الكويت ـ «القدس العربي»: أمسية أوبرالية ، تحاكي قصور النبلاء والعهد الأوروبي القديم، قدمتها جوقة الأحمدي الموسيقية، وهي أقدم الفرق الكويتية وأكبرها على الإطلاق، على مسرح عبد الحسين عبدالرضا، وتحت مظلة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، حيث استحضرت من خلالها أوبرا «دون جيوفاني»، التي تعد أحد أعظم مؤلفات الموسيقار النمساوي موتسارت في القرن السابع عشر.
في البداية، أدّت مجموعة من راقصات الباليه فقرة استعراضية مبهرة، على أنغام الموسيقى الكلاسيكية لموتسارت، التي ضربت هي الأخرى أوتار المشاعر بقوة، قبل أن تقدم الفرقة بقيادة ريتشارد باكمان عرضها المنتظر لأوبرا «دون جيوفاني»، التي تنتمي إلى الميلودراما الممزوجة بالكوميديا. العرض يروي قصة أحد نبلاء البندقية الإيطالية يُدعى جياكومو كازانوفا، الذي يتنقل بين عواصم ومدن أوروبية عدة، بحثاً عن متعته، حيث ذاع صيته زيراً للنساء، فقد دأب على حرق قلوب عشيقاته بعد أن ينال مبتغاه منهن، فهو دائم الشبق، لا يكل ولا يمل، ومخادع كلاعب القمار إن لم يحالفه الحظ في ورقة ما، فلا يتوانى عن سحب ورقة جديدة. تركّز الأوبرا على الحالات النفسية لشخوصها، خاصة الشخصية الرئيسية وعلاقاته المتشعّبة بالنساء، ونتساءل ونحن نتابع فصولها: هل هو شخصية مريضة أم أنه إنسان سوي؟ هل هو ضحية، أم أنه مجرم تجب إدانته؟ هل ما نتابعه خلال أحداث الأوبرا وهْم، أم أنه من الواقع؟ والكثير من الأسئلة.
ولا شك في أن موتسارت نجح ـــ إلى حد كبير ـــ في تشخيص، ليس حالة البطل الرئيسي في الأوبرا، بل معظم الشخصيات الأخرى، سواء الشخصيات النسائية أو الرجالية، مثل: دونيا آنا ودون أوكتافيو ودونيا آلفيرا وزرليني ومازيتو والشخصيات الأخرى، وعشنا خلال العرض مع صور من الحب والمتعة والعشق الحقيقي والخداع والوهم والنصب وكثير من الصور الأخرى. لقد غاصت «دون جيوفاني» في أعماق النفس البشرية وصورت من خلال أحداثها ما قد يفعله التهور لدى الشخص أو اللذة من أجل اللذة فقط. إنه «دون جيوفاني»… الذي بدا في مطلع العرض الأوبرالي كلص يتسلل خلسة إلى منزل «دون آنا» وهو يغطي وجهه بلثام لكي لا تتعرف عليه، قبل أن ينقض عليها خلسة ليلحق العار بها، ولكن عندما تكتشف نواياه المشينة تصيح بأعلى صوتها وتطارده، وبينما هو يهم بالخروج يصحو والدها العجوز من سباته، متفقداً مصدر الضوضاء، فما أن رأى «دون جيوفاني» في منزله حتى جن جنونه، فدعاه إلى مبارزته، غير أن العجوز الهرم لم يصمد طويلاً أمام براعة ذاك الشاب الفتي سوى بضع دقائق، الأمر الذي أثار غضب «دون آنا» فتعهدت بالثأر لوالدها ولو بعد حين.
«دون آنا» ليست الضحية الوحيدة، فهناك عاشقة أخرى تدعى «دونا إلفيرا»، وهي أيضاً إحدى ضحايا «دون جيوفاني» التي سقاها الوهم في الحب والزواج، فيما لم تسلم أيضاً فتاة الريف «زيرلينا» من خداع «جيوفاني» حيث حاول إغواءها، على الرغم من أنها مخطوبة وتتهيأ للزواج من الفلاّح «ماتيو». ولكن الحقيقة تظهر ولو بعد حين حيث يقع «دون جيوفاني» في شر أكاذيبه، عندما تقرر «دون آنا» و»دونا إلفيرا» و»زيرلينا» مواجهته، إلا أنه يحاول إقناع خادمه الوفي «ليبيريللو» أن يرتدي قناعاً ويؤدي دوره ليقابلهن بدلاً منه، حتى يتمكن هو من الفرار.
قام مايلز هورنر بدور «دون جيوفاني» الشاب الثري من طبقة النبلاء، الذي يكرس حياته لإشباع ملذاته الجسدية، أما كريستوفر فوستر فأدى دور «ليبيريللو»، وهو الخادم الوفي لجيوفاني، فيما أدت أيفا فيتشر دور «دون آنا»، وهي آخر الضحايا، في حين تقمصت ماود ميلر دور «دونا إلفيرا»، وآنا كراديمتروفا دور «زيرلينا»، بينما جسد جوليان ديبريول شخصية «ماتيو» خطيب «زيرلينا» إضافة إلى أدائه لدور والد «دون آنا» الذي قتل على يد جيوفاني.
الحديث عن العرض يحتم علينا التوقف مليا أمام الرؤية البصرية التي رسمها مخرجه؛ إذ أنه تعامل معه بوعي تام وإدراك لما هو وراء النص، وبذل الفنانون الذين شاركوا في العرض جهودا مضاعفة، فلم يكونوا على الخشبة مجرد مطربي أوبرا وحسب، بل كانوا ممثلين على درجة عالية من الكفاءة في الأداء خلال الأحداث، وتمتع أكثر من فنان بليونة في الحركة وعفوية في الأداء.
أما الاداء الصوتي فلعل الفتاة التي أدت دور دونيا آنا كانت الأكثر تميزا، من خلال صوتها العذب وقدرتها الفائقة على التلوين، ومن المهم أيضا الإشارة إلى العفوية التي أدى فيها الفنان الذي جسّد دور الشخصية الرئيسية في العرض، وهذا ينطبق على أكثر من عنصر أكد موهبته الفائقة في المزج بين الأداء الجسدي والصوتي. وما يحسب للمخرج رؤيته في ربط الحدث الرئيسي الذي عاشه أبطال الأوبرا في زمانهم وما قد نراه حاليا من صور للخداع والزيف والبحث عن اللذة إلى جانب صور إيجابية، كالحب الحقيقي وكشف الزيف، وهذا ما صوره المشهد الأخير، كما يحسب للمخرج استخدامه المجاميع في بعض فترات العرض، خاصة في بدايته وفي المشاهد الختامية من كل لوحة، وتقديمه عناصر واعدة من الجنسين، بعضهم لا يتجاوز العاشرة من عمره.
ومن المهم أيضا الإشارة إلى الفرقة الموسيقية التي أخذت على عاتقها جانباً مهمّا من تسليط الضوء على ما يحدث، وتعايشت بطريقة رائعة مع الألحان، من خلال التناغم والانسجام، وكانت بحق لوحة فنية خلابة. جدير بالذكر، أن فرقة الأحمدي الموسيقية التي قدمت العرض الأوبرالي تأسست عام 1955، وتتألف من عشرات الموسيقيين والمؤدين، فضلاً عن المغنين والاستعراضيين من الكويت وجنسيات أخرى.
منى الشمري