إسطنبول ـ «القدس العربي»: تواجه تركيا التي تعاني فقراً كبيراً في مصادر الطاقة عقبات جمة في طريقها لتحقيق طموحاتها من أجل بناء محطات نووية لتوليد الطاقة الكهربائية، حيث باتت هذه المشاريع تحت رحمة التهديد الروسي والابتزاز المتواصل للاتحاد الأوروبي بدواعي الحفاظ على البيئة.
ففي الوقت الذي تواصل فيه روسيا التهديد بعدم استكمال العمل في المحطة الأولى على اثر الأزمة المتصاعدة مع أنقرة التي أسقطت طائرة روسية نهاية العام الماضي، يتخذ الاتحاد الأوروبي من هذه المشاريع ورقة لابتزاز تركيا التي تحاول تلبية المطالب الأوروبية من أجل الانضمام للاتحاد، وفي نفس الوقت تسعى للتحرر من التبعية لإيران وروسيا في الحصول على الطاقة. وتؤكد تركيا الموقعة على اتفاقية الاستخدام السلمي للطاقة النووية منذ عام 1955 على أن أهدافها تنحصر بالوصول للطاقة السلمية، لكن مصادر غربية ووسائل إعلام اعتبرت الطموحات التركية أكبر من ذلك وهي مقدمة لمحاولة امتلاك السلاح النووي لا سيما بعد الاتفاق النووي بين الغرب وإيران التي تعتبر القوة الإقليمية المنافسة لتركيا في المنطقة.
بدايات الطموح التركي النووي
لم يكن الطموح التركي في الحصول على الطاقة النووية السلمية حديثاً، كونه بدأ منذ العام 1953 إبان حكومة عدنان مندرس أي بعد عام واحد من انضمام تركيا لحلف شمال الأطلسي «الناتو»، فبعد مفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية تم الاتفاق على بناء مفاعل في إطار برنامج أيزنهاور المعروف بـ «ذرات من أجل السلام».
وتم في عام 1955 التوقيع على اتفاق لبناء مفاعل تركي بمساحة 1 ميجاواط ضمن أول مركز تركي للبحوث النووية على أطراف مدينة إسطنبول بإشراف «هيئة الطاقة الذرية التركية» وتنفيذ شركة أمريكية، وبعد أن وصل البرنامج لمراحل متقدمة، واجه صعوبات كبيرة على اثر الاضطرابات السياسية التي شهدتها البلاد بعد الانقلاب العسكري آنذاك.
وتجددت المحاولة التركية إبان حكومة سلمان دميرال وتم تأسيس مركز جديد للأبحاث النووية في العاصمة أنقرة لكن هذا المشروع أيضاً واجه صعوبات عام 1971 بفعل الاضطرابات السياسية التي تجددت في البلاد وتسببت بأزمات اقتصادية منعت الاستمرار في تمويل البرنامج.
مشاريع تركيا النووية الحديثة
بدأت تركيا منذ سنوات التخطيط لبرنامج نووي ضخم يهدف بالأساس لبناء محطات نوويه لتوليد الكهرباء، وقد تم اختيار روسيا لبناء المحطة النووية الأولى في تركيا عام 2010، حيث تبني شركه Rosatom الروسية المحطة النووية Akkuyu في مدينة مرسين، على ساحل البحر المتوسط، والتي تضم 4 مفاعلات نوويه، بقيمه تصل إلى أكثر من 20 مليار دولار، ويتوقع أن يبدأ عمله بحلول عام 2020. ومؤخرا تم الإعلان عن اختيار اليابان لبناء المحطة النووية الثانية (Sinop)، حيث ستقوم شركه ميتسوبيشي اليابانية ببناء المحطة بالتعاون مع شركه Areva الفرنسية، وستحتوي على 4 مفاعلات نوويه بقيمه 22 مليار دولار، ومتوقع أن يدخل الخدمة عام 2023.
كما تم الإعلان عن تحالف ثلاثي يضم شركه تركيه، وشركه Westinghouse الأمريكية وشركه SNPTS الصينية لعرض مشروع بناء محطة نوويه ثالثه في تركيا، تحتوي على 4 مفاعلات نوويه.
وتستورد تركيا معظم احتياجاتها من الطاقة من الخارج، وتعتمد على روسيا وأذربيجان وإيران بشكل أساسي في توفير احتياجاتها من النفط والغاز الطبيعي، الأمر الذي تحول إلى أداة للضغط السياسي على تركيا من قبل هذه الدول لا سيما روسيا وإيران.
وخلال مشاركته بداية الشهر الماضي في قمة الأمن النووي في الولايات المتحدة، قال أردوغان: «شددت خلال كلمتي في القمة على المبادئ الرئيسية التي تتمسك بها تركيا فيما يتعلق باستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية بالإضافة إلى موضوع الأمن النووي، وأكدت في هذا الإطار على ضرورة إنشاء عالم خال من الأسلحة النووية بشكل كامل».
التهديد الروسي
على الرغم من العداء التاريخي بين روسيا وتركيا إلا أن تحسن العلاقات بين البلدين خلال السنوات الماضية شجع أنقرة على استغلال هذه العلاقات في بناء أول مفاعل نووي، لكن ما لبثت أن تدهورت العلاقات بعد أن أسقطت طائرات حربية تركية مقاتلة روسية على الحدود مع سوريا، الأمر الذي فتح الباب واسعاً أمام انتقادات داخلية كبيرة لحكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم، معتبرين أن وقوع الاختيار على روسيا لبناء المفاعل كان «خطأ فادحاً».
والاتفاقية الروسية التركية المثيرة للجدل تعطي الحق لروسيا ببيع 49٪ من أسهم المحطة المملوكة بالكامل لموسكو، الأمر الذي يشكل وسيلة للضغط السياسي الروسي على تركيا في حال قررت موسكو بيع هذه الحصة إلى شريك غير مرغوب من قبل الحكومة التركية.
ويرى مراقبون أن طرح روسيا لبيع 49٪ من أسهم المحطة في هذا الوقت يهدف لخلق حالة من الخلاف مع أنقرة ـ يشترط العقد موافقتها على المشتري الجديد- الأمر الذي يعطي مبرراً لها لعرقلة المحطة لتشكيل مزيد من الضغط السياسي على تركيا.
وكالة رويترز للأنباء نقلت الأسبوع الماضي عن مصادر لها قولها إن شركة الإنشاءات التركية جنكيز تجري محادثات بشأن شراء ما يصل إلى 49٪ من محطة أكويو للطاقة النووية التي تبنيها روساتوم الروسية وقيمتها 20 مليار دولار، مشيرة إلى أن «المحادثات مستمرة منذ فترة».
وقال مسؤولون في هيئة الطاقة التركية في ديسمبر/كانون الأول، إن روساتوم أوقفت أعمال الإنشاء في المشروع، وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد ذلك إن القرار بشأن مستقبل المحطة النووية سيراعي الجانب التجاري فقط.
الابتزاز الأوروبي لتركيا
ترى تركيا رسمياً وشعبياً، أن الاتحاد الأوروبي والغرب بشكل عام يقف حائلاً أمام طموحهم ببناء مشاريع عملاقة، ويريدون منها أن تبقى دولة تعتمد على الغرب، معتبرين أن «ادعاءات الاتحاد الأوروبي حول المخاطر البيئة ما هي إلا غطاء لإفشال مشاريع تركيا وابتزازها»، على حد تعبيرهم.
وتاريخياً، تجد تركيا معارضة أمريكية وأوروبية مباشرة وغير مباشرة لطموحاتها النووية، وكان الاعتراض الأساسي لهذه البلدان على المفاعل المنوي إقامته في تركيا، بأنّه يُعدّ صغيراً جداً لتوليد الطاقة وكبيراً جداً للأغراض البحثيّة، ولكّنه سيكون قادراً بشكل ممتاز على إنتاج البلوتونيوم، وهو ما يشكّل تهديداً محتملاً فيما يتعلّق بانتشار الأسلحة النووية، بينما تركز أوروبا بشكل متواصل على موضوع سلامة البيئة. وفي إشارة إلى تقرير البرلمان الأوروبي النابع عن قلق بعض الدول من المشاريع الضخمة التي تقوم بها تركيا، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبل أيام: «هذا القلق مألوف بالنسبة لنا وقد تعرضنا للكثير من العوائق في طريق تحقيقنا لأهدافنا لكننا لن نتخلى عن أهدافنا التي رسمناها لعام 2023».
وكان تقرير الاتحاد الأوروبي الدوري عن تركيا، دعا أنقرة لوقف بناء محطة آق كويو للطاقة النووية، ورداً على ذلك، قال أردوغان: «أين الاتحاد الأوربي من وجود 135 محطة طاقة نووية نشطة حاليا في الدول الأوروبية؟ هناك 444 محطة طاقة نووية نشطة في العالم، وهناك 62 محطة طاقة نووية قيد الإنشاء، لماذا لم يتدخل البرلمان الأوربي ويطلب إيقافها؟ ما هو سبب قلق الاتحاد الأوربي من محطة الطاقة النووية التي يجري بناؤها في تركيا؟ إن سببه الحقيق هو منع تركيا من تحرير نفسها من الاعتماد على المصادر الخارجية في مجالات الطاقة ورفع العجز في الحساب الجاري، الناجم عن واردات الطاقة».
وأضاف: «عند النظر في التقرير، نرى أنه يتم إتباع النهج المعيب نفسه حول مشاكل قبرص وبحر ايجه. ونرى نفس القرارات المتحيزة جراء ما يحصل في المدن الواقعة جنوب شرق تركيا، لقد اعتدنا عليهم منذ أن سمعنا قراراتهم بشأن استقلال القضاء وتقاريرهم عن حزب الاتحاد الديمقراطي وأحداث 1915 إنهم يتصرفون بالعقلية ذاتها وهذا غير مستغرب لدينا».
إسماعيل جمال