الحوانيت المضيئة

لا تزور مدينة إلاّ وفتشت عن مكتباتها.. فللكُتُب سحر خاص على القارئ.. والتّنزّه بين ردهات المكتبات ورفوفها ينقلك إلى عوالم فسيحة، وجغرافيات سحيقة، وأزمنة بعيدة.. ولاِقتناء كتاب من مكتبة وقعٌ عجيبٌ على الكائن وهو يدوّن اللحظة والمكان في صفحته الأولى.. وبعد مضيّ زمن ترى الكتاب ثاوِياً في خزانتك الشخصية.. تؤوب إليه، فتتذكّر تاريخا شخصيّا في مكان عبرتَه، أو أقمتَ فيه لِحينٍ من الوقت.. وقد يُذكّرك بتطوافك وحيداً على غير هُدى في شارع يحُثُّ فيه المارّةُ الخُطى إلى بيوتهم.. وتبقى أنت متسكّعاً خلال ظهيرة قائظة إلى أن تقودَكَ قدماك إلى مقهى.. فتفتح الكتابَ لِتَعُبَّ من صفحاته ماءً نميراً يؤنسك ويُخفّف من وحدتك.. غير أنّ أشدّ ما يجتذبُني في مدينة ما هو حوانيت الكُتبيين الذين يبيعون الكُتُبَ المستعملةَ.. فقد تعثر فيها على بعض اللُّقْياتِ أو الذّخائر التي قد لا تجدها في المكتبات الأنيقة التي تؤثِّث الجادّات العريضة في مدينة ما..
خلال تردّدي أو إقامتي في بعض المدن زيارة سياحية أو إقامة دراسيّة، نسجْتُ علاقات إنسانيةً جميلة مع بعض الكتبيين.. فكلّما قصدتُ مدينة وجدة إلاّ وتردّدْتُ على حانوت الكتُبي يحيى.. فعنده كنتَ تجد أصنافا من الروايات التي تنتمي إلى الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية، لِكُتّابٍ جزائريين ككاتب ياسين ومحمد ديب ورشيد بوجدرة ورشيد ميموني والطاهر جعوط.. أو مغاربة كإدريس الشرايبي والطاهر بن جلّون وعبد الكبير الخطيبي وعبد اللطيف اللعبي.. كما كنتَ تُلْفي عنده معجمَ روبير الفرنسي بثمن زهيدٍ مقارنة بثمنه المرتفع وقتئذ في مكتبات البلدِ.. فجميع النُّسَخِ التي كان يبيعها كانتْ تأتيه مُهرّبةً من الجارة الجزائر..
أمّا حكايتي مع الكُتُبي عبد الله فطريفةٌ.. يملك عبد الله حانوتا يوجد بجوار «ثانوية الحسن الثاني» الشهيرة في منطقة «حسّان» في مدينة الرّباط.. كان من الكتبيين القلائل الذين صادفتهم على شيءٍ من الثقافة والإلمام بمشاهير الكُتاب وبما كتبوه.. يقرأ بالفرنسية، ينحدر من سوس، شديدَ التعصّب لأمازيغيته حدّ الشوفينيّة.. لا تلْقى في حانوته إلاّ الكتب الفرنسية عن سبق إصرار وترصّد..
كانت كتُب الكاتب الأمهر محمد خير الدين ( 1941 ـ 1995) ممنوعةً من التداول على عهد الحسن الثاني.. بسبب جرأته على النظام، وجسارته على نقده .. ما عدا روايته «أسطورة وحياة أغونشيش» التي نشرتها دار النشر الفرنسية لوسوي عام 1984، وهي الرواية الأولى التي كتبها الراحل بعد عودته إلى المغرب عام 1979.. وبما أنّ مكانة هذا الروائي والشاعر كانت وستظلّ جليلةَ الشأن وعظيمة القدر في خريطة الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية، فإنّ البحث عن كتبه في المغرب كان بمثابة التنقيب عن الذهب أو البترول.. كانت بحوزة عبد الله ثلاث روايات للرّاحل محمد خير الدين: «النّبّاش» و«أنا الخشن» و«جسد سالِبٌ»، ويا لَفرحتي العارمة حين أخبرني بوجودها.. أخرجها من دائرة خلفية تقع في ركن الحانوت خارج رفوف الكُتُب المعروضة للعيان.. أرانيها.. إلاّ أنّ خيبتي كانت كبيرة حينما قال لي – وابتسامة ماكرة تعلو مُحيّاه ـ إنّه لا يبيع أُصولَ هذه الأعمال التي عثر عليها مصادفة في الدار البيضاء.. وإنّما يبيع منها نُسخاً مُصَوّرةً.. وطفق كديدنه يُحدّثني عن محمد خير الدين مازجا، في حديثه، كتبَه بسيرته.. يُسهِبُ في الكلام قبل أن يبيع لك الكتابَ، قاصداً من وراء كلّ هذا الإيحاء لك بأنه كُتُبيّ مُتفرّدٌ ليس كباقي الكتبيين.. سألته مرّة عن روايات الكاتب الأمريكي بول أوستر.. فشرع يتحدّث عن روايته «قصر القمر» التي قرأها وفُتِن بعوالمها السردية.. ولم يقف حديثه عند هذا الحدّ، إنّما استطرد قائلا: (هل تعرف أن زوجته كاتبة روائية بدورها؟)، فأجبته: طبعا، أعرفها إنها زوجته الثانية سيري هوستفيت..
لم تتمتّنْ عُرى الصداقة بيني وبين كُتُبيّ مثلما توطّدت بِعَلِيّ بائع الكتب المستعملة الشهير في جوطيّة الكتب المعلومة في بابِ الأحد في مدينة الرباط.. كان أولّ عهدي بهذه المدينة عام 1985.. كنت وقتَها طالبا في كلية الآداب في مراكش.. جئتُ الرباط لقضاءِ حاجةٍ إدارية، وحين كنت أمشي لا أدري وجهةً في دروب المدينة العتيقة.. قادتني مصادفة سعيدةٌ إلى فضاء الجوطية الذي كانت حوانيت الكتب القديمة تملأُ رحبَه.. أمّا الآن فقد أقوى وأقفر من أهله.. ما خلا حانوتاً واحداً لصاحبه إبراهيم.. وبات يعُجّ بلوازم الوسائط الرقمية الجديدة.. كان بمقدور عُشّاق الكِتاب والقراءة أنْ يقضوا صباحاً كاملاً، أو مساءً تامّا متنقلين من حانوتٍ إلى آخر في هذا المكان الذي ذَوى روْضُ الكِتابِ فيه.. وأضحى أثراً بعد عيْنٍ.. من دون أن تَدِبَّ الملالةُ في جسومهم..
تعرّفتُ إلى عليّ أَوانَ إقامتي الدراسية في الرباط (1991 ـ 1993) وامتدّتْ علاقتنا خارج جوطية الكتب إلى المقهى ..فالبيت.. وصرنا صديقين حميمين يزورني وعائلته في أكادير.. ونلتقي في الرباط كلّما تكرّرت زيارتي لها.. بل إنّه حضر مناسبة زفافي في مدينة العرفان.. وكان الشاهدَ بجنْبي وأنا أوقّع على العقد.. كان حانوت عليّ، على عهد أبيه، قِبْلةً لِرموز كبيرة من أهل الأدب والفكر.. حدّثني مرّة، على سبيل المثال، أنّ المفكر عبد الله العروي كان يختلف أحيانا إلى الحانوت.. وكان يصحب علِيّا – عندما كان صديقنا شابا يافعا ـ إلى سيارته، فيُعطيه كتبا قرأها، فاستغنى عنها.. كما كان وزيرُ الأوقاف الحالي والكاتب أحمد التوفيق يمكث فيه وقتا طويلا مُنقّبا عن الكتب والمجلاّت..
لِحانوت عليّ طابقان: طابقٌ سفليّ وطابق عُلْويّ.. أمّا الطابق السّفلي فهو للعامّة من الزوار.. وأمّا الطابق العُلوي فهو للخاصّة.. لا يسمح عليّ بارتقاء سُلّمِه الحديدي الحلزوني إلاّ لمن اصطفاه، وصار من أصدقائه الخُلّص.. بعد أن تردّدتُ لِشهورٍ عديدة على الحانوت.. قال لي عليّ ذات زيارة مسائيّة: «إصعد إلى الأعلى لعلّك تجد ما يُغنيك ويُرضيك..». أستعيد، الآن، الفرحة التي عرتني وأنا أرتقي درجات هذا السلّم اللّولَبي الضيّق.. بلغتُ هذا الطابق وأنا جذِلٌ كلّ الجذلِ ..وفيما كنتُ أُفتّشُ بين رفوفه، إذا بي أقِفُ مشدوها أمام رَفٍّ لا كالرّفوف.. وأنا لا أُصدّق عينيّ.. كانت اللُّقيةُ نادرةً، غير مُتوقّعَة.. خمسة أعداد من مجلّة «شعر» العظيمة لِصاحبها يوسف الخال وهيئة تحريرها الطليعية: أدونيس وشوقي أبي شقرا وأُنسي الحاج وفؤاد رفقة إلخ.. المجلّة التي احتضنت ظهور الشعر العربي الحديث، ورافقته حتى اشتدّ عوده.. في فضاء ثقافي كان يُعاديه ويُقصيه كانت الأعداد ) 13، 14، 15، 24، 28 ( ذات التواريخ التالية: (شتاء وربيع وصيف 1960، وخريف 1962، وخريف 1963) في هيئة جيّدة، لاريب أنّ صاحبها كان يعتني بها وهو يُدرِك دورها التاريخي الكبير.. كلّما أبصرتُ هذه الأعدادَ تثْوي في خزانتي أشعر بجمال وسحر هذه اللحظة التي عثرت فيها على هذه اللُّقْيَة النفيسة.
لم تقتصر علاقتي بعليّ على صعود الطابق العلوي، بل إنه كان يطلب منّي، أحيانا، أنْ أمكثَ في الحانوت أنوب عنه في البيع حين يكون مضطرّا لقضاء بعض مآربه.. فكنت أضحك في نفسي عندما أتحوّل من زائرٍ يتردّد على الحانوت باحثا في رفوفه عن صيدٍ ثمين، إلى بائعٍ يساعد الزوار ويستلم منهم المالَ.. أتذكّر ذات مرّة زارني فيها رجل فرنسيّ ستّينيّ يسأل عن كتبٍ للروائي الأمريكي جون إيرفينغ.. فتجاذبنا أطراف حديثٍ ذي شجونٍ عن الأدب..
عندما تدلف إلى مدينة الصويرة من باب العشور حيث الساحة الفسيحة التي يقام فيها المهرجان الشهير لموسيقى كناوة، لا بدّ أنْ تُعرّج على زنقة عميقة إلى اليسار، حيث حانوت جوزيف الصباغ أو اليهودي الأخير.. كأنَّ هذا المحلّ كهفٌ مجوّفٌ أو مغارة يضيق مدخلها.. تفْغَمُ أنفكَ ريح الشرقي الباردة ورطوبة البحر العالية.. يستقبل جوزيف الصباغ زبائنه وأكثرهم أجانب من السياح الذين يقصدون مدينة الزرقة الرياح من جهات العالم الأربع.. يتحدث عن كتبه بفرنسية أنيقة تشي بإلمامه الثقافي.. كتبه منتقاة بعناية ومغلفة بالبلاستيك كي لا تنخرها رطوبة البحر الذي يُسمع هديرُ وصخب موجه من الحانوت.. كانت الكتب تملأ رفوفَ الحانوت في الماضي، أمّا الآن فقد انحسرت وتراجعت لِتحتلّ مكانها التّحفُ النحاسية العتيقة وتحف خشب العرعار التي زحفت حتى طغت في جنبات هذا الحانوت ـ المغارة.
يصطفي جوزيف الصباغ كتبَه بدراية وقصدية.. يُمثّل فيها الأدبُ المغاربي المكتوب بالفرنسية جانباً مهمّا، كما يعثر فيها الباحثُ على مؤلَّفات لكتّابٍ مغاربة يهود تُعالِجُ مواضيعَ تاريخِ وذاكرةِ الطائفة اليهودية العريقة في المغرب، كحاييم الزعفراني، وروبير الصراف، وأليجريا بن دلاك… أحتفظ منها بكتاب عزيزٍ عليّ اقتنيته ذات عبورٍ من هذا الحانوت للكاتب الكبير إدموند عمران المالح، عنوانه «المقهى الأزرق».. وكلّما نزلتُ بموغادور خلال زياراتي السنوية المنتظمة لها، أمرّ بهذا المحلّ كيما أقتني كتاباً يؤرّخ للزيارة، ويُوَثِّقُ عُرى الحنين إلى هذا المكان المضيء..
يرتبط عندي اسم الكُتبي إبراهيم في مدينة أغادير بالكاتب الفرنسي المعروف باتريك موديانو.. فعنده اكتشفت هذا الكاتب الأثيرَ عندي أواخر الثمانينيات.. وفي حانوته، في صورته الأولى، عثرتُ على ثلاثٍ من أهمّ رواياته «شارع الحوانيت المُعتِمَة» التي فاز بها بجائزة الغونكور عام 1978 و« الدارة الحزينة» و«الحيّ الضائع».. كان لقراءة هذه الأعمال الثلاثة أثرُ السّحرِ.. فبِتّ متعلّقا بما يكتبه هذا الروائي.. وصار الحصول على عملٍ أدبي جديدٍ له بمثابة احتفالٍ سعيد.. تجعلك أعماله تتيه مع شخوصه في دروب الذاكرة المعتِمة والمُثقلَة بالشجى والضياع والاِغتراب.. وفي أمكنة باريس العتيقة وأحداثها المفعمة بالتاريخ والوجود..

كاتب مغربي

الحوانيت المضيئة

محمد الفحايم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية