الموسيقار المصري حليم الضبع: الرّيادة وأصداؤها 

حجم الخط
1

قد يَعجب معظم المصريين ـ إن لم أقل جلّ العرب ـ إذا قيل لهم ﺇن أحد أبنائهم رائد من روّاد الموسيقى العالمية المعاصرة، وﺇن موسيقاه شكّلت فتحاً في ميادين شتّى من فنون الأداء، قد يكون أهمّها الموسيقى الألكترونية، وإدخال الآلات الشرقية والأفريقية في مصطلح الفرق السمفونية الغربية، وفن «الرقص الحديث» على طريقة مارثا غراهام (1894 ـ 1991)، الملقّبة بـ «بيكاسو الرقص».
قلتُ «شكّلتْ»، وكان الأجدر بي أن أقول «تشكّل» فحليم الضبع، إبن حارة السكاكيني في القاهرة، ما يزال يبتكر ويجدّد في مؤلّفاته حتى اللحظة، مستوحياً من نظام الألوان لدى الفراعنة طبقات صوتية «مختبئة» بين المفاتيح المتجاورة (في البيانو، مثلاً) رغم أنه تجاوز الخامسة والتسعين من عمره في الرابع من آذار/مارْس الماضي. بل وجرت عادة أصدقائه على الاحتفال بعيد ميلاده بإضافة أربعة آلاف سنة على عمره، باعتباره «سليل الفراعنة»، لذا فقد بلغ 4095 ربيعاً، لا أكثر!
درس حليم الهندسة الزراعية في جامعة الملك فؤاد الأوّل (قبل أن يتمّ تغيير اسمها)، وتخرّج فيها في 1945، ثم عمل بصفة مستشار لدى وزارة الزراعة. بَيد أنّه ـ وبموازاة دراسته الجامعية التي أتمّها تلبيةً لرغبة أهله الذين كانوا قد توارثوا مهنة الزراعة أبّاً عن جدّ ـ أخذ يجرّب العزف على الدربكّة وعلى الـبيانو، ويعلّم نفسه على هذا المنوال الشيء الكثير. ثم راح يستفيد من معلّمي الموسيقى في معهد جيكيّ خصوصي في القاهرة. وكان أن استعار في 1944 مسجّل البكرة (الذي سبق مسجّل الكاسيت) من مكاتب إذاعة «الشرق الأوسط» وراح يسجّل ما يحلو له في شوارع القاهرة، ثم يعالج هذه التسجيلات في الاستوديو بأن يزيل الذبذبة الأساس للنغمة، مبقياً بذلك سلسلة الذبذبات العليا المرافقة لها، وهي السلسلة التي يقوم عليها علم الموسيقى برمّته. ثم راح يتلاعب بعناصر شتى للنغمات المغنّاة والمعزوفة التي كان قد سجّلها، مثل نوعية الصدى والـفولتية وهلمّ جرّا. وهكذا ألّف حليم ﺇحدى أولى القطع الألكترونية في تاريخ الموسيقى العالمية، إذا لم تكن الأولى على الإطلاق، مسجّلاً بذلك سَبَقاً بأربع سنين عن المؤلف الفرنسي بيَير شَيفَر (1910 ـ 1995) الذي تعدّه معظم الموسوعات المؤلّف الرائد في هذا المجال، لا لشيء سوى لأنه اشتهر في باريس في 1948، لا في القاهرة في 1944.
وتأثّر حليم بالنكبة أيّما تأثّر، فألّف قطعة للبيانو بعنوان «في الجبهة ظلمةٌ واكتئاب»، وعزفها أوّل مرّة في القاهرة في 1949. فكان أن حضر الحفلة مسؤول من الملحقية الثقافية الأمريكية وجّه إليه دعوة أن يحضر إلى مكتبه في اليوم التالي، فلبّى حليم الدعوة دون أن يدرك أن ذلك اللقاء سيغيّر مجرى حياته، إذ سلّمه المسؤول ـ وهو يرحّب به في مكتبه، وحتّى قبل أن يجلس أيٌ منهما ـ قائمة طويلة بأسماء جامعات أمريكية شتّى وقال له: «اختَرْ من هذه القائمة الجامعة التي تتمنّاها، فقد قررنا أن نخصّك بمنحة دراسية (بفضل تشريع فولْبْرايت الموسّع) كي تختصّ في التأليف الموسيقي!» لكن أسماء تلك الجامعات لم تعنِ شيئاً لحليم في تلك الآونة، فكان ردّه: «أفضّل أن أكون في جامعة قريبة من الهنود الحمر، سكّان أمريكا الأصليين!» فما كان من المسؤول إلاّ أن أرسله إلى جامعة نيو مكسيكو في آلبوكيركي أوّلاً، حيث درس التأليف الموسيقي لدى جون دونالد روب (1892 ـ 1989)، وأيرنست كشَنَك (1900 ـ 1991)، ثم إلى كونسيرفاتوار انكلترا الجديدة للموسيقى في بوستن، حيث درس التأليف الموسيقي لدى فْرانْسِس جَد كُوك (1910 ـ 1995)، ثم إلى جامعة براندايز في ضاحية بوستن المسمّاة وَولْثام، حيث درس التأليف الموسيقي لدى ايرفنك فاين (1914 ـ 1962). مكوث حليم في بوستن في الخمسينات مكّنه من حضور ورشات عمل صيفية في مركز بيركشاير الموسيقي برعاية أوركسترا بوستن السمفونية، حيث تسنّى له عرض مؤلّفاته على آرون كوبلند (1900 ـ 1990) ولويجي دالابيكو (1904 ـ 1975) والعديد غيرهما.
لقد استفاد حليم من هذا العدد الكبير من أمهر مؤلّفي العصر الأمريكيين والاوروبيين الذين صقلوا موهبته الفذّة وشجّعوا روح التجديد فيه، فكانت أولى الثمرات في 1958 قطعة لحليم بعنوان «فانتازيا ـ تحميل» للدربكّة المنفردة وأوركسترا الوتريات حظيت باهتمام ليوبولد ستَوكَوففسكي (1882 ـ 1977)، أحد أبرز قادة الأوركسترا في تلك الحقبة، الذي دعا حليم ليكون العازف المنفرد على الدربكّة بمرافقة أوركسترا نيويورك الفلهارمونية. وهذا ما فسح له الطريق للتعامل مع الناشر الموسيقي بيتَرْزْ في نيويورك، الذي تجد لديه اليوم أكثر من ثلاثمئة نصّ موسيقيّ من تأليف حليم في أبواب الاوبرا والباليه والأوركسترا وجوقة الغناء وفرق موسيقى الصالة المتنوّعة وموسيقى الآلات المنفردة بأنواعها بالإضافة إلى الموسيقى الألكترونية.
ثم كان أن مكتب مارثا كراهام، أهمّ مصمِّمات «الرقص الحديث» قاطبة، وجّه له دعوة لتقديم موسيقاه للمصمِّمة دون تحديد المشروع الذي هي بصدده. فجمّع حليم كل ما توفّر لديه في 1958 من تسجيلاته على البكرات، ولم يتجاوز مجمل مؤلّفاته وقتئذ الثلاث ساعات، وانتظر مارثا، التي لم تحيِّه وحتى لم تنظر صوبه حين دخلت مكتبها وجلست وقد أغلقت عينيها دون أن تنبس ببنت شفة، فشغّل حليم الجهاز وعزف لها البكرة تلو الأخرى حتى خلا وفاضه، وبعد أن احتار لفترة بسبب عدم استجابتها البتّة، عاد فعزف تسجيلات مؤلّفاته مرة ثانية، وعندما انتهى من ذلك فتحت مارثا عينيها للمرة الأولى وقامت من مكانها ونظرت صوبه وبدا له أنّها تحييه، ثم أقفلت عائدة من حيث أتت، فهرع حليم إلى مساعِدتها في غرفة الاستقبال متسائلاً، فأجابته المساعِدة أن ليس في وسع أحد أن يستقرئ شيئاً ممّا حصل، لا سلباً ولا إيجاباً! لكن سرعان ما وصلته دعوة لتأليف الموسيقى لباليه «كليتمنسترا» من تصميم مارثا ـ وهو الباليه الوحيد من تصميمها الذي يملأ أمسية كاملة، تبعه تكليف بثلاث باليهات أقصر ـ تمّ تمويله بوساطة زَمالة من مؤسسة كوكنهايم، وتمّ تقديمه على مسرح في شارع برَودوَي في نيويورك.
بَيد أن فضول حليم لم يتوقّف عند حدود التجديد والتجريب الموسيقيين، بل تجاوز ذلك إلى اكتناه جذور الموسيقى الأفريقية، ففاز بزَمالة ثانية من مؤسسة كوكنهايم وقضى شطراً طويلاً من الستينات يتقصّى أصول الموسيقى والرقص لدى شعوب أفريقية شتّى، حتى أنه حاضر في هذا المجال في جامعة هايله سيلاسي الأول في أديس أبابا في الحبشة (قبل أن يتمّ تغيير اسمها هي الأخرى)، ثم في جامعة هاوَرد في واشنطن العاصمة من 1966 ـ 1969، ثم في جامعة كَنت الحكومية في أوهايو من 1969 ـ 2012، حيث ابتسم لي الحظ بأن أكون أحد تلاميذه من 1985 ـ 1988. بل وقدتُ قطعة في ثلاث حركات من تأليفه وبحضوره، عنوانها «ثُمانيّة، أو أُحادية، وثُنائيّة، ومتعدّدة النغمات» لستّ عازفين على آلات النفخ، وعازفَين على آلات الإيقاع ـ وكان أولئك العازفون أعضاء في فرقة الموسيقى المعاصرة التابعة لجامعة كَنْت الحكومية ـ احتفالاً بعيد ميلاده الخامس والستّين في آذار/مارْس 1986. وقد يَعجب المستمع من عمق الابتكار الذي يشحن به حليم كل حركة من تلك الحركات، بما فيها الأولى التي تبدو على صفحة النصّ الموسيقيّ وكأنها لا تترك موقع طبقة صوتية واحدة إلاّ فيما ندر، لكن التغيير هذا، رغم رقّته، فإن وقعه على الجمهور كان جبّاراً.
وتذكّره وطنه الأم، بعد طول غياب، فجاءه تكليف بتأليف «موسيقى الصوت والضوء» في 1961، وهي الموسيقى التي تُسمع كل أمسية منذ ذلك التاريخ لدى زيارة الأهرام. ثم عاد فنسيه مسقط رأسه حتى 2002 حين جاءه تكليف ثانٍ بمناسبة افتتاح المبنى الجديد لمكتبة الاسكندرية، فكتب حليم قطعة للوتريات تقع في عشرين دقيقة لفرقة وتريات الاسكندرية وقدّم عدة قطع أخرى من نتاجه، وكانت معظم هذه القطع تُعزف للجمهور في مصر في 2002 للمرة الأولى، وكأن للرّيادة في العالم أجمع أصداءً، إلاّ في مصر، حيث لا صدى لها مطلقاً.
يشعر المرء حين يجالس حليم أنه يقابل نابغةً عملاقاً في التأليف الموسيقي وعالماً ملمّاً بكل تفاصيل الموسيقى والرقص الأفريقيين، وبكل أوجه حياة المصريين القدامى أيّام الفراعنة، لكنك لن تجد في كلامه أو تصرّفه سوى تواضع العلماء العظام، ولن تسمع منه كلمة قاسية في حقّ أحد، إذ أنه يكيل المديح حتى في حقّ أولئك الذين قد لا يستحقّونه بتاتاً. فلماذا تعاقبت الحكومات على أرض الكنانة منذ الأربعينات وحتى يومنا هذا دون أن تقدّر هذا الرائد منقطع النظير كما يجب وتكافئه على رفع راية وطنه عالياً بين الأمم؟

الموسيقار المصري حليم الضبع: الرّيادة وأصداؤها 

بشّار عبد الواحد لؤلؤة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية