة الجديدة انتخبت بطريقة ديمقراطية ووقفت ضد التطرف والإرهاب، بالاضافة لنزعاتها التحررية على المستوى الشخصي. كل ذلك لم يشفع لها لأنها «مسلمة» و «سوداء».
اما فضاء الاحتجاج هنا فليس عالم السياسيين او الاقتصاديين، بل الفضاء الطلابي الذي يفترض انه ما يزال متشبثا بما يمكن اعتباره «قيما فطرية» فرضتها عقود الحرية والانفتاح بعد الحرب العالمية الثانية. ويفترض ان تكون الحركة الطلابية اكثر القطاعات المجتمعية تحررا وأقلها تحجرا. الرئيسة الجديدة للاتحاد الوطني للطلاب اتهمت كذلك بما اصبح موضة واسعة اسمها «معاداة السامية» تطلق على من يعترض على الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين وسياساته، وهي التهمة التي تستخدم لاسقاط الاشخاص.
وثمة خشية من توسيع دائرة الاستهداف لتشمل منتقدي الانظمة الديكتاتورية بعناوين شتى في مقدمتها «الاضرار بالمصلحة الوطنية». وبموازاة ذلك بدأ الهجوم المضاد للمرشح العمالي لمنصب «عمدة لندن»، السيد صادق خان. فثمة اشارات واسعة لدينه وعلاقاته ببعض رجال الدين مثل الشيخ يوسف القرضاوي. ففي غياب ملفات الفساد مثلا، هناك ملفات الانتماء الديني والعرقي التي تستخدم كسلاح اخير ضد «الآخر» المختلف دينا ولونا، الذي سيبقى كذلك مدى العمر برغم الشعارات الاخرى.
ربما من اكبر الانجازات التي عاصرها الجيل الحالي من سكان الكوكب سقوط جدار برلين في 1989. تزامن ذلك السقوط مع مقولات اخرى من بينها «النظام العالمي الجديد» الذي كان يومها واعدا بشيء من الحرية واحترام حقوق الانسان.
وفي الوقت الذي بشر فيه فرانسيس فوكوياما، متفائلا جدا، بسيادة «الديمقراطية الليبرالية» التي تعبر عن ذروة التطور البشري الذي ينتهي التاريخ به، فقد كانت تنبؤات صمويل هانتنغتون، اكثر دقة، عندما تحدث عن حتمية «صراع الحضارات»، وهو تنبؤ مهم تتوالى مصاديقه اليوم. فقد استبدل جدار برلين بجدران عازلة عديدة: اولها جدار العزل الذي بناه الاسرائيليون للمفاصلة مع الفلسطينيين، وثانيها الجدار العازل الذي تبنيه تونس على حدودها مع ليبيا لمنع وصول الإرهاب إلى اراضيها. وثالثها: الجدار الذي تحدث عنه بعض الساسة العراقيين في بغداد لمنع وصول الإرهابيين.
وفي شهر كانون الثاني/يناير الماضي تعهد المرشح الجمهوري، دونالد ترامب، ببناء جدار عازل لوقف تدفّق اللاجئين اقتداءً بـ«سور الصين العظيم». وقال «ترامب» خلال خطاب ألقاه في جامعة ليبرتي: «سنقوم بكل ما في وسعنا لحماية المسيحية، وإذا نظرنا إلى ما يحدث في العالم، فسنجد أن الديانة المسيحية محاصرة، فإذا كنت مسيحيا في سوريا فسيقطع رأسك». ورد عليه البابا قائلا ان «الشخص الذي يفكر فقط في بناء الجدران أيا كانت، وليس بناء الجسور فليس بمسيحي». هذا التراجع عن القيم الاساسية يمثل مشكلة كبيرة للانسانية، لانها احد الاسس الرادعة عن الخروج من الفضاء الانساني. ومن نتائج ذلك تعمق ازمات العالم وارتفاع وتائر الاضطهاد والتعصب والتطرف والتباغض بين الافراد والجماعات والامم.
ويمكن القول ان غياب القيادات ذات البصيرة الانسانية والقيم الراقية وحرية التصرف واتخاذ المواقف من اهم اسباب هذا التداعي الاخلاقي، ليس في دول العالم الثالث فحسب، بل في الغرب ايضا. فمثلا كان بامكان الرئيس الأمريكي، باراك اوباما، ان يصبح شخصية تاريخية متميزة لو كانت لديه الشجاعة الكافية لاتخاذ المواقف وتقديم المبادىء الانسانية على المصالح الضيقة للولايات المتحدة. فقد قام بزيارة قد تكون الاخيرة في عهده للمملكة العربية السعودية وبريطانيا. وهو يعلم ان هناك قضايا كبرى تتصل بشكل او آخر بالبلدين.
فالسعودية تسعى لتزعم منطقة الشرق الاوسط وبسط نفوذها على المنطقة باساليب شتى: مالية وامنية وعسكرية. وبريطانيا، هي الاخرى، تخطط لعودة اوسع للمنطقة، وقد بدأت بترسيخ وجودها ببناء قاعدة عسكرية لها في البحرين وتزمع بناء قواعد اخرى. البلدان عجزا حتى الآن عن طرح منظومة سياسية تحاصر الازمات المتصاعدة في المنطقة وانعكاساتها على العالم.
كان الرئيس اوباما قادرا على التأثير المباشر على كل من الرياض ولندن لانتهاج سياسات اخرى توقف حدة الاستقطاب على الصعدان السياسية ام الدينية ام المذهبية. ولكنه لم يفعل ذلك بحماس، وان كان قد سعى لتخفيف حدة الاستقطاب بين السعودية وإيران.
اوباما يعلم ان ثلاث قضايا يجب ان تعالج بشكل متزامن: تخفيف القبضة الحديدية على الشعوب باشاعة الحرية، تفعيل منظومة حقوق الانسان واحترامها في دول المنطقة، والتعاطي الجاد مع القضية الفلسطينية بهدف حلها ووضع حد للتعنت الاسرائيلي ووقف السياسات التوسعية وبناء المستوطنات. كان على اوباما ان يدرك ان التقارب السعودي ـ الاسرائيلي انما يساهم في احداث حالة استقطاب اكثر تعقيدا، ويشجع التوجهات المتطرفة، ويلهب الحماس الشعبي ضد هذه السياسة، وسيؤدي ذلك لترسيخ ظواهر التطرف والعنف.
اوباما كان قادرا على ذلك، ولكنه لم يفعل. فقد استطاع، بتدخل محدود، ضمان اطلاق سراح الشاب تقي الميدان، وهو مواطن من اصول بحرانية يحمل جنسية أمريكية، كان معتقلا لدى سلطات المنامة منذ اربع سنوات. كما طالبت واشنطن مصر بالتحقيق بشكل كامل في قضية مقتل الباحث الايطالي جوليو ريجيني. وهذا يؤكد ان أمريكا تستطيع القيام بدور ايجابي في المنطقة بدعم الحريات واحترام حقوق الانسان لو ارادت ذلك. ولكن الواضح ان الرئيس اوباما سيترك منصبه نهاية العام بدون ان يحدث تغييرات جوهرية على سياسات بلاده التي جعلتها هدفا للكثير من الاوساط العالمية ومنها قوى التطرف والعنف.
اوباما لا يستطيع ان يكون مختلفا عن بقية الزعماء إلا إذا كان يتمتع بشخصية من نوع آخر، على غرار الشخصيات التاريخية التي فرضت نفسها على التاريخ مثل مانديلا وقبله غاندي. ولذلك بقي الزعماء الغربيون ملتزمين بتبعات سياسات بلدانهم الاستعمارية، بدون ان يبرز منهم من هو اقوى من التاريخ ليفرض عليه مسارا آخر باتجاه اكثر ايجابا واقل رغبة في الهيمنة ومسايرة الاستبداد والتنكر لحقوق الانسان. وما تزال أمريكا تبحث عن سياسات تنسجم مع تطلعات «الاجداد المؤسسين»، وهو حلم بعيد لن يتحقق إلا على ايدي رجال ما تزال أمريكا تعقم عن انجابهم.

٭ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

د. سعيد الشهابي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية