القاهرة – إسلام أنور: في الوقت الذي تزداد فيه الصراعات والخلافات السياسية بين الدول العربية بوتيرة جنونية، يبدو الفن كملاذ أخير يجمع الشباب العربي ويعكس همومهم وأحلامهم وهواجسهم وأسئلتهم المتشابهة بصورة كبيرة. فعلى بعد خطوات من ميدان التحرير، وفي ظل حضور جماهيري، شهد مسرح الفلكي ضمن فعاليات مهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة «دي كاف»، ثلاثة عروض مسرحية راقصة لفنانين شباب من سوريا ومصر ولبنان، تشتبك جميعها مع الواقع المعاش، وتطرح أسئلة مهمة تؤرق معظم الشباب العربي عن الذاكرة والهوية والجسد هذا الثالوث المحوري في حياة كل الشعوب والأمم.
سوريا الحرب
«خارجًا من هناك» عبر هذا العنوان الدال، يأخذنا مصمم الرقصات السوري مثقال الصغير في رحلة لمدة 9 دقائق، ندخل فيها لسوريا الحرب. ليس كمشاهدين ولكن كشركاء في الحدث. كل منا يروي حكايته ويستمع للآخر، فالحرب ليست فقط في ميادين المعارك ولكنها في داخل كل إنسان. يعتمد مثقال في عرضه على المزج بين عدة فنون مثل السينما والرقص والموسيقى والمسرح، فعبر صورة سينمائية ثلاثية الأبعاد يتحرك الراقص وفي خلفيتها تظهر صور الحرب التي تتداخل تدريجيًا مع حركة الجسد، ليصبح بعدها الراقص وجسده هما متن الحرب، التي نرى جنونها ووحشيتها في الحركة القلقة والمضطربة وغير منضبطة للراقص في محاولة تفادي القذائف المدفعية، والهروب من الإطار الضيق الذي تتحرك فيه، وسط حصار من اللونين الأحمر والأسود الحاضرين بصورة طاغية.
يطرح مثقال سؤالاً رئيسياً في عرضه عن جدوى الفن في زمن الحرب؟ في إجابته نجده يطرح ثلاثة أفكار رئيسية أولهم الفن كوثيقة لحفظ الذاكرة، تلك الذاكرة التي يخشاها الطغاة ويسعون دومًا لمحوها، وثانياً، الفن كمرادف للحياة والمقاومة فالصورة التي يختار مثقال أن يقدمها عن سوريا في عرضه رغم ما بها من موت وألم الا انها تحمل قدرًا كبيرًا من الجمال والحياة عبر تكوينات بصرية مدهشة تؤكد أنه ما يزال هناك أمل في غدٍ يسوده الفن والجمال لا القتل والدمار. وثالث الإجابات هي الفن كرحلة إكتشاف للذات وللعالم، مشيرًا إلى أن «الذاكرة لا يحملها العقل فقط ولكن الجسد أيضًا يملك ذاكرة خاصة علينا كشف رموزها وقراءتها جيدًا فكل حركة نقوم بها تحمل معنى ودلالة»، في حديثه مع «القدس العربي».
ميلاد جديد
بموسيقى قوية تشبه صوت تدافع الأمواج، وعبر بقعة ضوء خافته تزداد إضاءتها تدريجيًا، تفتتح الراقصة والفنانة المسرحية اللبنانية دانيا محمود عرضها «محلي». تتحرك دانيا بإيقاع بطيء وحركة دائرية تشبه خروج الدودة من الشرنقة، تتحسس معها جسدها وأرضية المسرح في محاولة للتعرف على الذات والمجتمع المحيط.
تخوض دانيا على مدار 35 دقيقة هي مدة العرض رحلة ميلاد جديدة. تعيد فيها تفكيك قيود الذاكرة والسياج التي تحاصر أجسادنا. تورط دانيا المتفرج في خوض هذه الرحلة معها عبر النظر طويلا لأعينهم، هذه الحالة الحوارية التي يخلقها العرض تطرح العديد من الأسئلة عن الآنا والنحن والذات والآخر والذاكرة والهوية، أسئلة كثيرة تُلقيها دانيا على خشبة المسرح بلا إجابات واضحة، لكنها تشير إلى «مركزية الجسد فهو النقطة المحورية التي يمكنها أن تمنحنا العديد من الاجابات».
الجسد والهوية
في العرض الثالث بعنوان «بلدي» يقدم مصمم الرقصات المصري عزت إسماعيل، مجموعة من الاسكتشات الساخرة التي تشتبك مع سؤال الذاكرة والهوية، يبدأ العرض بصورة للأهرامات ومجسم لتمثال أبو الهول، وفي الخلفية صوت بالإنكليزية يحكي عن تاريخ الحضارة المصرية القديمة. بعد لحظات يتم تفكيك مجسم أبو الهول الخشبي ويتحول لمجرد ديكور يشبه المتاهة التي يتحرك خلالها راقصون أربعة أبطال العرض.
عبر هذه المفارقات بين الماضي والحاضر يستمر العرض في تفكيك كل القوالب النمطية التي صنعتها النخبة المثقفة المصرية عن الهوية والفن الراقي والجمال وغيرها من الصور الكلاسيكية التي تجاوزها الواقع. يعكس عزت التغيرات الكبيرة التي حدثت للشخصية المصرية عبر جسد الراقصين بداية من ملابسهم حيث الجلباب الخليجي مرورًا بحركة أجسادهم التي تتماهى مع الرقص الشعبي المعبر عن الأحياء العشوائية التي تحاصر العاصمة المصرية. وفي الخلفية يستخدم موسيقى متنوعة وغير متناسقة تعبر بقوة عن مدى التشوش والضجيج الذي نعيشه في أوطاننا العربية.
وفي ختام «ليلة رقص» التي امتدت لساعتين، تقول الفنانة الجزائرية البلجيكية نجمة حاج بن شلبي، منسقة العروض، لـ»القدس العربي»، ان من خلال حركة الجسد نستطيع استكشاف اللحظة، والمكان، وخلق المعنى والجمال، ومقاومة الزمن الذي لا يرحم، وبرنامج الرقص هذا العام يعكس المواقف الخطرة والصعبة التي يتعرض لها الفنانون، فيحولونها إلى شيء مختلف. وهذا ما يجمع بينهم، سواء كانوا يرقصون في بيروت أو القاهرة أو دمشق».