الروائي العراقي علي بدر… في «ملوك الرمال»: تتويج الصحراء على الكون

حجم الخط
0

 

عندما أصدر الروائي العراقي علي بدر روايته الأولى»بابا سارتر» تناولت الرواية في قراءة نقدية، ذلك أنني وجدت نفسي فيها، ووجدت أجواءها قريبة من عالمي، في بدايات تشكلي الأول، حيث البوهيمية هي السائدة، والوجودية هي الطريقة المثلى للشباب الستيني والسبعيني، مع خلطة ماركسية، تدفع عادة باتجاه اليسار والفكر الراديكالي، المتمرّد، ذلك الفكرالمطالب بالحريات والعالم الجديد، وباسترداد حقبة الأنوار بفنونها الجميلة في عوالم الشعر والفن التشكيلي والنحت والموسيقى والسرود المروية.
حينئذ تصوّرت أن اسم كاتب الرواية هو اسم مستعار، بيد أنني وبعد مرور فترة زمنية قصيرة، أسقط في يدي، وبدأت تظهر الأعمال الروائية الجديدة لعلي بدر، وسط مشغل روائي لا يهدأ، بل يعمل على مدار السنة، بحيث يستطيع هذا المشغل أن يؤمن للقارئ رواية جديدة، كل عام تقريباً، ولا يمرّ عام دون أن يُصدر علي بدر رواية، وتكون في الغالب لافتة، ولا تمرّ مرور الكرام، كما يحدث لبعض الروايات العربية ولروائيين عراقيين وعرب مكرّسين.
لذا قرأت له، قدْر ما وصلني وعثرت عليه من رواياته، وسمح لي وقتي بذلك، فقرأت له بعد رواية «بابا سارتر» روايات «الطريق إلى تل المطران»، و»صخب ونساء وكاتب مغمور» و»الوليمة العارية» ثم غبت عنه فترات من الزمن ليست قليلة، حتى عدت إليه لأقرأ روايتي «الكافرة» و»ملوك الرمال».
في ظل هذه الفورة الكتابية للرواية العربية، بدت ليّ رواية علي بدر»ملوك الرمال» مثل نشيد درامي، ملحمي عال، كتب بلغة صافية وصقيلة، وبدراية ووعي عال وعارف بأسرار الصنيع الروائي الحديث، ذلك الصنيع القادر على أن يقدم في توليفة ما، جرعات فلسفية وفكرية، ممزوجة بروح شعرية، وتولهات صوفية، تأملية، شائقة، تحسن كتابة المداورة وتوليف الحبكة وترسيمة العقدة الروائية التي تتحرّك في ظلها الشخصيات الروائية وأحداثها، داخل زمان ومكان معيّنين، وتلوح على بعض فصولها وسماتها تلاوين بوليسية، حيث تحاول هذه التلاوين عبر سياقها الدرامي توتير الأجواء النفسية، والتلاعب بالأعماق البشرية، غاية في الوصول إلى تمكين القارئ من الدهشة، ورسم ملامح التفكّر والمرح والاستبصار بما يحدث ويجري للشخصية المركزية داخل النسيج المعقد للعمل الروائي، وما سيحدث أيضاً للشخصيات الثانوية والكومبارس، وحتى للسينوغرافيا التي تؤطر العمل الروائي، ولا تبارحه إلا في لوحات قليلة، قابلة للاستذكار والمقارنة، وإن حدثت تلك المقارنة الزمانية والمكانية وجرى استدعاء الماضي، والعوالم الأخرى، بغية إجراء المقارنة بينها وبين عالم آخر، كما حدث في «ملوك الرمال»، سنجد عالم الصحراء يتجلى في تلك السينوغرافيا، من رمال، وشموس، وفضاء صوفي، خاص وخال، إلى ما يملأ هذا الديكور من خيام وجمال وماعز وريح وعصف ومطر وبروق وغيوم وترحال في الزمان والمكان وعبر وسائط، مثل الخيال والتفكر والتأمل العقلي بالكون والحياة، وعبر وسائط حسية أخرى مثل الخيول والإبل والدواب، تنضاف إليها جماليات الأمكنة، حيث النار والمواقد والطعام والليل والشاي والهواء الناعم الممدد في الصحارى.
يستند بناء رواية «ملوك الرمال» إلى موضوعة واحدة لا غير، تستغرق كل هذا العمل الروائي، متوسط الطول، حيث الصفحات قليلة ودقيقة ومحسوبة، فاللغة طرية، غير بائتة، والهدف والمقصد والمطلب الجمالي والفني سمات واضحة لا مماراة فيها.
تدور أحداث رواية «ملوك الرمال» في جنوب غرب العراق، وتحديداً في الصحراء العراقية الممتدة ما بين محافظتي الأنبار والمثنى، تلك الصحراء الواسعة والتي كانت في يوم ما، تضم سجن «نقرة السلمان» حيث الصحراء العميقة تحيط بتلك الحدود التي تطل على البوادي والهضاب الرملية، وبعد المسعى من الحدود مع البلدان المجاورة لهذا المكان.
في تلك اللحظة الزمنية التي يتأهب فيها الجنود لخوض غمار حرب مع قوّات التحالف الدولي، لضرب العراق بعد غزو الكويت، حيث الجيش المرابط على الحدود والمنتشرة قطعاته العسكرية، على طول أرض العراق الكبيرة، ومن ضمنها الصحراء المديدة، في تلك اللحظة التاريخية والفاصلة بين زمنين، يُقتل ثلاثة جنود عراقيين من قبل عصابة بدوية، لها ثارات مع الحكومة العراقية، ومناوشات وخروقات وتمردات، يتم ذلك على يد جسّاس، المتمرّد الأساسي لقبيلة بني جدلة، وهي قبيلة لها مشاكل ومطاحنات ومعارك، مع قبيلة بني جابر المتحالفة مع السلطة المركزية في بغداد، هذا القتل المفاجئ لجسّاس البدوي المتطيّر، والمقاتل شديد البأس والمتحدي، يؤدي بفصيل عسكري إلى الانحراف عن مهمته الأساسية، لينجرف في النهاية إلى مقاتلة بني جدلة، بغية الوصول إلى جسّاس والإتيان به حياً أو ميتاً، لمقاضاته أمام الدولة، كونه قد تحدّى السلطة المركزية وقتل جنوداً كانوا يستعدّون لمهمات قتالية، وطنية وقومية أخرى.
لكن حين يقوم الفصيل العسكري العراقي بأداء المهمة لغرض التوجّه إلى مركز وقوع الحادثة، تبدأ المهمة بالتعثر تدريجاً، وتتخذ الطابع العكسي لها، وهو انتصار جسّاس ومن معه على الفصيل العسكري المدرّب جيداً على فنون القتال والمناورة وقهر التمرّدات حيثما كانت. فمن هنا ستبدأ الحكاية تحوك تفاصيلها الدراماتيكية، وتعطي ذلك المشهد العمودي الذي يذهب عميقاً بالألباب ليأخذ بها، ويوقعها في هذه الحبائل والتشابكات الخيطية لعمل ليس بوليسياً بحتاً، بل لعمل مركب، ينطوي على فنّ الحبكة والدراما والبعد التراجيدي للأحداث، تلك التي وقعت في عمق الصحراء التي يلتهمها الليل والثعالب والريح التي تصفع تلك الأراضي الذهبية.
حين يستقدم الفصيل شخصاً، اسمه منور، من بني جابر، ليساعدهم ويدلهم على خطى جساس، ويبدأ العمل على ملاحقته ومراقبته عن كثب من أجل الإيقاع به، حينها تجري الأمور بغير ما خطط له الضابط ومنور وجند الفصيل العسكري الذي يتكون من مخابر على جهاز المخابرة ليؤمن التواصل مع القاعدة العسكرية الأساسية والدولة، في حال تم أسر جساس، أو حصول العكس.
حين يتم تنفيذ تلك العملية العسكرية وتشرع الحوادث تأخذ مجراها، يبدأ عدد الجنود في الفصيل يتناقص، عبر مداهمات وغارات لجسّاس، كل ذلك يحدث في وقت غير دقيق، يتخذه الضابط من أجل أسْر جساس أو قتله، حتى يقع الفصيل كله بمقاتليه ومدافعيه وحاميه مع أسلحتهم وخبرتهم وسمعتهم في القتال، تحت مكر وغدر وصيد جساس لهم، واحداً واحداً، وعبر خطط عسكرية من لدن الضابط ومَنوْر الذي سيعمل في النهاية لصالح جساس ويتآمر على الفصيل العسكري، فيبيعهم له، مقابل الخوف وربما المال وربما الغدر الذي قد يحدث في حروب مثل هذه، حتى يتناقص الجنود عبر خطط جساس وفشل خطط الضابط العسكري الذي كان من المفترض أنْ يتم الإيقاع به وبسهولة، كما وضح ذلك في بداية البدء بالمهمة.
بعد فصول آسرة من التقدم في الرواية، وهي تذكر بشكل أو بآخر بـ «صحراء التتار» لبوتزاني، والوصف المذهل الذي يقدمه بوتزاني للصحراء وكذلك دو سانت اكزوبري في رائعته «طيران في الليل» ووصفه المدهش لتلك الصحارى الغامضة والمنطوية على السحر والجمال والفتنة، تتكلل نهاية الرواية بقتل الفصيل العسكري كله وبقاء البطل الراوي، وحيداً في الصحراء حتى تنتشله قافلة بدوية عابرة في الصحراء وهو يوشك على الموت، لكن هذه القافلة تؤمن وضعه وترعاه كعادة أي بدوي، في إيواء عابر السبيل، أو طالب النجدة حيث عليها أن تحميه حتى لو كان عدوها.
من هنا لم يكن العسكري الأخير، الذي كان صحبة القافلة، سوى عدوّها، فالقبيلة كانت تابعة لبني جدلة، ولكنها بالرغم من ذلك، توفّر له الأمن والحماية والطعام والمسكن، فتفرد له خيمة من بين خيامها ليتعرف من طريق المصادفة، بعد محادثته مع شيخ القبيلة الذي يشرح له أمور مجيئه إلى الصحراء ولماذا، ولكن الجندي الأخير يدرك أنه بين أيدي بني جدلة، وأنه واقع في المصيدة تماماً، وسيكون مقتله محتماً على يد جساس لا محالة.
في هذه الأثناء، يقلق الجندي التائه من حالته الجدية ويرتبك، فيقرر آناء تنقل قبيلة بني جدلة في الصحراء أن يوصلوه إلى قبيلة بني جابر، حتى يتم له ما يريد، حتى يصل إليهم من أجل الأخذ بالثأر من جسّاس، ذلك الذي قتل كل رفاقه العسكريين، فيحاول وهو هناك عند بني جابر الإيقاع بمنور الخائن، فيتم كل شيء حتى يظفر به، ومن ثم الظفر بجساس نفسه، فيأخذه أسيراً أثناء نشوب حرب الخليج الثانية، في متاهة من الضياع لا يعي الجندي الأخير سبرها، الا بإطلاق جساس وتركه يعود إلى الصحراء عائداً إلى قبيلته بعد أن يعي مسألة الحياة والموت، وقيام الحرب حيث تضيع المقاييس ويضيع من هو الجاني الحقيقي فيها.
علي بدر: «ملوك الرمال»
دار المتوسط، ميلانو 2016
198 صفحة

الروائي العراقي علي بدر… في «ملوك الرمال»: تتويج الصحراء على الكون

هاشم شفيق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية