إسطنبول ـ «القدس العربي»: دخل الاحتقان السياسي والاجتماعي حول الدستور التركي الجديد مرحلة خطيرة وحساسة مع احتدام الجدل حول مكانة الدين في الدستور الجديد وإمكانية إسقاط مبادئ العلمانية منه التي تسببت في السابق بانقلابات عسكرية وإعدام لكبار مسؤولي الدولة من قبل الجيش الذي يعتبر تاريخياً «حامي العلمانية».
الصراع الجديد اشتعل عقب تصريحات أطلقها، الثلاثاء، رئيس البرلمان التركي عن حزب العدالة والتنمية الحاكم إسماعيل كهرمان وألمح فيها إلى أن الدستور الجديد سيكون على أساس ديني وخال من العلمانية، الأمر الذي أثار شريحة واسعة من الشعب التركي، ورفعت شعارات «تركيا علمانية» و«العلمانية ستنتصر» و«لا لدستور شريعة».
ووصل الجدل لمرحلة «حساسة» مع بدء تظاهرات في العديد من المحافظات التركية تحذر من المساس «بعلمانية الدولة» وتهدد بمصير السياسيين الذي حاولوا في السابق القيام بذلك وكان مصيرهم الإعدام، على حد تعبيرهم.
وأعدم الجيش التركي عام 1960 رئيس الوزراء آنذاك «عدنان مندريس» أول زعيم سياسي منتخب ديمقراطياً في تاريخ تركيا، وذلك عقب انقلاب عسكري بتهم عديدة أهمها المساس بمبادئ علمانية الدولة، حيث خاض مندريس حملته الانتخابية على أساس عدم تدخل الحكومة في شؤون القطاعات الخاصة ووعد بتخفيف الإجراءات العلمانية الصارمة والمزيد من حرية الإعتقاد والديمقراطية.
وفي عام 2005 طرح أردوغان دعوته إلى انتقال بلاده من النظام البرلماني إلى الرئاسي وإصدار دستور جديد يضمن تحقيق ذلك، وبموجب الدستور التركي المعمول به حالياً ـ دستور أقر بعد انقلاب كنعان إيفرين عام 1980 وما زال ساريا حتى اليوم ـ يعتبر منصب رئيس الجمهورية شرفيا إلى حد كبير ولا يملك صلاحيات تنفيذية مباشرة.
رئيس البرلمان صرح أمس الثلاثاء، في كلمة له خلال مشاركته في مؤتمر «تركيا الجديدة والدستور الجديد»، أن الدستور الجديد يجب أن يقوم على أساس ديني، وخال من العلمانية، مشيرا في الوقت ذاته إلى خلو الدستور الحالي من لفظ الجلالة «الله» بالكامل.
وقال: «بعض الدول تضع في دستورها العبارات الدينية، ونحن دول مسلمة ومسجلين لدى منظمة التعاون الإسلامي، ونعد من أعضائها المؤسسين، كما أننا نوجد أيضًا في البنك الإسلامي للتنمية، لأجل ذلك ينبغي أن يكون الدستور الجديد متدينًا»، مشيراً إلى أن دستور 3 دول في العالم فقط تقوم على العلمانية، وهي فرنسا وأيرلندا وتركيا، مضيفاً: «قبل اي شيء آخر، يجب ان لا ترد العلمانية في الدستور الجديد».
وأضاف: «لا تعريف للعلمانية، والكل يعرفها حسب رغبته الشخصية، لذلك يجب أن لا يتهرب دستورنا عن مسألة الدستور المتدين». وبدأ ترسيخ العلمانية في تركيا عقب تأسيس مصطفى كمال أتاتورك الجمهورية عام 1923، وفي تعديل دستور عام 1924 تم إزالة عبارة «دين الدولة هو الإسلام»، وبنيت العلمانية في تركيا على ما يعرف بـ«الأيديولوجية الكمالية»، وترد صفة العلمانية صراحة في المادية الثانية من الدستور التركي.
ومنذ ذلك التاريخ يعتبر الجيش التركي الحارس الأول للعلمانية في البلاد، حيث قام بسلسلة انقلابات على مدى 50 عاماً، لكن حزب العدالة والتنمية المحافظ عمل منذ وصوله سدة الحكم عام 2002 على تقليص نفوذ الجيش في الدولة، لكن بين الحين والآخر تخرج ادعاءات حول إمكانية تحرك الجيش في حال المساس بعلمانية الدولة.
من جهته، انتقد زعيم حزب الشعب الجمهوري «كمال كليجدار أوغلو» عبر حسابه الخاص بـ «تويتر» دعوة رئيس البرلمان، مشدداً على أن «العلمانية قبل كل شيء مبدأ من مبادئ السلم الاجتماعي، علينا ألا نستغرب هؤلاء الذين يحاولون منذ زمن طمس هذا المبدأ، إن السبب وراء مستنقع الشرق الأوسط هو وجود أناس امثالكم يخلطون الدين بالسياسة».
ودافع في السياق نفسه عن العلمانية قائلا: «إن العلمانية تعني أن يعيش كلّ دينه بحرية، لدينا يوميا العديد من الشهداء على الحدود بدلا من الاهتمام بهذا الشأن تشغلون أنفسكم بالعلمانية».
وقال بيان رسمي للحزب: «العلمانية تعني احترام الدين، وفصل الدين عن شؤون الدولة، ومنع الاستغلال الديني»، مشيرا إلى ضرورة عدم استخدام الدين كوسيلة لتحقيق أغراض سياسية واستغلال الشعب.
ورأى رئيس حزب الحركة القومية دولت بهجيلي، في بيان له، إن «فتح المواد الأربعة الأولى من الدستور للنقاش من قبل إسماعيل قهرمان المنتخب وفقًا للدستور نفسه، موقف غير صائب»، داعيا رئيس البرلمان إلى الاعتراف بالخطأ والتراجع عن تصريحاته. وشدّد على «ضرورة عدم خلق أدوات جديدة من شأنها أن تجرّ تركيا إلى بئر مظلم، وتجعل البلاد عرضة للاستغلال».
في السياق ذاته، قالت الرئيس المشارك في حزب الشعوب الديمقراطي (ذو الأغلبية الكردية)، فيغان يوكسك داغ، إن «رئيس البرلمان يتحدث عن دستور متديّن، وتُمثّل جميع هذه التأكيدات دعوة إلى تمييز قائم على أساس ديني»، مشيرة إلى أن حكومة حزب العدالة والتنمية تسعى إلى الهيمنة من خلال التركيز على الدين بشكل أكبر.
وانطلقت أمس العشرات من المظاهرات في عدد من المحافظات التركية، وتوجهت إحداها إلى مقر البرلمان التركي في العاصمة أنقرة، وشدد المتظاهرون على أنهم «سيحمون علمانية الدولة مهما كلف الأمر»، وأنهم لن يسمحوا إطلاقاً بـ«العودة إلى الرجعية» على حد تعبيرهم، في الوقت الذي انتشرت فيه دعوات واسعة لمظاهرات كبيرة خاصة في أنقرة واسطنبول وانطاليا، ويتوقع أن تتصاعد بشكل أكبر خلال الأيام المقبلة.
وفرقت الشرطة التركية بالقوة تظاهرة نظمها أنصار العلمانية أمام البرلمان التركي في أنقرة، حيث كان يهتف المتظاهرين «تركيا علمانية وستبقى كذلك»، قبل ان تتدخل شرطة مكافحة الشغب لتفريقهم بالغاز المسيل للدموع. فيما اعتقلت الشرطة عدة اشخاص خلال تفريق التظاهرة.
وقبل النزول إلى الشارع بشكل واسع، تجسدت المعركة الافتراضية على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث غرد مئات آلاف الاشخاص على موقع «تويتر» بين مؤيد ورافض بشدة لكتابة دستور ديني للبلاد يلغي العلمانية.
وعلى هاشتاغ «العلمانية ستنتصر» كتب أكثر من 70 ألف شخص تغريدات أجمعت على رفضهم التام للمساس بالعلمانية، وهددوا جميعاً بالنزول إلى الشارع والقيام باحتجاجات غير مسبوقة مهما كلفهم الأمر، في حين لجأ آخرون للتهديد بان هذه الخطوة إن تمت ستؤدي إلى تحرك الجيش لحماية أسس الجمهورية الحديثة التي أسسها الرئيس السابق مصطفى كمال أتاتورك، على حد تعبيرهم. في المقابل دافع آلاف المغردين عن توجهات حزب العدالة والتنمية لكتابة دستور جديد يلغي العلمانية، معتبرين أن المجتمع التركي يتكون من 99٪ مسلمين وهذا يعني انهم بحاجة لدستور يتوافق مع تعاليم الإسلام.
وكانت مصادر تركية خاصة كشفت لـ«القدس العربي» أن حزب العدالة والتنمية الحاكم بدأ فعلياً بإجراءات تغيير الدستور في تركيا بما يشمل تحويل نظام الحكم في البلاد إلى «رئاسي» وهو الهدف الذي يسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى تحقيقه منذ سنوات طويلة، لكنه يواجه رفض شديد من أحزاب المعارضة المختلفة.
المصدر المسؤول والمقرب من الحكومة والحزب الحاكم أوضح أن الخطوة الأولى في هذا الإطار ستبدأ نهاية شهر أبريل/نيسان الجاري أو بداية الشهر المقبل وسيتم خلالها طرح مسودة مبدئية للدستور مكونة من قرابة 120 مادة على الرأي العام التركي من أجل قياس نبض الشارع.
وبالتزامن مع ذلك، يقول المصدر: «ستتواصل النقاشات حول الدستور الجديد للبلاد داخل الحزب وبين الأحزاب الأخرى داخل البرلمان»، متوقعاً أن يتم التصويت على النسخة الأولية للدستور الجديد في البرلمان في شهر يونيو/حزيران المقبل.
ويحتاج حزب العدالة والتنمية إلى ثلثي أصوات أعضاء البرلمان (367) من أجل تمرير دستور جديد للبلاد وهو خيار صعب بدون دعم أحزاب المعارضة، بينما يحتاج الحزب الذي يمتلك (316) مقعداً في البرلمان الحالي إلى قرابة 14 صوتاً
إسماعيل جمال