حدود التجريب بين «المُكْتَسَب» و«الشَّاذّ» في تجربة محمد الشيخي الشِّعرية

حين اشْتَغَلْتُ على الشِّعر، في أطروحتي «حداثة الكتابة في الشعر العربي المعاصر»، كانت الإشكالية التي طَرحْتُها في هذا العمل النظري، رغم ما فيه من عَمل على تجارب شعرية مُحدَّدَة، كان السؤال الذي يُحاصِرُني، بكُل تَشَعُّباتِه، هو ما الذي يُسَوِّغ هذا الحِرْص على التَّشَبُّت بـ«المُكْتَسباتِ»، ليس في الشِّعر وحده، بل في الثقافة العربية، كاملةً؟
ولماذا الشِّعر، لم يخرج من «القصيدة»، التي لم تَكُن هي كُلّ الشِّعر، بهذا المعنى الكثير، والكلمة ليست جمعاً هُنا، طبعاً، بل إنَّها كَثْرَة؟ ولماذا هذا الحِرْص على اختزال التنوُّع والكَثْرَة، في الواحد المفرد، الذي لا يقبل التَعَدُّد؟ خصوصاً أنَّ هذا الذي حَدَثَ، لم يكن بإيعاز من الشِّعر نفسه، ولا بإيعازٍ من الشُّعراء، بل إنَّ بعض اللغويين والشَّاعِرِيِّين، الذين اكْتَفَوْا بزمنٍ دون غيره، وحَصَرُوا ما أقْدَمُوا عليه من تدوينٍ، في ما لا يتجاوز القرن الثاني الهجري، بما في ذلك العربية نفسها، التي سيكون «لسان العرب لابن منظور»، اكتفى فيها بما يختصر الكلام في هذا الزمن دون غيره؟

* * *

أتاحَ لي هذا السؤال أن أقوم بمراجعة شاملَةٍ لـ«الأصول»، وهذا هو الفصل الأول للكتاب، أي بالعودة للمُدَوَّنات النقدية العربية القديمة، وبإعادة اختبارها، في ضوء الإشكالية التي كانت هي ما يُضاعِفُ سَفَرِي في هذا الماضي السَّحيق، ويزيد من متعة وشَغَف اكتشافي، لِطَيَّاتِ ماضٍ، غالباً ما نقرأه بنظَّاراتٍ، يُغَلِّفُها كثير من الضَّباب، أو أننا، حتى قبل أن نشرع في قراءة هذا الماضي، نكون قد حَكَمْنا عليه مُسْبقاً، بما لا يوجد فيه، ثم إننا نُعَمِّم هذا الماضي، على تاريخ الثقافة العربية كاملةً، أو تاريخ الشِّعر العربي، الذي اختزلناه في «القصيدة»، دون غيرها من المُقْترحات الشِّعرية، التي تغاضَى عنها النقد، واعتبرها، اختراقاتٍ غير مقبولة، لأنها تَنْقُضُ القاعدة، وتَفْتَح طريق التَّجَوُّزِ، الذي هو أيضاً أصبح قاعدةً.
ما سأكتشفه في هذا البحث الصَّبُور، والشَّغُوف، أنَّ الشِّعر العربي، بتعبير ميرلوبونتي هو «كلام الله»، أي أنَّه شِعر، لا علاقة له بالبَنانِ، أي باليَد، بل إنه شِعر لسانٍ، وشعر كلام. ثمَّة روايات، وشهادات تتكلَّم عن المُتنبي، أو عن أبي تمام، وهُما تَعْتَصِرُهُما الكتابةُ، أو يعيشان ألمَها، في انتظار وضع الكلمة، أو البيت، على الورقة، والمتنبي هو من أشْرف على إعداد ديوانه، في الصورة التي وصَلَنا بها، لكن، حين نعود لقراءة شعر الشَّاعِرَيْن، وهُما من المصادر الأساسية للشِّعر العربي القديم، نجدهما، يَكتفيان بالتَّدْوِين، أو بالكتابة الإملائية، التي يُهَيّمِن فيها الشَّفاهِيّ على الكتابي. وهذه هي البنية الأمّ، للشِّعر العربي، وللثَّقافة العربية، التي لم تتغلَّب على «كلام الله»، الذي هو كلام، بدون كتابة، يكتفي باللِّسان، أو بتدوين هذا اللِّسان. و«القصيدة»، هي تمثيل لهذه البنية، وخُطاطَةٌ مثالية لها.

* * *

الشعرية المعاصرة، ذَهَبَتْ إلى غير هذا، واعتبرتْ أنَّ الشِّعرَ تتوسَّعُ دَوالُّه، وتتعدَّد وتَكْثُر، حين تخرج من هيمنة الشَّفاهِيّ، أو من هيمنة هذه البنية الأم، أو الخُطاطة المثالية لـ «القصيدة»، خصوصاً حين تُصْبِح الصَّفْحَة الواحِدة، أو الصَّفْحَة المُزْدَوِجَة، دالاًّ، من دوالِّ النَّص الشِّعريّ، رغم أنَّ هذه الشِّعرية نفسَها، وقعتْ في خَلل ابستمولوجي حقيقي، تَمَثَّل في اعتبارها الإيقاع، الدَّال الأكبر وتغاضيها عن الخيال، وكأنَّها تعود للشَّفاهِيّ، الذي كان الوزن، أحد دوالِّه الأكثر تعبيراً على اللسان، رغم توسيعها لمفهوم الإيقاع، وهذا ما سقط فيه حتَّى من تَبِعُوا ميشونيك، من دون مراجعة تينيانوف.

* * *

حين أعود إلى الشِّعر المغربي، لأبحث فيه عن هذه الحداثة، التي طالما نَسَبْناها لمرحلة السبعينيات، أو مرحلة «التأسيس والمواجهة»، بهذا المعنى، أجد نفسي أدور في البنية الأم نفسها، التي هي بنية «القصيدة»، بالمعنى الشفاهي، رغم انتماء هذه التجربة الشعرية للشِّعر المُعاصِر، أو ما اعْتُبِرَ في وقتٍ ما، شعراً حُرّاً، من دون التَّدقيق في أصل المفهوم. ما يعني، أن هذه التجربة، ظلَّتْ مشدودةً، إلى الماضي، حتَّى وهي تَدَّعِي الكتابةَ.
من يقرأ «بيان الكتابة»، لمحمد بنيس، سيكتشف من دون عَناء، أنَّ هذا البيان، لا علاقةَ له بالكتابة، وأنّ مشكلتَه هي الخَطّ المغربي، الذي نَوَّع الرَّسْم دون تمثيل البنيات الكتابية، التي لها علاقة بالصفحة، وبالانتقال الذي حدث من اللِّسان إلى الورق. مَنْ يقرأ الدواوين الصادرة، في هذا السياق، لعبد الله راجع، وأحمد بلبداوي، ومحمد بنيس، لن يجد في الصفحة دَالاًّ، أو أنَّ الصفحةَ لم ترقَ إلى مستوى الدَّال، وهو ما جعل، رُبَّما، هؤلاء الشُّعراء، يتركون كل هذه الأشياء وراءهم، ويعودون لماضيهم الشِّعري.

* * *

ذَهَبْتُ إلى كل هذا، لأستعيد ما نَنْساهُ عادةً، ونكتفي بتفسر المعنى، أو قَصْد الشَّاعِر في ما يقولُه، وهكذا يصير الشِّعر، مثل غيره من أشكال الكتابات الأخرى، لا فَرْقَ، لا في الشَّكل، ولا في جمالياتِ النَّصّ، وطبيعة اللغة، في علاقتها بباقي الدَّوال الأخرى. وهكذا، نُلْغِي الفُروقَ، ونُلْبِس ثوبَ هذا لذاك، ويصبح الشِّعر، هو ما يقوله «الشَّاعِر»، لا كيف يقول. لماذا أصبحنا نَهْرُب من جماليات التَّعبير الشِّعري، من لُغَتِه، ومن صُوَرِه، وإيقاعاته، ومن التَّمَظْهُرات الكتابية المتنوِّعَة، والمُتشابِكَة على الصفحة المفردة، أو الصفحة المزدوجة، ودور الترقيم وأشكال الخطوط، والفراغات، أو البياضات، وغيرها مما يُخْرِجُنا من السَّواد، أو مما سَمَّيْتُه بالكتابة العمياء، التي لا تخرج عَما يُمْليه عليها الحِبْر، دون غيره، مما هو جزء من هذه الدَّوال، أو الجماليات الشِّعرية التي هي تعبير عن حداثة فعلية، لا حداثة بالتَّسْمِيَة فقط.

* * *

قراءتي لبعض شُعراء هذا الجيل، وبينَهُم، الشَّاعِر محمد الشيخي، تفرض عليَّ أن أبْحَث في «تجربته» الشِّعرية، عنْ حدود التَّجريب الشِّعري، خصوصاً أنَّ محمد الشيخي، هو شاعر مُقِلّ في النَّشْر، والمسافة الفاصلة بين ديوان له، وآخر، قد تستغرق أكثر من عقد من الزمن في بعض الأحيان، وهذا يعني، بالنِّسبة لي، مسافة زمنية كافية، للإنصات، والتأمُّل، والمراجعة، أي لـ«الاختراق»، ولاقتراح أُفُق شعري، بجمالياتٍ مُغايِرة، بعكس بعض زملائه الشُّعراء الذين لم يَنْقَطِعُوا عن الكتابة، أو هُم يحرصون على تحقيق الاختراق، بالتَّراكُم، أو بتحويل الكتابة ذاتِها، إلى مختبر للتجربة.
في الأعمال الشعرية الصَّادِرة لمحمد الشيخي، وهي لا تتجاوز الستة، في ما أعرفُه، حاولتُ أن أتَلَمَّسَ أسبابَ هذا «الحَذَر» و «التَّرَيُّث»، أو بالأحرى، هذا البُطْء، وأقيسهما بما يمكن أن يحدُث فيها، أو في بعضها من إضافاتٍ، سواء بالنسبة لأعمال الشاعر ذاتِها، أو بالنسبة لأعمال الشاعر، في علاقتها بكتابات الجيل الذي ينتمي إليه، أو للشِّعر المغربي الذي حدثتْ فيه كثير من المُتغيِّرات التي تجاوزت حدود «الممكن» لتبلغ، ربما هذا«المستحيل» الذي يتكلَّم عنه محمد الشيخي، في شعره كثيراً.
سأعود لِما بدأتُ به، أي لـ «المكتسبات»، وهي كانت ضمن ما شغلني في التَّساؤل بصدد، ليس الشِّعر العربي وحدَه، بل الثقافة العربية، في مُجْمَلِها، لأعتبر تجربة محمد الشيخي، تجربة مكتسبات، وليست تجربة اختراقاتٍ. القراءة المُنْصِتَة، الفاحصة، التي تَحْتَمِي بِنَصًّيَة الشِّعر المعاصر، وبجغرافيته، وما احْتَمَلَه من تجارب وأشكال، وما عَجَّ به من اقتراحات جمالية، عند رواده في المشرق وفي المغرب، سيجد، أنَّ تجربة محمد الشيخي، هي تجربة حَصَرَتْ أفُقَها الشِّعري، في تجربة الرواد، ولأوضِّح هذا الفرضية، أشير إلى أنَّ الرواد، كما كتب الشاعر العراقي فاضل العزاوي، في كتابه «الروح الحية» قامت تجربتُهم على «مساومة» القصيدة، أي على البقاء في إطار الشِّعرية الشَّفاهِيَة، رغم ما قد يبدو بَصَرِياً، أنهَّ اختراق، وخُروج عن النموذج الشِّعري القديم، خصوصاً في التَّعامُل مع الوزن، أو البحور الشِّعرية، التي اعْتُبِرَتْ، هي حجر الزاوية، في كل النقاشات التي كانت تدور حول الشِّعري، وما لا يَمتُّ للشِّعر بصلةٍ. وهو ما ستؤكِّدُه شاعرة وباحثة من جيل الرواد هي سلمى الخضراء الجيوسي، في كتاب مهم وأساسي لها، لم ننبه إليه مع الأسف في الاشتغال على الشِّعر وهو «الاتجاهات والحركات في الشِّعر العربي المعاصر». في الأعمال الصَّادِرَة لمحمد الشيخي، يبقى الوزن ثابتاً من ثوابت تجربته، رغم أنَّه لا يخرج فيه عن بحور جِدّ محدودة، وهي المتقارب، والمُتدارك، بكل ما يجري عليهما من نقصٍ وزيادة، وتفعيلة الرَّمَل، الذي هو في تجربة الشيخي، امتدادٌ للمُتدارك، في وَحَدَتَيْه، [فاعلن] و [فَعِلُن]، بإضافة مُتَحَرِّك وساكنٍ، ويمكن العُثور، بشكل شبه استثنائي على تفعيلة الرَّجَز، [مستفعلن]أو ما يخرج في صيغة [متْفاعلن] التي قد تفضي بالشَّاعِر إلى [متَفاعلن]. لكن، محمد الشيخي، رغم اختياره لهذه التفاعيل، التي يمكن استثمارُها في فتح اللغة على الإيقاع، بمزج «النثري» بـ«الشِّعري»، أو بتوسيع موسيقى الشِّعر، فهو لم يفعل ذلك، بقدر ما كان يكتفي بنوع من التَّوجُّس الذي نَسْتَشْعِرُه في بنية الجملة، أو الصُّورة نفسِها، بإحداث انتقالات طفيفةٍ من المتدارك والمتقارَب، وهذا ما كان كمال أبوديب في كتابيْه «جدلية الخفاء والتجلي» و«البنية الإيقاعية..»، قد برَّرَه، واعتبره بين أهمّ ما أحدثَتْه الشِّعرية المعاصرة، في الشِّعر العربي، عند أدونيس بشكل خاص. بمعنى أنَّ الشيخي، حتَّى وهو يُحْدِثُ خَرْقاً، فهو خَرْقٌ مطروق، ما يعودُ بنا إلى المُكْتَسَب. لن أعود للاختلالات التي تَحْدُث في عددٍ من النصوص، التي تحدُثُ فيها كُسور عروضية، تحتاج لمبرِّراتٍ، أنا الآن لا أستطيع تفكيرَها، لأنَّ الشِّعر العربي لم يَخْلُ من هذه الاختلالات العروضية، وهو ما كان توسَّع في عرضه المرزباني، في كتابه «المُوشَّح».

* * *

في السياق نفسِه، نجد التفعيلة هي ما يقود النص، ويحكم صيرورتَه، وليس العكس، في حالاتٍ كثيرة. ولعلَّ في إكثار الشيخي من التدوير، هو نوع من التعويض، الذي كان الشاعر، به، يحاول أن يفتح اللغة على امتداداتها الدلالية، أكثر من فتحها على امتداداتها الإيقاعية. والتدوير بهذا المعنى، ليس طارئاً في تجربة الشيخي، أو خرقاً، فنازك الملائكة، اسْتَعْمَلَتْه، كما استعمله غيرها ممن توسَّعُوا فيه، رغم ما فرضَتْه الملائكةُ من حَضْرٍ على التدوير، كما على عدد التفاعيل في البيت الواحد، ووضعتْ لذلك قيوداً وضوابطَ. وفي التدوير، وفق ما كان ذهب إليه جان كوهن، يحدثُ التداوُل بين نوعين من الوقفات، وهما توقُّف العروض، واستمرار الدلالة، أو توقُّف الدلالة واستمرار العروض، وهذا نتيجة التدوير الذي قد يَسْتَغْرِق النّص كاملاً. وهُنا أودُّ أن أُشيرَ إلى أنَّ نصوص الشيخي، هي نصوص مُفْرِطَة في القِصر، أعني أنّ نَفَسَها قصير.
وهذا بدوره، يدعونا إلى التساؤل بصدد ما تُفْضِي إليه مسافات التوقُّف عند الشاعر، خصوصاً أنَّ النص الذي اعتبرَه الشاعر «قصيدة طويلةً»، وهو نص «رائحةُ الأمكنة» في ديوان «وردة المستحيل»، هو نص ليس طويلاً، قياساً بما تستغرقه بعض النصوص من طول قد يكون الديوان كاملاً. هل يمكن النظر إلى الوزن في تجربة محمد الشيخي، باعتباره نظْماً، وبالتالي فهو عائق أمام انشراح هذه التجربة، أم هو فقط من المكتسبات التي ترتبط بالحرص على نموذج شعري، هو اختراق في اعتقاد من اختاروه وذهبُوا إليه؟ نحتاج لمزيد من التأمُّل في نصوص الشَّاعِر، وإعادة تفكيك نَظْمِها، ليكون ما نُجيب به، أو ما نقترحُه من إجاباتٍ، خارجاً من النص، ومن «التجربة» ذاتِها.

* * *

لغة الشَّاعر، تَصُبُّ هي الأخرى في المُكْتسَب، وهي اللُّغَةُ نفسُها، في المعجم نفسه، بالألفاظ نفسها، والصور والتراكيب، وبالتوزيع نفسه على الصفحة، وحتى بالمعاني نفسها، تنتقل من ديوان إلى آخر، وكأنَّ المسافة بين ديوان وآخر لا يقهرُها الزَّمَن. وهذا فيه استقرار، واطمئنان للكلام نفسه، لا أعرف مُبَرِّرَ ذلك في تجربة محمد الشيخي، رغم أنَّ هذا حدث مع أحمد المجاطي، رغم تفاوت التجربتيْن، وفي تجربة أحمد الجوماري، من دون أن أُزْعِجَ المزيد من الشعراء؟

* * *

مما أُخِذ على شوقي، أنَّه رغم إقامته في فرنسا، ومُعايَشَتِه للتجربة الرومانسية، ولتجارب شعراء كبار، في ذلك الزمن، وحتَّى إبَّان وجوده في اسبانيا، فهو لم يتأثَّر، أو بالأحرى لم يَسْتَثْمِر هذه المعرفة في توسيع وفَتْح أفق تجربته التي بَقِيَت مُقيمةً في المُكْتَسَب. وهذا يُفْضِي بي إلى التَّأَوُّل بصدد تجربة الشيخي نفسها، الذي له نافذة مفتوحة على الشعر الاسباني، وشعر أمريكا اللاتينية المكتوب باللغة الاسبانية، وهي تجارب فيها اختراقات كبرى، وفيها إمكانات للتَّفاوُض بصدد ما يمكن أن نستثمرَه، وما يمكن أن نُهْمِلَه؟ ولعلَّ في تكرار الشيخي للحديث عن القافية والعروض، وعن القصيدة، والشِّعر، في ثنايا «القصيدة» نفسِها، ما يشي بهذه المُعاناة، أو العَنَتِ الذي تُعانيه الذات الشَّاعِرة، لاسْتِدْراج الشِّعر، أو العودة إلى «حنين القوافي» و «لَهْفَة الأوزان»، هكذا بتعبير الشَّاعر نفسه، وكأنَّنا بصدد كتابة تتمنَّع على الشَّاعر، أو هو يعمل على استحضارها بهذين الشَّرْطَيْن.

* * *

إنَّنا، بامتياز أمام تجربة يهيمن فيها اللِّسان، لا البَنانُ، أعنى تجربةً، لا تطمئن للاختراقات، ولا ترغب في المُخاطرة، رغم أنَّ «في المُخاطرة النَّجاة»، بتعبير النّفري. وطبيعة الدلالة في النص، رغم ما فيها من بَوْحٍ، واستكناه لجراحِ النفس، وعزلتها، وما تعيشه من رغبة في الانطلاق، والتَّحرُّر، فهي لا تَنْسَجِم مع هذه الشَّفاهِيَة الإنشادية، التي تفترض الاحتجاج، لا البوْح، ولا أعرف لماذا تخلو نصوص الشيخي من هذا المنحى الاحتجاجي الذي هو من سمات «بنية التأسيس والمواجهة»!؟
بقدر ما أميل إلى الاختراق، وإلى «النَّجاة»، بمعنى النّفري، فأنا لا أستهين بالحرص على المكتسبات، أو البقاء في مساحة شعرية ما، شريطة أن نعي، أنَّ الشمس التي نراها اليوم، ليست هي شمس البارحة، وأنَّ الشِّعرَ هو تحرُّر، وتجديد، وإضافة، ولو بِجُرُعاتٍ.

كاتب مغربي

حدود التجريب بين «المُكْتَسَب» و«الشَّاذّ» في تجربة محمد الشيخي الشِّعرية

صلاح بوسريف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية