مصير اتفاقية العار

■ ماذا يجري بالضبط على جبهة سيناء؟ وما هو مصير معاهدة العار المعروفة باسم معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية؟
أسئلة كبرى تثور على جبهات السلاح والسياسة، وفي العواصم والأطراف، وفي منطقة عربية وإقليمية هائجة مائجة، لم تستقر بعد على مشهد ختام مفهوم، ولا على صورة أخيرة، تظهر فيها ملامح الرابحين والخاسرين بعد زوال الغبار.
الطرف الأهم في القصة كلها هو مصر، فهي البلد الباحث عن العودة إلى دور غاب عنها وغابت عنه، بينما كانت المسارح مفتوحة لأدوار أخرى على الخرائط المستباحة، بينها الدور الإيراني الذي وصل إلى ذروة تمامه بالاتفاق النووي، والدور التركي الذي يميل إلى انكسار بعدما بدا من انتصار «عثمانلي» موقوت، والدور الإسرائيلي الذي يتربص بنتائج خراب المشرق العربي، وحروبه العبثية الطاحنة، ويتعجل في إعلان انتصاره النهائي، ويبدو مزهوا متعجرفا، على طريقة قرار نتنياهو بضم «الجولان» السوري إلى الأبد، وأحلامه المستحيلة بإخراس الصوت الفلسطيني المقاوم، وقمع هبة شبابه الغاضب، وفرض الأمر الواقع في صورة «إسرائيل الكبرى».
ورغم فوضى الاختيارات الداخلية الراهنة في مصر، ومخاطر الاقتصاد المعتل، إلا أن السياسة العربية والدولية تبدو مدروسة أكثر، وإن كانت تتسم بالحذر البالغ، فثمة خطوط حركة تبدو متكاملة، حركة إلى العمق الأفريقي لتمتين أساس الوجود المصري، وحركة دولية تعطي البلد مرونة وحيوية أكثر في اختياراته، تتقلص بها التبعية الموروثة للسياسة الأمريكية، وتتنوع مصادر السلاح والاستثمارات وغايات النهوض، وتتسق مع تحرك تراكمي ملحوظ في المحيط العربي الألصق بمصر، فيه قدر من الغموض وقدر من الوضوح معا، الغموض ظاهر في قضايا مثل الأزمة السورية، والوضوح أظهر في قضية تدمج الاقتصاد والسياسة معا، وتريد أن تقيم تكاملا وظيفيا بين مصر ودول الخليج، تكاملا بين الفوائض العسكرية المصرية والفوائض المالية الخليجية، والتكامل بالذات بين مصر والسعودية، فضلا عن دولة الإمارات، فالسعودية تتطلع إلى دور حاكم، ولا تبدو قادرة على النهوض بأعبائه وتكاليفه، بدون سند قوي من مصر، والقاهرة تفهم حدود الاحتياج السعودي، وتستجيب له في حدود تحفظ مصالحها ومرونة حركتها، فهي ـ أي مصر ـ توافق على مبدأ تحجيم النفوذ الإيراني، ولكن بدون جعل إيران عدوا أول، وبدون التورط في فتن السنة والشيعة، ولا التماهي مع التقييمات الخاصة بالسعودية، إلا في حدود العناوين العامة لربط أمن الخليج بأمن مصر، ومع ميل أكثر لاستخلاص توجه عربي وليس تورطا طائفيا، والتركيز على أولويات مصرية، تنهض الاقتصاد من عثرته، وتدعم معنى القوة الشاملة لمصر، لا القوة العسكرية وحدها، وتقيم سياجا من قوة عربية مشتركة، تعيد بناء مفهوم الدولة الوطنية في عالمنا العربي، التي لا تقوم بدون جيش قوي حارس، ولا تغفل في الوقت نفسه عن مكامن الخطر الاستراتيجي، وأولوية الخطر الإسرائيلي على مصر بالذات، فإسرائيل هي العدو الأساسي في العقيدة الثابتة الراسخة المتصلة للجيش المصري، وبصرف النظر عن وجود معاهدة سلام، تتعرض الآن لخلخلة ركائزها، ومن زوايا متعددة، بينها زاوية الشراكة الوثيقة متعددة الوجوه مع المملكة السعودية المتحولة.
وقد نتفهم هواجس البعض من شراكة القاهرة الجديدة مع السعودية، وفيها الكثير من ظلال التاريخ الذي لم يكن سعيدا دائما، ويريد بعضنا سحبه على توقعات المستقبل، وبدون فهم كاف في ظننا لطبيعة التحولات الجارية، ففي السعودية تحولات في بنية الحكم، وجيل ملكي جديد تنتهي إليه المقادير والتصرفات، ومع شعور متزايد بالخذلان الأمريكي للحليف السعودي الوفي، وميل أمريكي للانسحاب عسكريا، و»لم عزال» التحالفات القديمة، والتطلع لعلاقات ديناميكية أفضل مع إيران، والتركيز على اندماج أمريكا الاستراتيجي مع مصالح إسرائيل، مع تداعى القيمة الاستراتيجية لبترول الخليج، وكلها عناصر تجعل السعودية في حالة بحث عن نقطة ارتكاز مختلفة، لا يبدو فيها مشروع «الجسر البري» بين مصر والسعودية حلقة في مشروع الشرق الأوسط «الجديد» الذي صار قديما، وتبدلت المعادلات التي حفزته في تسعينيات القرن العشرين بعد «اتفاق أوسلو» الفلسطيني الإسرائيلي، وسعي نخبة العدو وقتها إلى «إسرائيل عظمى» بدلا من «إسرائيل كبرى»، ظهرت فيها خرائط سيناء كصلة ارتباط اقتصادي بين إسرائيل ومصر ودول عربية، وبمشروعات طاقة وتجارة تخدم إسرائيل بالأساس، وتجعل موانئها جسرا لتجارة العرب إلى العالم، وهى خطط لم تختف تماما إلى الآن، وإن تحولت أكثر إلى معنى التناقض والمنافسة مع مصر، والكيد لقناة السويس بالذات، ومع ربط المعنى الاقتصادي المعاكس بمعنى سياسي معاكس أيضا، فنخبة العدو الحالية، وفي الأمد المنظور، أقرب إلى فكرة «إسرائيل الكبرى»، عدوانية الطابع على نحو متصل ومتفاقم، ومدفوعة بهواجس التقلص الديموغرافي اليهودي على الأرض الفلسطينية المحتلة كلها، وهو ما يعنى أننا لن نكون بصدد مبادرات اقتصاد تتقنع بالسلام، بل بتأجيج التناقضات التاريخية الأصلية من جديد، وفي سياق من تراجع أثر أمريكا عموما في المنطقة، وميلها للتركيز على إيران وشرق آسيا، وتراجع أثر أمريكا في سياسة القاهرة بالذات، ففي لقاء مغلق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع عدد من المثقفين، قال الرجل بصراحة نادرة، إن القصة تغيرت، وإن واشنطن كانت تملي أوامرها «برفع سماعة التليفون»، وإن ذلك لم يعد قائما. وبدا أن ذلك هو تفسير السيسي لهجوم أمريكا والغرب على نظامه، وكل ضعف في علاقة واشنطن بالقاهرة يؤثر سلبا بالطبيعة على العلاقة مع إسرائيل، خاصة أن وقائع جديدة تخلقت على الأرض بالأمر الواقع، ولم تعد سيناء منزوعة السلاح كما كانت بمقتضى ملاحق ما يسمى معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، وصار الجيش المصري حاضرا بكامل هيئته، وحتى حدود مصر التاريخية مع فلسطين المحتلة، وهو ما لم يحدث منذ ما قبل هزيمة 1967، وقد جرى ذلك طبعا، وعلى دفعات متوالية، بنوع من التنسيق المصري الإسرائيلي عبر القناة الأمنية المفتوحة، لكن المحصلة صارت ذات مغزى مختلف، فقوات الجيش المصري دهست مناطق نزع السلاح في سيناء، وفرضت حضورها حتى في المنطقة (ج) التي كانت منزوعة السلاح كليا، وهذا الجيش المتزايد المتكاثف لن يعود أبدا إلى الخطوط القديمة، و»دخول الحمام مش زي خروجه» كما يقول المثل الشعبي المصري، وهذا ما نعنيه بالأمر الواقع الإيجابي الذي تحقق، وإن كانت الوسائل براغماتية، لكنها استعادت مبدأ تفعيل السيادة المصرية عسكريا على سيناء كلها، وهو مكسب بالغ الحيوية لضمان المعنى الوطني لتنمية سيناء، ولاتفاقية منطقة التجارة الحرة بتعاون السعودية في سيناء، ثم لمشروع «الجسر البري» وضمان حمايته، فالجسر ينتهي عند الطرف المصري في المنطقة (ج)، التي لم تعد منزوعة السلاح، ويرتكز على الجزيرتين الصخريتين تيران وصنافير، وفضلا عن عوائده الاقتصادية، كأهم جسر من نوعه في الدنيا كلها، وقد يصل حجم المنافع منه إلى 200 مليار دولار سنويا، وهو تقدير قد يتحقق سريعا أو بتباطؤ، وبحسب التطورات الجارية في حركة التجارة الدولية، لكن مزاياه الكبرى ظاهرة بالنسبة للمصريين بالذات، وبالنسبة لقناة السويس التي جرى توسيعها وتأهيلها لاحتمالات المستقبل، وفوق حسابات الاقتصاد والتصنيع والبيزنس والسياحة، فإن حساب السياسة والاستراتيجية يبدو أكثر جلاء في قضية «الجسر البري»، فهو أعظم انقلاب استراتيجي في تاريخ المنطقة العربية منذ حرب نكبة 1948، فقد كان واحدا من أهم أهداف إنشاء كيان الاغتصاب الإسرائيلي، أن يكون بذاته حاجزا وفاصلا بريا، يقطع اتصال مشرق العالم العربى بمغاربه بريا، و»الجسر البري» يحقق العكس بالضبط، ويعيد الاتصال البري المباشر بين أوصال العالم العربي الممزقة، وهو ما يفسر رفض المخلوع مبارك للمشروع، فقد كان المخلوع أعظم كنز استراتيجي لإسرائيل، ورفض اتمام الجسر ـ عام 2006 ـ بدواعي التخوف من رد الفعل الإسرائيلي، وهو ما يعني أن قضية «الجسر البري» صارت معركة وطنية وعربية بامتياز، يتوقف كسبها على صلابة العلاقة المصرية السعودية، وعلى «وطنية» الموقف المصري بالذات، الذي يواجه الآن حربا محتدمة في الكواليس، تضغط فيها واشنطن القلقة مع إسرائيل من ترميم القاهرة جزئيا لعلاقاتها مع حركة «حماس»، وتريد فرض ترتيبات جديدة و»طائرات بدون طيارين» في سيناء، وبدعوى معاونة مصر في الحرب ضد الإرهاب، وهو ما ترفضه القاهرة رغم الضغوط، وتصر على تعديل رسمي لما يسمى معاهدة السلام المعروفة إعلاميا باسم اتفاقية كامب ديفيد، وهذه معركة مصر الوطنية الكبرى الآن، ولا خيار فيها سوى أن تنتصر مصر لسيادتها ودورها العربي الآتي.
كاتب مصري

 

مصير اتفاقية العار

عبد الحليم قنديل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية