الصحافة والأدب في شرقي الأردن

حجم الخط
2

 

يرجع تاريخ النهضة الأدبية الحديثة في شرقي الأردن إلى عهد قريب جداً. فزعماء هذه النهضة، أو على الأصح أدباء الطليعة في هذه النهضة، ما يزالون كلهم أحياء، وما يزالون بين الشباب والكهولة. فهي بذلك ليست بعيدة الجذور في تاريخ الأدب المعاصر. وعلى الرغم من أنها ما تزال في دور الطفولة، غير أنه لا بد لنا من أن نذكر أنها قد أنجبت فئة ـ وإن قليلة ـ من الأدباء الشعراء، لا يقلون عن إخوانهم من أدباء الأقطار الشقيقة عمق تفكير، وسعة ثقافة، وروعة إنتاج. وإذا كانت أسماؤهم لم تتألق بعد في سماء الأدب العربي المعاصر، كما تألقت أسماء زملائهم في مصر ولبنان وسوريا مثلاً، فليس ذلك لنقص في آدابهم وفي مؤهلاتهم الأدبية، وإنما يرجع ذلك إلى أسباب هامة، منها ـ وليس كلها ـ أولاً: عدم وجود صحافة، بمعنى الصحافة الحقة، لتحمل بعض نتاج أقلامهم إلى إخوانهم في خارج شرقي الأردن. ثانياً: عدم وجود دور لنشر آثارهم الأدبية، وإلى جانب هذا عدم تمكن أكثرهم من طبع مؤلفاتهم على نفقاتهم الخاصة.
وللصحافة ـ في الواقع ـ أكبر الأثر في إنعاش الأدب، وفي إظهاره بأجلى مزاياه. فمجلات «الهلال» و»المقتطف» و»الرسالة» و»الثقافة» في مصر، تستطيع أن تعطي اصدق الصور عن الأدب المصري، وكذلك «الأديب» خاصة، و»المكشوف» و»الطريق» وغيرها في لبنان، وهكذا قلْ في كل بلد تزدهر فيه الصحافة الراقية.
أما في شرق الأردن، فالصحافة متأخرة تأخراً مخجلاً، وهذا غريب جداً في بلاد يقوم على رأسها أمير اشتهر بأنه أديب بليغ، وشاعر مطبوع. فهناك في عمان ـ وليس في غير عمان  صحف ـ جريدة «الأردن»، وهي أقدم الصحف الحية حتى الآن، بعد مجلة «الشرق العربي» الرسمية. وقد قلت «الحية» لأن هناك عدداً غير قليل من الجرائد والمجلات قد صدرت ثم ماتت في الفترة بين ظهور «الشرق العربي» و»الأردن» ـ كما روى لي الصديقان الكريمان البدوي الملثم والعزيزي ـ وهناك أيضاً جريدة «الجزيرة»، وجريدة «الوفاء». وهذه الصحف الثلاث لا تحمل من نتاج الأدباء الأردنيين البارزين إلا النادر جداً، وفي فترات متباعدة جداً. وليست «الأدبيات» التي تحملها ـ في الغالب ـ سوى عبث ناشئين، قلّ أن يحالفه التوفيق. وهي لذلك محدودة الانتشار جداً.
وفي الواقع أن تأخر الصحافة الأردنية ناجم ـ في الغالب ـ عن اضطرارها إلى مجاملة كل «كبير»، وأنها إذا لم تجامل كل من بيده شيء من السلطان، وإذا لم تفتح صفحاتها لكل صغيرة وكبيرة من أخبارهم، تمجدها وتشيد بها، فلا مجال لحياتها. وهذا أمر يدعو إلى الأسف والخجل معاً. وقد قال لي أحد أصحاب الصحف في عمان مرة: «للناس رب واحد، أما نحن ـ أصحاب الصحف الأردنية ـ فلنا ألف رب، وكل من هؤلاء الأرباب يتقاضانا عبادة دائمة على طريقة خاصة. والويل لنا نحن إن حاولنا أن نخرج عن طاعة بعض هؤلاء الأرباب، أو همسنا برفع الصوت بالاحتجاج، أو بطلب المساواة بين صحفنا وصحف العالم كله، فإما أن يكون نصيبنا تعطيل صحفنا، وإما النفي والتشريد»!
وصحف هذا شأنها، كثير عليها حتى أن تكون على مثل ما نجد عليه هذه الصحافة الأردنية من الخمول وقلة الانتشار.
ولقد حاولت جريدة «الجزيرة» في إبان نشأتها أن توجد حركة أدبية نشيطة ـ ولصاحبها الأستاذ تيسير ظبيان الكيلاني من المؤهلات الصحفية والأدبية ما يجعله جديراً بخلق مثل هذا النشاط الأدبي ـ فالتفّت حولها طائفة جليلة المكانة من أدباء الأردن، وظلت مثابرة على نشاطها حتى كان تعطيلها الإجباري الطويل. فلما عادت بعده إلى الصدور، في هذا العام، كانت قد فقدت نشاطها، وانفض من حولها الأنصار اللامعون من الأدباء الأردنيين، فأصبحت كزميلتها «الأردن» و«الوفاء» خمولاً وقلة انتشار، حتى أن أحد أصــــدقائي من أدبـــاء الأردن البــــارزين لا يدعــو هذه الجـــرائد بغير «السجلات المطبوعة» للدلالة على قلة انتشـــارها، وانحــطاط إنتاجها الصحفي والأدبي.
ولقد أضاف صديقنا الأستاذ أمين أبو شعر المحامي منذ أشهر إلى الصحافة الأردنية مجلة جديدة هي «الرائد» وهي المجلة الوحيدة التي تصدر عن شرقي الأردن، ثم هي الصحيفة الأردنية الوحيدة التي يعرفها بعض المثقفين خارج شرقي الأردن. ولا يخفى ما يبذل في إخراجها من جهود ونشاط، ولكننا نستطيع أن نقول إنها لا تمثل شيئاً مجدياً من الحركة الأدبية الأردنية، ولم تحاول حتى الآن أن تخلق شيئاً من النشاط الأدبي، أو جواً أدبياً منتجاً في شرقي الأردن، ولا حتى حاولت أن تقدم لغير الأردنيين صورة واضحة المعالم عن الأدب الأردني، بدليل خلو أعدادها من أسماء الأدباء الأردنيين اللامعين. ونحن ننتظر منها ومن زميلاتها في عمان اتجاهاً أدبياً صحيحاً، لنستطيع أن نرى في بلاد الإمارة نهضة أدبية مباركة، ثابتة الأسس، نشيطة، ليصل صداها إلى خارج الأردن، ولتستطيع أن تساهم في إنعاش الأدب العربي المعاصر، وأن تحتل مكاناً مرموقاً من قافلة هذا الأدب الجديد، السائرة بخطى ثابتة نحو الازدهار والانتشار.
وفي الواقع أنه لمن السهل جداً إنعاش الحركة الأدبية الأردنية، بســـبب ما نلمسه في نفوس الكثيرين من الشباب الأردنيين من توثب، واستعداد فــطــري للأدب، يعـــوزهـمــا التوجيه والتصحيح، لكي يصبح أولئك الشبان أدباء كباراً في مستقبل الأيام.
ونحن حينما نذكر الأدب الأردني نكاد نركز الحركة الأدبية في عمان وحدها. وليس في هذا شيء من الغرابة، فالمدن الكبيرة هي التي يتهافت عليها الناس، لا سيما المثقفون، للاستفادة من ثقافاتهم، حيث المجال أوسع للاستفادة إما عن طريق دوواين الحكومة، وإما من غيرها، كالأعمال الحرة مثلاً. وعلى هذا نستطيع أن نقول إن القاهرة هي مركز الحركة الأدبية في مصر، وكذلك بيروت في لبنان، ودمشق في سوريا، وبغداد في العراق. وعمان هي حاضرة الشرق العربي، فلا غرو إن رأيناها محور الحركة الأدبية الأردنية، وإن يكن في غيرها من المدن الأردنية بعض الأدباء البارزين، كأديب عباسي في الحصن؛ وحسني فريز، وخليل السالم، وجريس القسوس في السلط. وهناك أدباء هجروا بلاد الإمارة بسبب أعمالهم ومصالحهم الشخصية، منذ مدة قريبة. فمنهم من يقيم في القدس، كالعزيزي، والبدوي الملثم، ومحمد سليم رشدان. ومنهم من يقيم في دمشق، كخليل جمعة الطوال. غير أن هذا التفريق لا يمنع أن يضاف إنتاج أقلام هؤلاء الأدباء إلى الأدب الأردني، سواء أكان يصدر عن فلسطين أو غير فلسطين من الدنيا العربية العزيزة.

مجلة «الأديب»، كانون الثاني (يناير) 1946

وسيط الآداب الإيطالية

شاءت أسرة الأديب الأردني (1918 ـ 1985) أن ترسله من مسقط رأسه في الفحيص، إحدى ضواحي عمّان، إلى مدرسة دينية داخلية في القدس، ليصبح كاهناً فيعيل نفسه وبعض متطلبات أسرة متواضعة. لكنّ الأدب هو الذي شدّه، بل صار سمة حياته منذئذ، رغم مشاق العيش الكثيرة التي اكتنفت العقود الأولى من عمره: «أنا إنسان قُدّر عليه في طراوة السن أن يحطّم الصخر، ويفتّت الحديد بيديه وحدهما، لكي يستخرج منهما ما يأكل وما يشرب وما يلبس. وكم من أيام عبرت بي في مرحلتي هذه حسدت فيها المتسوّلين لأنهم لا يجوعون»؛ كتب الناعوري في «الشريط الأسود»، الذي يُعدّ سيرة ذاتية في هيئة «اعترافات».
في سنة 1960 سافر إلى إيطاليا بإيفاد من وزارة التعليم، حيث كان يعمل، فانكبّ على دراسة اللغة الإيطالية، وكانت تلك فرصة ثمينة له للتعرّف على الآداب الإيطالية، وفرصة كذلك للقارئ العربي الذي أخذ يتعرف على نماذج روائية وشعرية من الإبداع الإيطالي، عبر عروض الناعوري وترجماته. وهكذا، كانت ترجمته لرواية «الفهد»، رائعة لامبيدوزا الشهيرة، بمثابة خدمة كبرى للثقافتين الإيطالية والعربية، حتى أنّ جامعة باليرمو منحته دكتوراه فخرية على هذا الجهد، واستحقّ صفة الوسيط إلى الآداب الإيطالية.
وللناعوري عمل موسوعي بعنوان «الأدب المهجري»، صدر مطلع خمسينيات القرن الماضي، لكنه ما يزال مرجعاً لا غنى عنه في هذا الميدان؛ وكان حصيلة مراسلات مطولة مع أدباء المهجر، فاحتوى بالتالي على مخزون كبير من المعطيات والمعلومات. وفي الفترة ذاتها أصدر مجلة «القلم الجديد» وترأس تحريرها، قبل أن يستقيل لاعتبارات إدارية. وحين تأسس مجمع اللغة العربية الأردني، سنة 1976، وقع الاختيار على الناعوري ليكون أميناً عاماً له، لكنه استقال وغادر للإقامة في تونس، حيث توفي.
للناعوري قرابة 20 عملاً، بين شعر وقصص قصيرة وروايات ودراسات نقدية، فضلاً عن الترجمات بين الإيطالية والعربية، ومؤلفان باللغة الإنكليزية حول الأدب الأردني المعاصر والشاعر الأردني عرار.

الصحافة والأدب في شرقي الأردن

عيسى الناعوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية