أصبحت مقولة (باسم الشعب) من الكليشهات الجاهزة في كل بيانات (رقم 1) التي يذيعها الانقلابيون بعد ساعات من بدء تحركهم، فإذا نجح الانقلاب اتبعوه ببيان (رقم 2) وبالمقدمة نفسها (باسم الشعب).
إن التكلم باسم الشعب يمثل سياقا طارئا على منطقتنا، وقد سمعه العراقيون على استحياء مع بداية ما عرف بالثورة الدستورية أو المشروطة (في الدولة القاجارية والدولة العثمانية) مطلع القرن العشرين. السيد مقتدى الصدر يطرح نفسه اليوم ويتكلم بصيغة (أنا من الشعب)، و(أنا مع الشعب) و(أنا ممثل الشعب)، التي قالها في بداية اعتصامه في المنطقة الخضراء، وكررها في الأسابيع الماضية، رغم أنه يقود تيارا شعبيا ضخما ومؤثرا سياسيا، لكن يبقى السؤال، هل بإمكانه التحدث باسم الشعب؟ ومن منحه هذا التفويض؟ وهل يمكنه أن يقدم عملية سياسية وفق رؤيته المنفردة للمشهد؟
في محاولة لتفكيك المفاهيم التي يحيلنا لها الخطاب الموجه للشعب وباسمه ومن أجله، لابد من القول بأن شعوبنا لم تكن تعرف من يتحدث باسمها، وكانت تعيش تحت ظل أنظمة قائمة على المنظور السياسي القديم المتمثل بالحق الإلهي، فالحاكم ظل الله في الأرض أو خليفة رسوله، وبذلك فهي سلطة ملتبسة بين الديني والدنيوي، ومع الدخول الخجول لمظاهر الحداثة مع تأسيس الدولة العراقية عام 1921، ابتدأت قيم سياسية جديدة في الظهور مجتمعيا كالمواطنة والبرلمان والأحزاب وتمثيل قوى المجتمع في مؤسسات الدولة، تسري عبر شكل يقترب في مخرجاته من تجربة ديمقراطية جنينية، لكن سرعان ما وأدتها هجمات العسكر المحتكر للقوة في المجتمع، عبر سلسلة انقلابات ابتدأت عام 1936 مرورا بالعديد من الانقلابات الناجحة والفاشلة، حتى إطاحة الغزو الأمريكي بنظام صدام حسين عام 2003 ومحاولتهم إيجاد نظام يعتمد التمثيل المجتمعي المتكافئ والعادل لكتل اعتقد الامريكان أنها ستكون متوازنة في حكومات ائتلافية، عبر فرض نظام الانتخاب بنظام القوائم المغلقة، وهذا النظام معروف عالميا بأنه الأمثل في حفظ حق الأقليات في المجتمعات المتنوعة كالعراق، لكن مسار العملية السياسية منذ 2005 حتى الآن أوصل الوضع السياسي العراقي إلى أفق مسدود لا يعلم أحد كيفية الخروج منه، ومع وجود الريع النفطي والقفزة الكبيرة في أسعار النفط العالمية قبل عشر سنوات، كانت الأمور تسير، وأن بتعثر كبير بالنسبة لمطالب المواطن اليومية، لكن الانتكاسة الاقتصادية والنهب غير المسبوق الذي اشتركت به كتل سياسية فاسدة بالمطلق، وحكومات ضعيفة أسلمت ثلث العراق لعصابات «داعش» عقدت المشهد وأوصلته إلى ما حدث يوم السبت 30 أبريل الماضي، فكيف يمكن أن نقرأ ما حصل؟
ما شهدته بغداد يوم 30 أبريل زاد المشهد العراقي غموضا، البعض رأى أنها ثورة بيضاء تحرك فيها الشعب ليسقط العملية السياسية الفاسدة، وليطيح برموز الفساد في البرلمان والحكومة، بينما رأى آخرون أن ما تم هو حراك للتيار الصدري الذي اقتحم أنصاره مبنى البرلمان لفرض سياسية ورؤية التيار المتمثلة في إجبار البرلمان على القبول بكابينة وزارية رشحها السيد مقتدى الصدر، ويرى اتباع هذا الرأي أن ما تم مثل رمي القفاز من قبل السيد الصدر بوجه كل الشركاء السياسين، متحديا الكل لاظهار قوتهم أن استطاعوا ذلك، بدءا من الكتل الشيعية مرورا بالكتلة السنية في البرلمان وصولا إلى الكتلة الكردستانية، التي فر نوابها باتجاه اربيل بسبب الرعب الذي اصابهم من التهديد الذي تعرضوا له على يد الحشود الغاضبة.
المشهد المختلط استحضر أنواع التحليلات من كل الأطراف، فمن تفاءل واعتبر ما حصل ثورة جياع ومهمشين، قال إن مقولة الصدر (شلع قلع) باتت قاب قوسين أو ادنى من التحقق، بعد أن دخل الشعب إلى وكر السراق، ولكننا هنا لابد من أن نطرح مجموعة اسئلة، منها أن النواب الذين كانوا معتصمين في البرلمان طوال الايام الماضية كانوا يطالبون بالاصلاح، وعملوا على اسقاط رئيس البرلمان ونائبيه كخطوة اولى في الاصلاح الشامل، وكانت كتلة الاحرار الممثلة للتيار الصدري جزءا من هذا الاعتصام في بداية تحركهم، إلا انها سرعان ما انسحبت وجمد عملها بناء على أوامر السيد مقتدى الصدر، مما فكك شمل المعتصمين. وبحضور كتلة الاحرار جلسة البرلمان برئاسة السيد الجبوري منحوه الشرعية ومرروا الجزء الأول من الكابينة الوزارية التي يطالبون بها، واتهموا النواب المعتصمين بانهم أداة نوري المالكي الذي حاول أن يلعب على حبال العملية السياسية للحصول على مكاسب جديدة، بعد أن اقيل من منصبه كنائب رئيس جمهورية، وهذا ما أشار اليه السيد الصدر في بياناته عندما وصف النواب المعتصمين باتباع الولاية الثالثة، الذين بدورهم وصفوا زملاءهم الصدريين بالخونة، لانهم تركوا الاعتصام وانضموا إلى كتل تطالب بالمحاصصة، لكن الصدريين لم يحضروا جلسة البرلمان الاخيرة، ما أدى إلى عدم تحقق النصاب القانوني، وبالتالي لم تمرر بقية الكابينة الوزارية، تبعها اقتحام جموع ثائرة لمبنى البرلمان بدون أن تتعرض لها القوى الامنية، ما أدى إلى احتلال مبنى البرلمان وتعرض عدد من النواب إلى الاعتداء والإهانة، رافقها وجود نواب كتلة الاحرار والاحتفاء بهم ورفعهم على اعناق المهاجمين، والسؤال هنا كيف يمكن أن تمرر الاصلاحات التي كان ينادي بها السيد الصدر عبر الاحتفاظ بشرعية الرئاسات الثلاثة ووجود برلمان يصادق على الحكومة التي يريدها التيار الصدري؟ كما أن السؤال الاهم هو؛ ما هي الآلية التي يراها التيار الصدري ومن يعتبر اقتحامهم للبرلمان ثورة بيضاء لتطبيق المقولة العائمة التي اصبحت شعارا غائما (شلع قلع)؟ ما هي رؤيتهم للآتي من التحركات؟ لا أحد يمكن أن يجيب على ذلك لانهم ببساطة لا يعرفون، هي معركة كسر ارادات، أثبت فيها السيد الصدر أنه الرجل الاقوى القادر على تحريك شارعه، وفرض ارادته على حكومة العبادي، لكن هل يتم تمرير ذلك من قبل السنة والكرد؟ أم أن التحرك الاخير سيقضي على العملية السياسية الهشة بدون طرح بدائل؟ يحيلنا السؤال إلى منطقة تشتبك فيها ثلاثة مفاهيم هي السلطة والهيمنة والخضوع، وهي في الواقع رغم كل ما كتب وقيل فيها ماتزال مفاهيم غائمة وشائكة وعصية على البحث، فالمفكر العراقي د.عصام الخفاجي يشير في كتابه «ولادات متعسرة» إلى أن انطونيو غرامشي ادخل خلال عشرينيات القرن العشرين مفهومه عن الهيمنة، لكي يبين أن الطبقة الحاكمة لا تسيطر عبر اللجوء إلى العنف الجسدي فحسب، لكن تلك السيطرة تتحقق عبر عملية شرعنة تمكنها من الحكم من خلال التوافق كذلك. وقد ظل استخدام مفهوم الهيمنة في أدبيات العلوم الاجتماعية محدودا حتى ستينيات القرن العشرين، ويبدو أن أحد أسباب ذلك يعود إلى قلة الاهتمام بمعالجة قضايا الدولة والميل إلى التركيز على الآليات الاقتصادية لعمل الرأسمالية وقوانينها، التي تم اعتبارها مفتاح فهم كل جوانب الحياة واشتقاقها، وثمة عامل ثان لا يقل أهمية للتردد في استخدام مفهوم الهيمنة والعداء له أحيانا، تمثل في خوف معظم النقاد الماركسيين المتشددين، وهم التيار السائد في نقد الرأسمالية في القرن الماضي، من أن يتم استخدامه لتبرير ديمومة الدولة الرأسمالية، ما دام الإذعان والهيمنة لا ينطويان على القسر فحسب، بل على شكل من اشكال قبول الطبقات المضطهدة بحكم الرأسمالية.
وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال، يوجه إلى من يعتبر ما حصل ثورة جياع وتحرك شعبي عفوي أو جماهيري يشمل كل قطاعات الشعب العراقي؛ كيف لا يرى هؤلاء الجياع فساد وبذخ رموز تيارهم الإسلامي السياسي؟ كيف لا يرون تحركهم باساطيل من السيارات المصفحة والحمايات وكل رمز من رموزهم يمتلك الملايين، إذا لم نقل المليارات؟ كيف لم يتحرك الصدريون ضد وزراء تيارهم الذين امسكوا بالوزارات الخدمية كالصحة والعمل وإدارة محافظة بغداد على مدى سنوات ولم يقدموا خدمة واحدة لمعقل التيار في مدينة الصدر، التي ما تزال تعتبر أفقر أحياء العاصمة؟ هل الايمان الديني هو المحرك الوحيد الذي يحرك جموعا تقدر بعشرات الآلاف عسكريا مرة وسياسيا مرة، وعبر تظاهرات واعتصامات وانسحاب من البرلمان وعودة للبرلمان والحكومة، بناء على قرار قائد كارزمي فرد؟ ربما نتعرف على جانب من اجابات الاسئلة السابقة التي تحتاج بحوثا علمية معمقة لنفهمها في ما طرحه موريس غودولييه في فرضية مهمة مفادها؛ أن الإذعان لسلطة يتحقق عبر عمليات تاريخية تجعل تلك السلطة تبدو في اعين رعاياها منجزة لوظائف ضرورية لإدامة وإعادة إنتاج الحياة وشروط البقاء في وجه التهديدات القائمة من الداخل والخارج على حد سواء. ما يؤدي إلى أن الجماعات المحكومة يمكن أن تذعن عفويا لعملية الخضوع عندما يبدو المسيطرون منجزين لنوع من الخدمة حتى إن كانت غير ملموسة، وهذا الأمر يبنى على اشتراك الخاضعين والمخضعين في تبني المفاهيم ذاتها، وفي حالة التيار الصدري يتمثل الأمر في مظلومية فقراء ومهمشي الشيعة محركا مركزيا ذا اهمية حاسمة للقبول بإذعان يقوم على اعتراف جماهير التيار وانقيادها بشكل طوعي لأوامر قيادتها حتى بدون التفكير بتقلب المواقف السياسية الذي تمارسه هذه القيادة او التفكير بفسادها.
٭ كاتب عراقي
صادق الطائي