عن الجزيرتين والجسر والملكية

حجم الخط
4

لستُ في صدد خوض جدل غير مجدي عن «ملكية» الجزيرتين، بين دولتين تؤمن الأكثرية الساحقة من سكانهما، إيماناً راسخاً بأن الملُك لله.. بما فيه الأرض.
أريد أستعادة أمثولة تاريخية واحدة من الحرب العالمية الأولى، التي شهدت اندلاع «الثورة العربية الكبرى» بقيادة أسرة من «قريش».. ليس من لا يعرف أثر بريطانيا في ذلك الحدث، مع كثرة موفديها إلى بلادنا، والدور المهم الذي أداه مكتب القاهرة الذي كان يعج بالموفدين من ضباط وخبراء مدنيين في شتى المجالات. لكنني لن أتوقف إلا عند السيد توماس إدوارد لورنس، الخبير المدني في آثار المنطقة، كغطاء لوظيفته في جهاز الأمن الخارجي البريطاني، أي أنه ما كان «كولونيلا» إلا عند الأستاذ م. ح. هيكل كما قال مراراً في الحوار الطويل مع رئيس تحرير الأخبار القاهرية ( نُشر في أواسط شباط فبراير2012).
قرأت «أعمدة الحكمة السبعة» في ترجمته العربية، وبعد سنوات طوال قرأتُه بلغة أوروبية فاكتشفت عدداً من «التفاصيل» التي تفاداها المترجم (ليس أكثرها أهمية وصف لورنس للسوريين). وحالفني الحظ يوم وقعت على كتاب فيليب نايتلي وكولن سمبسون، وعنوانه «المخفي من حياة لورنس»، فانجلت أمامي غوامض شخصية لورنس الذي ألصقوا صفة «العرب» باسمه للتضليل عن دوره الحقيقي، وهو العمل على تنفيذ وعد بلفور في أفضل الشروط والمساعدة على تطبيق خطة تقاسم إرث الدولة العثمانية وتدمير الخط الحديدي الذي يشد الأواصر.
لم يضع لورنس خطة سايكس ـ بيكو ولا خرائطها، لكنه تولى جانباً مهماً حين ركز عملياته على تدمير الخط الحديدي الذي كان يربط الشام بالحجاز، وتفرع عن الخط برلين ـ بغداد الذي أقض مضاجع البريطانيين. فلم تنته الحرب إلا وكان الخط الواصل بين شمال سوريا وجنوبها، بما في ذلك المملكة الأردنية ثم المدينة المنورة أثراً بعد عين. هذه باختصار شديد هي الأمثولة التي جئتُ بها من الحرب العالمية الأولى، لكي أقول إن بناء شبكة من خطوط المواصلات براً بالدرجة الأولى هي أدارة استراتيجية مهمة..
أي أن الطريق التي ستعبر الجسر فوق الجزيرتين، تشكل أداة لا غنى عنها في ربط شبه الجزيرة بمصر. في هذه المرحلة الحاسمة من التصدي للمشروع الفارسي المتنكر بقناع طائفي بغيض، لقد بدأ هذا المشروع في لبنان واستولى عليه تحت شعار التصدي لإسرائيل.
وقامت الولايات المتحدة بتسليم العراق إلى المشروع نفسه، ومن لبنان والعراق أُسقطت سوريا، وتم إحكام القبضة على قوس الهلال الخصيب كخطوة مهمة على طريق حصار قلب شبه الجزيرة. وجاء دور البحرين قبل اليمن فاستفاقت السعودية، بعد أن انكشفت خطة التطويق تمهيداً للتقسيم إلى «فاتيكان إسلامي» في الحجاز ومنطقة شرقية نفطية ذات صلات وثيقة بإيران، بمباركة المشروع الصهيوني والولايات المتحدة من أجل لجم التطرف الإنتحاري المتفاقم لدى «أهل السنّة والجماعة» بعد آيلول الأسود في نيوريوك.. الذي ما زال لغزاً كاغتيال الرئيس جون كينيدي…
تريد السعودية إسهام تسعين مليون مصري في تعديل ميزان القوى في مواجهة المشروع الطائفي القومي الإيراني، وستكون الطريق البرية عنصراً مهماً جداً.. أما جوقة المحللين الإعلاميين المصريين وغيرهم، ممن تعلموا الاستراتيجية وقواعدها في «القهاوي والبارات» والذين يزعقون لإثبات «غيرتهم» على أرض الوطن، وخبراء المصالح العقارية الذين ينقبون بين ما لم تقرضه الفئران من وثائق عمن كان يملك الجزيرتين أيام تحوتمس الاول.. أما هؤلاء فما عليهم إلا إعطاء أنفسهم إجازة لإتقان التحليل الإستراتيجي.. وأطمئنهم بأنني أخشى على المشروع. وأظن أنه إذ رأى النور فلن ينُجز.. فها هو الخط الحديدي الحجازي الذي دمره لورنس منذ 1916، لم يتم تحديثه إلى اليوم.. بعد أستقلال الدول المعنية (سوريا والأردن والسعودية) بعشرات السنين لأسباب لا يفهمها الا العرب..
هذا مشروع قومي استراتيجي خطير، ومن سيستمر في بحث «ملكية الجزيرتين» أعود إلى تذكيره بأن الملك لله وهو الذي يورث «الأرض» لمن يشاء لا الجزيرتين فحسب. أما الجانب الثاني من مهمة «لورنس العرب» فهو يستحق وقفة ثانية.
لورنس ـ وتدمير الخط الحديدي الاستراتيجي: كان لورنس «العرب» يخدم خطط دولته بريطانيا بكفاءة، فأتقن تمويه الأهداف الفعلية المُناطة به، واندمج في نسيج الجماعة العربية، بينما كان يسعى إلى إنجاز مهمته ذات الشعبتين: تدمير وشيجة مهمة تربط مناطق عربية متباعدة بتدمير خط حديد الحجاز، ثم الإسهام في تحضير ولادة المشروع الصهيوني في فلسطين.
بذل لورنس «العرب» جهوده في سبيل فصل جيش فيصل بن الحسين، الذي أعتمد عليه لورنس أكثر من غيره، عن قوات والده بعد الخروج من الحجاز، فتوجه إلى احتلال ميناء العقبة لتأمين ميمنة جيش اللنبي الزاحف إلى فلسطين من قناة السويس.
كان ميزان القوى في «جبهة الترعة» يميل إلى صالح تركيا، فحاول البريطانيون تغييره وأدّى التجسس دوراً مهماً في الأمر.
نعرف أن أكثرية المهاجرين اليهود إلى فلسطين جاؤوا من أوروبا الشرقية قبل الحرب الأولى، وكان بينهم طبيب بيطري كنيته أهرنسون، أقام عيادة بيطرية قريبة من تل أبيب، وتغلغل بعلمه وعمله في البيئة المتخلفة المحيطة به، وكان لهذا الطبيب شقيقة جميلة ترددت إلى بيروت، واتصلت بالطبقة الثرية، وتمكنت من الوصول إلى مخدع جمال باشا قائد الجيش التركي الرابع وحاكم بلاد الشام.. ومن هناك حصلت على معلومات مهمة جداً، أوصلتها سراً إلى لورنس وإلى القيادة البريطانية في مصر، التي كانت ترسل غواصة أحياناً تجيء إليها الجاسوسة الحسناء ومعها المعلومات الثمينة.
لما ظهر كتاب لورنس «العرب»: أعمدة الحكمة السبعة، أثار حَرفا الإهداء S.A تساؤلات كثيرة.
كان أكثرها رواجاً أنهما يرمزان إلى اسم «عشيق» لورنس الشيخ أحمد، إلى أن ظهر كتاب فيليب نايتلي وكولن سمبسون: «المخفى من حياة لورنس».. وفيه انكشف لغز حرفي الإهداء، وتبين أنهما يعنيان سارة أهرونسون عشيقتة وجاسوسته الحسناء.
لم ينس لورنس «العرب» لا عشيقته التي انتحرت بعد انكشاف شبكة التجسس، ولا المشروع البريطاني الصهيوني، فكتب الإهداء: «إلى S.A عبر السماء وعلى النجوم لأحقق لك الحرية في البيت ذي الأعمدة السبعة، بينما عيناك تُشعان لي».
نعرف أن الشمعدان اليهودي له سبعة أعمدة.. وأن العرب ليس عندهم إلا عمود الخيمة..
أهدي هذه السطور إلى الزاعقين ضد الطريق الاستراتيجية التي تمر على الجسر المستند إلى الجزيرتين «الُمباَعتين» من أجل شَد وشائج الوطن الممزق.

٭ كاتب من سوريا

عن الجزيرتين والجسر والملكية

غازي أبو عقل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية