■ في ذروة أزمة تدحرجت ككرة ثلج وعصفت بعلاقاته مع أكبر نقابات البلد ظهر وزير الصحة التونسي على شاشة القناة الأولى للتلفزيون الرسمي ليكشف بعضا من فصول معركة كسر العظم المستمرة منذ مدة بين الطرفين. ومنذ البداية جاء الرد على سؤال مقدم البرنامج حول المستهدف الحقيقي من وراء ذلك الصراع، بجملة مختصرة وقصيرة عكست قدرا من التردد والدبلوماسية، وأشارت إلى أن المقصود بما جرى ويجري «قد يكون الإصلاح»، الذي خطط له الوزير وقاده.
لكن وكما يحصل عادة كلما تحدث مسؤول بارز عن «الفساد» أو «الثورة المضادة» أو «أباطرة المافيا» لم يحدد الوزير بالاسم من اتهمهم بشكل ضمني بوضع الحواجز والمتاريس أمام خططه الثورية لتغيير حال المستشفيات ومرافق الصحة المنكوبة. غير أن التأثر بدا على وجه سعيد العايدي وتغيرت نبرات صوته عندما هم بالحديث عن جوهر الخلاف بينه وبين نقابة عمال الصحة، ليؤكد في سياق الحديث عن قرار تعيين عسكري على رأس إدارة مستشفى بمدينة صفاقس في الجنوب، الذي كان واحدا من بين أسباب تفجر الأزمة الاخيرة بينه وبين النقابات، أن المصادقة على تعيين ضابط الجيش في ذلك المنصب تمت في مجلس وزاري، وأن»هناك قوانين، وإذا كانوا يرون أنني تجاوزتها أو تجاوزت صلاحيات الوزير، فهناك محكمة إدارية بامكانهم اللجوء لها، لكن بدون استخدام العنف او شتم الوزير في مكتبه»، قبل أن يضيف بانه يرغب بتذكير الشخص الذي شتمه وشتم والدته بانها «سمت ابنها البكر حشاد وابنها الثاني محمد فرحات»، في دلالة على أن ارتباطه الشخصي والعائلي بالزعيم الراحل فرحات حشاد احد رموز الحركة النقابية في تونس ليس محل شك أو مزايدة.
كان واضحا من كلام العايدي انه يريد قلب الطاولة على مناوئيه، والقول لخصومه، وبالفم المليان، انه نقابي ابا عن جد ومناضل في المقام الاول والاخير، وإخبار التونسيين في الوقت نفسه بأنه إنسان ومواطن قبل أن يكون وزيرا.
هل يكفي ذلك حتى يكسب الرجل بالضربة القاضية حربه المستعرة مع النقابات ويضم إلى صفوفه جمهورا واسعا من الناس الذين لا يقبلون من الناحية المبدئية على الأقل أن تهان كرامته الشخصية ومن ورائها كرامة الدولة وهيبتها، كما لا يجدون أي منطق أو مبرر يجعل غضبة النقابيين في يوم اطلقوا عليه «يوم الغضب» تتخطى كل حدود القانون والاخلاق وتخرج عن المعقول؟
المحدد الأساسي هنا ليست قدرة الوزير أوعجزه عن كسب الرأي العام إلى صفه بل امتلاك الطرف المقابل لنفوذ يفوق دوره الاجتماعي والعمالي العادي والطبيعي، الأمر الذي يمنحه تأثيرا قويا ومباشرا على الساحة السياسية في البلد. وما يجعل المواجهة بين الطرفين صعبة وغير متكافئة بالمرة هو أنه لم تصدر إلى الان إشارة قوية وواضحة تدل على أن الحكومة تقف بحزم وصرامة إلى جانب واحد من اعضائها، وتسنده في مواقفه وقراراته، عدا تصريح الناطق الرسمي باسم الحكومة لصحيفة «المغرب» المحلية «بأن الحكومة حريصة على أن يكون الوزير وزيرا وان يمارس سلطته على القطاع الذي يشرف عليه».
أما على الجانب المقابل فقد تتالت الإشارات وحتى التهديدات على أن نقابة عمال الصحة ليست وحدها على خط الصدام مع العايدي. وكان لافتا أن كاتب عام نقابة التعليم الثانوي كان واحدا من الحاضرين في التجمع الاحتجاجي لأعوان الصحة امام مبنى الوزارة، ووصف الوزير في كلمة حماسية ألقاها أمام حشد غاضب بـ»المقيم العام الفرنسي»، قبل أن يطالبه بالعودة إلى فرنسا. ورغم انه حاول التراجع عن تصريحاته من خلال نشر ما وصف بالرسالة المفتوحة، إلا أن نصها احتوى، حسبما نشره موقع الشروق اون لاين الاخباري، اعتذارا للوزير عن «الإساءة له كإنسان لا كوزير للصحة»، ما فتح الباب لشتى التأويلات حول طبيعة ومعنى الاعتذار المقدم. لكن ما يعقد الامور ويزيدها غموضا وضبابية، ألا أحد يعرف بالتحديد متى يبدأ دور النقابات ولا كيف وبأي شكل ينتهي؟ وإلى أين تمضي لعبة لي الذراع المستمرة بينها وبين السلطات، رغم كل الارقام والمؤشرات الكارثية التي تقدم حول انحدار الاقتصاد وارتفاع المديونية؟ ما الذي يريده اتحاد الشغل وهو أكبر نقابة لعمال تونس من وراء اصراره على فرض مواقفه والتدخل بشتى الطرق والأساليب في كل مفاصل الحياة العامة وكأنه سلطة بديلة أو موازية؟ هل يريد مجرد الضغط لتحسين شروط التفاوض مع الحكومة على تحسين ظروف الطبقات المسحوقة او البروليتاريا التي يدعي تمثيلها؟ أم أن قادته يتطلعون لأدوار اكبر ويحلمون مثل كثيرين غيرهم بدخول قصر قرطاج أو القصبة متى نضجت الظروف وصارت مناسبة لذلك؟
في احتفال عيد العمال الأخير كرر حسين العباسي أمين عام الاتحاد ما قاله هو وغيره من المسؤولين النقابيين في اوقات سابقة من انه «ما كنا يوما راغبين في الحكم، وما كنا يوما من الساعين إليه، فهو شأن الاحزاب السياسية والسياسيين». لكنه اضاف بان الاتحاد» لن يسمح لاي كان بان يحشرنا في مربع المطلبية ويمنعنا من ممارسة حقنا في ابداء راينا حول ما يتخذ من قرارات سياسية او اقتصادية، لا لشيء إلا لأن تلك القرارات سيكون لها تأثير مباشر بالضرورة على الوضع الاجتماعي، وتحديدا على شروط وظروف العمل»على حد تعبيره. لكن ذلك الخطاب لم يضع حدا لعقود طويلة من الشك والارتياب المتبادل بين النقابات والسلطة، ولم يكن كافيا حتى ترسم الأدوار بشكل نهائي ودقيق يحسم الجدل المستمر حول الحدود الفاصلة بين السياسي والنقابي.
لقد كانت حالة الفراغ التي حصلت بعد هروب بن علي وضعف قبضة الدولة واحدة من العوامل الكبرى التي ساعدت على تضخيم صورة الاتحاد وزادت من نفوذه. ولكن التاريخ كان مليئا على مدى الستين عاما الماضية بالهزات والتوترات العنيفة بين الجانبين، خصوصا أواخر السبعينيات قبل أن تتلاحق بعدها مراحل من الشد والجذب ومحاولات احتواء ناعم لقيادة البروليتاريا من جانب سلطة الاستبداد الرأسمالية. وربما استرجع بعض التونسيين ما قاله الزعيم الراحل بورقيبة في واحدة من المناسبات الاخيرة التي ظهر فيها على شاشة التلفزيون الرسمي شهورا قليلة قبل الاطاحة به من الحكم من أن «التاريخ سيذكر له ثلاثة انجازات وهي، انه جلب الاستقلال لتونس وحرر المرأة وأعاد الاتحاد إلى الحزب (الحاكم) وبذلك عاد الدر إلى معدنه» على حد تعبيره. أما سياسة الخلف فلم تكن بعيدة عما رسمه الزعيم من حدود صارمة لعلاقته بالنقابات، لأن بن علي لم يكن يسمح لأحد بان يبدو في مظهر المنافس المحتمل أو الشريك في صنع القرار وهو ما كانت قيادات الاتحاد تدركه بشكل جيد، الامر الذي جعلها تبدو مهادنة واستسلامية في نظر النقابيين خصوصا مع اندلاع شرارة المواجهات مع النظام بعد حادثة البوعزيزي الشهيرة. ما تغير بعد ذلك هو ان القيادات صارت اكثر راديكالية وثورية من السابق ولم تستوعب فكرة أن الديمقراطية تبنى بعرق العمال لا بأصواتهم وحناجرهم وهتافاتهم، وظل مطلوبا من كل الحكومات التي تشكلت على مدى السنوات الخمس الاخيرة أن تنال مباركتها، وإلا كان مصيرها مزيدا من الاعتصامات والاضرابات والاحتجاجات. الاهم من ذلك أن النقابات تحولت قبل سنوات إلى خزان خلفي جمع كل القوى والاحزاب السياسية التي أرادت أن تسقط تجربة الترويكا الحاكمة، وهنا كان التحرك مزدوجا، ففيما فتح الاتحاد ابوابه وحشد انصاره من اجل تحقيق تلك الغاية كان هو المبادر في المقابل ايضا لما عرف لاحقا بالحوار الوطني، الذي افضى بالنهاية إلى خروج الاسلاميين من السلطة ودخوله هو وباقي الشركاء بوابة التاريخ بنيل جائزة نوبل للسلام. ورغم ذلك ظلت الامور على حالها فالحكومات تنتخب، لكن النقابات تفرض ارادتها وتقرر رغما عنها في معظم الحالات. اما إلى متى يستمر ذلك؟ فربما إلى الوقت الذي يعلن فيه شعب البروليتاريا بوضوح انه قرر التخلي نهائيا عما يردده قادته صباح مساء من انهم هرموا من اجل الديمقراطية، لا من اجل الحكم. ووقتها فقط سيدرك التونسيون متى تبدأ السلطة ومتى تنتهي النقابة ويدرك الوزراء معهم انهم لم يعودوا بحاجة لان يظهروا على شاشات التلفزيون حتى يبرروا مواقفهم وقراراتهم بالشكل الذي فعله وزير الصحة قبل ايام.
٭ كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية