الاخبار الطيبة القادمة من ليبيا قليلة هذه الايام، معظمها اشتباكات دموية، وصدامات قبلية، واستقالات سياسية، واعتصامات امام الوزارات الرئيسية من قبل مسلحين يملون ارادتهم بقوة السلاح على البرلمان المنتخب.
قبل ايام معدودة جرى الاعلان عن برقة حيث توجد معظم احتياطات ليبيا النفطية ولاية اتحادية مستقلة، وقبل ذلك قدم السيد محمد المقريف رئيس البرلمان استقالته تنفيذا لقانون العزل السياسي، وامس اعلن يوسف المنقوش رئيس هيئة اركان الجيش الليبي استقالته بعد اشتباكات بين محتجين وميليشيا ‘درع ليبيا’ اسفرت عن مقتل 31 شخصا واصابة العشرات.
الشعب الليبي ضاق ذرعا من تدهور الاوضاع الامنية في بلاده وضعف الحكومة المركزية، وتغول الميليشيات المسلحة، ولهذا قرر النزول الى الشارع والتصدي لهذه الميليشيات، وابرزها ميليشيا درع ليبيا صاحبة الوجود الاقوى في مدينة بنغازي، حيث تظاهر امام مقراتها مطالبا بحلها.
السلطة الليبية اعتبرت كتيبة ‘درع ليبيا’ جزءا من القوات الشرعية، واعتمدت عليها في حل بعض النزاعات او التصدي للمحتجين، ولكنها لم تستطع الاستمرار في هذا الموقف وقررت سحب الشرعية عنها، والاستيلاء على مقراتها استجابة لمطالب المحتجين. ولكن هذا الاستيلاء ربما يكون شكليا لان هذه الميليشيا اقوى من الجيش الرسمي، وتملك اسلحة ثقيلة.
الميليشيات هي الحاكم الفعلي لليبيا حاليا، وهي التي فرضت قانون العزل السياسي بالقوة عندما اعتصمت امام وزارة الخارجية ولم تفك اعتصامها الا بعد اقرار البرلمان للقانون وتنفيذه واستقالة رئيسه السيد المقريف باعتباره احد الاشخاص الذي عمل سفيرا في حكم العقيد معمر القذافي، ولم يغفر له سنوات طويلة من الانخراط في صفوف المعارضة وترتيب محاولات انقلاب واغتيال للعقيد الليبي الراحل.
البرلمان الليبي الذي من المفترض ان يكون الهيئة السياسية الاعلى في البلاد اكتفى امس ومن خلال المتحدث باسمه بمناشدة الليبيين بتغليب لغة الحوار ومصالح الوطن واستشعار خطورة الموقف بعد احداث بنغازي الدامية، وحذر من انه، اي البرلمان، بصدد اتخاذ قرارات حاسمة في حال استمرار الصدامات.
لا نعتقد ان هذه المناشدات ستجد آذانا صاغية سواء من قبل الشعب الذي لا يثق كثيرا في هذا البرلمان، او من قبل الميليشيات التي حاصرته واقتحمته اكثر من مرة، واحتلت مقره مما دفع اعضاءه الى عقد جلساتهم لفترة طويلة في خيمة في حديقة مجاورة.
القادمون من ليبيا يتحدثون عن حالة انهيار في معظم المرافق الخدمية، وقبل كل هذا وذاك انتشار حالة من الفوضى وانعدام شبه كامل للامن، واتساع الهوة بين مكونات البلاد القبلية والديموغرافية.
ولعل الظاهرة الاكثر شيوعا هذه الايام هي ظاهرة التخوين ولغة الاقصاء بين رفقاء السلاح انفسهم في بعض الاحيان، وبينهم وبين بعض القوى والشخصيات الشعبية، فكل من عمل مع النظام السابق خائن يجب اجتثاثه، مما يعني ان حوالي مليون شخص مهددون بالعزل وعدم تولي اي وظيفة في العهد الجديد.
ماضي ليبيا بكل فصوله المأساوية معروف، وحاضرها يتبلور في سيطرة الميليشيات وغياب الحكومة المركزية القوية، ولكن الشيء الوحيد الذي لا يمكن معرفته او التكهن به هو المستقبل، فلا بارقة امل حقيقية تجعل الليبيين البسطاء يشعرون بالتفاؤل او هكذا يقول معظمهم هذه الايام.