عملية سرية بريطانية تستهدف منع الشبان المسلمين من السفر إلى سوريا ومواجهة دعاية «داعش»

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: لوحظ في الفترة الماضية تزايداً في النشاطات الدعائية ضد تنظيم «الدولة ـ داعش»، ومحاولات التصدي لروايته المنحرفة. ولا يخلو يوم من تقرير يظهر في الصحف البريطانية عن طريقة غسيل التنظيم لعقول الأطفال أو «أشبال الخلافة» وتحويلهم لقتلة حيث اعتمد تقرير الأسبوع الماضي في صحيفة «التايمز» على أزيدية قال إنها هربت من الرقة وتعيش مع ابنها في مخيم في كردستان وتأثر بأفكار الجهاديين.
وفي يوم الأحد نشرت صحيفة «إندبندنت» مقابلة مع جهادي ألماني تحدث فيها عن تجربته كمقاتل داخل صفوف التنظيم وكيف اكتشف الفجوة ما بين يدعو إليه الجهاديون في موادهم الدعائية والواقع الذي عاشه في الرقة.
وقال هاري سارفو المولود في ألمانيا ولكنه تربى وقضى حياته في بريطانيا أن المادة الدعائية للتنظيم هي «مبرمجة» «فعندما يتحدثون في أفلام الفيديو تشعر أنهم ينادونك، نحن هنا، إخواننا وأخواتنا يريدونك، فنحن من يجلب السلام والكرامة والشرف».
و»لكنها في الحقيقة كذب، فمعظم أشرطة الفيديو مبرمجة، ويطلب أشخاص من الأخرين القتل ولكنهم أنفسهم لا يقاتلون، إنها مثل فيلم كل واحد يلعب دوراً فيه».
وتمت المقابلة مع سارفو عبر محاميه حيث ينتظر المحاكمة في سجن في بلدته الألمانية بريمن. ويوم الإثنين نشرت صحيفة «الغارديان» مقابلة مع سيدة ألمانية مسلمة تحدثت فيها عن تجربتها في محاولة منع ابنها من السفر.
وهناك مسرحية في المسرح الوطني تعرض تجارب جهاديين ومشاعر أمهاتهم وتقوم على قصص من حي مولنبيك في العاصمة البلجيكية بروكسل وعنوانها «عالم آخر: كيف فقدنا أبناءنا لتنظيم الدولة» ولا يمكن فهم هذه التقارير والجهود إلا أنها جزء من محاولات منع الشباب من الإنضمام لتنظيم «الدولة».
مع أن معدلات السفر إلى مناطقه خفتت منذ العام الماضي بسبب إغلاق الحدود التركية مع سوريا والسياسات المتشددة لدول أوروبية خاصة بعد الهجمات التي نفذها جهاديون في فرنسا وبلجيكا وتركيا.

استراتيجية التوسع

ولم يفقد التنظيم زخمه بعد ولا قدرته الدعائية. وتبدو مكافحة دعاية تنظيم «الدولة» ضرورية بالنسبة للدول المتحالفة ضده. فقد أعلنت الولايات المتحدة الشهر الماضي عن حرب إلكترونية حرصت أن تعلن عنها في الإعلام.
وتنبع خطورة دعاية التنظيم من كونها قادرة على التكيف في كل مكان تتمدد فيه. فهي كما ترى دراسة نشرها مركز مكافحة الإرهاب في لاهاي/هولندا ونشر ملخصاً منها الشهر الماضي موقع «وور أون ذا روكس» وأعدها كل من دافيد غارنستاين- روس وناثلين بار وبيرجيت مورغين، تستفيد من الظروف المحلية والمظالم التي يعاني منها سكان المنطقة التي وصل إليها التنظيم وربطها بالمظالم الآخرى التي يعاني منها المسلمون من أجل خلق دعاية قوية ومؤثرة.
وكل هذا يقوم على قوانين اللعبة التي يتبعها الجهاديون وشعار «الدولة الإسلامية… باقية وتتمدد».
فهذا ليس شعاراً فقط ولكنه ضرورة، فشرعية وقوة التنظيم تقوم على استمراره في التوسع واستقطاب الجهاديين من كل انحاء العالم.
ومن هنا تلعب الدعاية دوراً في تعزيز أهدافه. وتقوم رسائله وهي مثيرة لإعجاب الأعداء على ثلاثة معالم وهي أن التنظيم أعاد الخلافة الإسلامية وأنه بالضرورة ممثل لكل المسلمين كما أنه قوة موحدة وخيمة جامعة للمسلمين أفضل من منافسه تنظيم «القاعدة».
ولهذا السبب استخدم التنظيم عدداً من الأساليب الدعائية لتعزيز روايته الدينية والتاريخية وإقناع المتعاطفين.
ففي دعايته، يظهر أنه منتصر دائماً، وهو قوي قادر على الضرب بيد من حديد وبوحشية فاقت أفعال أعدائه ومنافسيه. ويستخدم في كل هذا صوراً من معاركه وآراء الخبراء الدوليين فيه وما توافر من مواد عنه تظهر قوته.
ويضيف إلى هذا اسلوب الحط من قدر منافسيه، ففي مجلته «دابق» ملفات عن «القاعدة» وانحرافها والأخوان المسلمين وردتهم وغيرهم كثر.
ويعمل التنظيم في الوقت نفسه على دق إسفين الشقاق بين منافسيه وهذه هي نصيحة المتحدث باسمه أبو محمد العدناني.
ويعمل في دعايته على استغلال الإنقسام السنّي ـ الشيعي، كما وتقدم دعايته الجهاد في سوريا والعراق كفرصة للمغامرة وإثبات البطولة.
وتزرع الدعاية كذلك فكرة العداء بين عالم الإسلام والغرب ودعوة المسلمين الذين يعيشون فيه للثورة عليه أو الهجرة إلى «دار الخلافة».
وبناء عليه تتسم دعاية «داعش» بالتنوع وتحتوي على قدر واسع من السرديات وتحاول استقطاب كم واسع من الجماهير حول العالم. وفي الوقت نفسه تفصيل مقاس دعايته لتتلاءم مع الظروف المحلية وهو ما يعطيه الفرصة للإستفادة واستغلال مظالم السكان وتجييرها لصالحه.
ودعا الكتاب التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة لتبني استراتيجية دعاية «دولية» كي تدحض فكر التنظيم وتتصدى لجاذبيته.
ويعتمد نجاح الإستراتيجية المضادة على فهم الظروف السياسية والإجتماعية وبناء رواية مضادة تتصدى للمظالم الإجتماعية والعوامل الدافعة نحو التطرف.
وعلى التحالف التركيز على خسائر التنظيم الأخيرة في سوريا والعراق مما يعطي صورة أن «الخلافة» ليست باقية ولا تتمدد بل في حالة من الضعف.

استراتيجية بريطانية

ومع أن استراتيجية بريطانية حاولت الإستفادة من هذه الدروس إلا أنها تعرضت لانتقادات لأنها تذكر بالحرب الباردة وبسبب الطريقة التي حاولت من خلالها إيصال رسائلها الدعائية «لمنع المسلمين من السفر إلى سوريا»، فالسرية والخداع وطريق توصيل المنتج الدعائي للجمهور المستقبل تدعو للشك في نوايا الحكومة.
ونقصد هنا بجهود دعائية لمكافحة التطرف وهي غير برنامج الحكومة المعروف باسم «بريفنت» ويتركز حول مبادرات قامت بها وحدة سرية في وزارة الداخلية تحت اسم « وحدة البحث والمعلومات والإتصالات» (ريكو) حيث حاولت إصدار منتجات إعلامية وأفلام ومواد وثائقية وتوفير محتويات لبرامج إذاعية وللتويتر وفتح صفحات على الإنترنت لمواجهة دعاية «داعش».
ورغم تردد الحكومة بوصف استراتيجيتها بـ «الدعاية» وتفضل استخدام «استراتيجية الإتصالات» إلا أن الجمهور المقصود لم يعرف بأنه كان هدفاً لمواد الحكومة الدعائية حيث تمت التعمية على دور الحكومة. فقد أوكلت مهمة انتاج المواد لشركة «بريكثرو ميديا نيت وورك» ومقرها لندن.
وكشفت صحيفة «الغارديان» عن العملية السرية التي حاولت من خلالها الحكومة الدفع لـ «تغيير المواقف والسلوك» بين الشباب المسلم البريطاني وكجزء من برنامج مكافحة التشدد. وأضافت الصحيفة أن العمليات السرية تعكس القلق في دوائر الحكومة حول درجة الإقناع لدى تنظيم «الدولة»، ومن هنا قامت وحدة سرية في وزارة الداخلية بتطوير عملية كلفت عدة ملايين تقوم على توجيه رسائل مضادة لرواية تنظيم «الدولة»، «وبطريقة مكثفة وواسعة».
إلا أن الصحيفة حذرت من إمكان إثارة العملية غضب المسلمين وستدفعهم للشك ببرنامج مكافحة التطرف المعروف باسم «بريفنت» والذي يواجه الآن انتقادات واسعة.
وقامت الوحدة بالعمل تحت مبادرة أطلقت عليها «ساعدو سوريا» بهدف تقديم النصح حول كيفية دعم اللاجئين السوريين وأدارت لقاءات شخصية مع ألاف الطلاب الذين كانوا يشاركون في زيارات تعريفية بجامعاتهم قبل انتظامهم الرسمي ومن دون أن يعرفوا أنهم كانوا يشاركون في برنامج الوحدة.
ووزعت 760.000 ملصقا من دون أن يعرف من قرأها أنها جزء من حملة الإتصالات التي تقوم بها الحكومة ضد تنظيم «الدولة».
وقامت شركة «بريكثرو» بتحضير معظم المواد الدعائية من أشرطة فيديو إلى أفلام وصفحات «فيسبوك» ومواد للتويتر ومواد إذاعية لراديو على الإنترنت مثل «حقيقة داعش» و»ساعدوا سوريا».
كما ونظمت «بريكثرو» نقاشات في المدارس والجامعات وعملت مع المنظمات المجتمعية الإسلامية لنشر رسائل وحملات تحدي المتطرفين والتي طورتها الشركة كجزء من العقد مع حملة «ريكو».
وساعدت الشركة شركة أخرى للعلاقات العامة والتي روّجت لعملها في داخل منظمات العمل الإجتماعي والشعبية وبين الصحافيين.
ونقل عن موظف سابق في «بريكثرو» قوله إن الحملات التي صممتها الشركة تقوم على أهداف «ريكو» وأن الحكومة كانت تشرف على المواد. وكان هدف البرنامج هو نشر «اهداف بريفنت» واستهداف المسلمين خاصة الرجال في سن ما بين 15- 39 عاماً.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول بارز في وزارة الداخلية، دفاعه عن عمل وحدة ريكو، حيث «كل ما نحاول عمله هو منع الشباب من التحول لانتحاريين».
وترى لجنة الأمن والإستخبارات في البرلمان التي تقوم بالإشراف على عمل ريكو إن عملها هو عنصر هام في استراتيجية «بريفنت».
وأكد عدد من المسؤولين الحكوميين السابقين والعارفين بعمل ريكو أن المبادرة كانت جزءاً ضرورياً في جهود الحكومة لمواجهة دعائة تنظيم «الدولة».
ورفضوا الكشف عن هوياتهم لأن العمل الذي شاركوا فيه كان سرياً. واقترح مسؤول سابق أن الخداع الذي استخدمته الحكومة لإيصال رسالتها سيضر بعلاقتها مع المواطنين المسلمين.
ويرى النقاد أن برنامج تغيير المواقف والسلوك قد يدمر وبشكل خطير العلاقات بين الحكومة والمسلمين.
وعلّق عمران خان، محامي حقوق الإنسان الذي مثل عائلة الشاب ستيفن لورنس الذي قتل في لندن «إذا أرادت الحكومة أن يستمع لها الناس فيجب أن تحصل على ثقة المسلمين ويجب أن تكون صادقة، وما يحدث هو العكس فهو خداع».
و«بالإضافة لهذا فعلى الحكومة وقف نظرتها للشباب المسلم البريطاني وكأنهم طابور خامس يجب التصدي له».
وقالت فرانسيس ويبر، نائب رئيس معهد العلاقات العرقية أن البرنامج يقوم بإضعاف وليس تقوية عمليات مجتمعات العمل المدني الإسلامية حالة ظهر أن هذه الجماعات تعاونت مع برنامج الحكومة.
وقالت إن «المنظمات المجتمعية في ورطة، فهي إن رفضت الكشف عن دعم الحكومة لها فهي تخسر الثقة وإن كشفت عن دعم الحكومة فستخسر».
وقالت: «على الحكومة ان تسأل لماذا؟ والجواب هو ان نموذج «بريفنت» أصبح مشوهاً، فسياسة الحكومة تحاول إيصال أفكار وخطابات وأفكار وتحديد ما هو مقبول وغير هذا يعتبر مدعاة للجريمة».
وعبّر عدد من المسؤولين ممن لهم علاقة ببرنامج بريفنت عن شكوك في قدرة مبادرة «ريكو» وطريقة نشرها ويعتقدون أن بعض مبادرات بريفنت تم التفكير بها بطريقة فقيرة ولم تتعرض للتقييم «بريفنت لا تحقق نتائج» و«نعرف هذا أن بريفنت (تعني منع) لا تمنع «الإرهاب».
ووصفت مبادرة ريكو التي سجلت في سلسلة من الوثائق «ساعدوا سوريا» نفسها بأنها «تقديم الإرشاد والمشورة لأي شخص يريد جمع المال لمساعدة سوريا» وأنها «مصممة ويتم تنفيذها وإدارتها بالنيابة عن ريكو والخارجية و «للتأثير على النقاشات بين الشباب المسلم» وتخفيف الرغبة بالسفر إلى المنطقة. وضم فريق ريكو عدداً من خبراء علم النفس والإنثروبولوجيين وكذا مسؤولين في مكافحة الإرهاب وخبراء في استراتيجيات التسويق. وتقول شركة «بريكثرو» إن واحداً من الأهداف التي جعلتها تتعاون مع برنامج «ريكو» هو تشجيع «ولادة هوية مسلمة متصالحة مع نفسها».
وذهبت الشركة بعيداً في التعتيم على علاقتها مع وحدة ريكو الحكومية، فلم يتم تعيين عدد من الموظفين إلا بعد مرورهم بفحص أمني ويطلب من الموظفين الجدد التوقيع على اتفاق سري غير قابل للكشف.
وعرضت الشركة محو برامج الكومبيوتر بعد تقديم العمل لوزارة الداخلية واستخدام هواتف نقالة يمكن وقفها في حالة فقدت أو سرقت.
ويعتقد أن الشركة أخبرت المنظمات المجتمعية أن علاقتها مع وحدة ريكو ليست سرية والأمر يعود لها إن رغبت بالكشف عن الدعم الحكومي لها- أي الجمعيات.
ومع ذلك تظهر الوثائق التي شاهدتها صحيفة «الغارديان» أنه «من غير المحتمل أن تحظى مواد أو رسائل منسوبة للدولة بصدقية بين هؤلاء المشاهدين» وأن الكشف عن دور الدولة «سيترك أثراً سلبياً على سمعة المنتج وريكو وبريفنت ووزارة الداخلية».
وتقول مصادر إن بعض المواد تم فحصها على جماعات من الشباب المسلم من دون معرفتهم بعلاقتها ببرنامج بريفنت. ومن أهم المهام لوحدة ريكو هي مراقبة النقاشات على الإنترنت والتي تجري في مجتمعات تعتبرها عرضة للتطرف.
وبعد نشر المنتج يقوم فريق ريكو بمراقبة «منابر رئيسية» ولملاحظة «التحولات في طرق السرد». هذا على الجبهة الغربية أما في سوريا فهناك ظاهرة هروب من التنظيم.

السوريون يفرون

وفي مقال أعدته كل من مارا ريفكين طالبة الدكتوراه في جامعة ييل وأحمد مهيدي، الصحافي السوري ومحرر الصحيفة نصف الشهرية «عين المدينة» عن موجة هروب المقاتلين السوريين من تنظيم «الدولة».
وذلك بعد اكتشافهم المحسوبية والفساد داخل تنظيم يدّعي أنه يعامل الجميع بالتساوي ولكنه يحابي المقاتلين الأجانب من الأوروبيين والقادمين من الخليج.
ويتحدث الكاتبان عن قصة عمار، من دير الزور الذي كان يدرس القانون، عندما بدأت الإنتفاضة ضد بشار الأسد عام 2011. ودعم تنظيم «الدولة» عام 2014 بعدما انتقلت الثورة إلى حرب أهلية.
فـ «الخلافة» كما اعتقد في حينه هي القوة الوحيدة الكفيلة بتحدي نظام الأسد وإعادة الكرامة للشعب السوري والمسلمين بشكل عام.
وآمن كغيره أن تنظيم «الدولة» يرغب بتحقيق العدل والمساواة بين المسلمين. لكن توقعاته خابت عندما شاهد تصرفات المقاتلين في الواقع بدأ يتساءل عن صحة دعاوى التنظيم. وعليه قرر في كانون الثاني (يناير) 2016 الهروب بعدما تظاهر أنه ذاهب للقتال في العراق إلا أنه تسلل إلى تركيا حيث انضم لعدد كبير من السوريين الذين اكتشفوا حقيقة تنظيم «الدولة» ويرون أساليبه غير إسلامية ولا إنسانية.
ولا تتوافر معلومات حول الظاهرة إلا أن المئات من المقاتلين السوريين انشقوا عن التنظيم في آذار (مارس) وحده.
وانضم بعضهم للجماعات المعتدلة فيما قرر البقية التخلي عن القتال جملة وتفصيلاً واجتازوا الحدود إلى تركيا والأردن.
ورغم صحة ما يقوله عمار من تسيد العراقيين والأجانب المناصب القيادية إلا أن التنظيم يحتاج للسوريين في مجال الأمن وبناء علاقات مع المجتمع وعقد صفقات مع القبائل وإدارة المؤسسات وجمع الضرائب.
وعليه فزيادة أعداد المنشقين داخل التنظيم يضع أمامه تحديات كبيرة. والتقى الباحثان مع ثمانية من المنشقين السوريين في تركيا. وتكشف القصص التي جمعت صورة عن تنظيم يكافح من أجل السيطرة على عناصره.

دوافع الإنضمام

ويرى الكاتبان أن فهم دوافع الإنشقاق يقتضي أولاً الداوفع التي أدت بهم للإنضمام إلى التنظيم. فقد انضم بعض السوريين بدافع الإيمان بالأيديولوجية الهادفة لبناء دولة تحكم بالشريعة.
فبعد سنوات من الديكتاتورية والظلم كانت وعود الجهاديين بالسلام والإزدهار مقنعة بدرجة كبيرة لهؤلاء الشباب. وبحسب منشق من دير الزور «تزعم الولايات المتحدة والحكومات الغربية الأخرى أنها تقاتل الإرهاب.
ولكنهم يستخدمون الإرهاب لقتل المسلمين. و»داعش» هو المدافع والممثل للمسلمين في هذه المعركة بين الإسلام والغرب».
وهناك نوع ثان من العناصر وهم المطلوبون والمجرمون الهاربون والعناصر التي أسرت ووعدت بالعفو عنها إن اقسمت الولاء للتنظيم. وقابل الكاتبان مقاتلين إثنين انضما بعدما استسلمت فصائلهما للجهاديين.
أحدهما في دير الزور والآخر في الحسكة حيث منحا فرصة للإستتابة والتي قبلاها. وقال أحدهما إنه لم يؤمن أبداً بعقيدة «داعش» و»لكنني كنت عالقاً في المدينة ولا أستطيع الهروب وكنت أعرف أنني سأقتل إن لم أنضم. ولهذا انضممت حتى أنقذ حياتي وبعدها بدأت بالعمل على الهروب». وهناك نوع ثالث من العناصر التي دخلت التنظيم لأسباب اقتصادية. فسوريا اليوم لديها أكبر نسبة من العاطلين عن العمل في العالم العربي. ومن هنا يقدم تنظيم «الدولة» للمدنيين وعوداً بتوفير فرص العمل.
وبحسب الوثائق التي حصلت عليها القوات الأمريكية فالمقاتل يبدأ براتب 50 دولاراً ومعها 50 دولاراً لكل زوجة ورقيق و50 دولاراً عن كل والد أو شخص يعيله و 35 دولاراً عن كل ولد. وعليه فالراتب الإجمالي لكل مقاتل قد يراوح ما بين 400- 1.200 دولار في الشهر بالإضافة للعلاوات والمواد التموينية والوقود والغاز والسكن.
ويقول مقاتلون سابقون أن من لديهم مهارات وخبرة يحصلون على رواتب أعلى. ومقارنة مع هذه الرواتب يعطي الجيش السوري الحر جنوده 36 دولاراً في الشهر ومن دون مساعدات أخرى، أما جيش النظام فيصل راتب الجندي النظامي فيه إلى 63 دولاراً في الشهر فيما تعطي «جبهة النصرة» 100 دولار شهريا لمقاتليها. وقال أحد المنشقين أنه اضطر للعمل مع التنظيم كي يعيل 6 من شقيقاته ولم يكن قادراً على توفير الطعام لهن.
وعندما توقف النظام عن دفع الرواتب وانسحبت المؤسسات الإنسانية من دير الزور قضى أشهراً وهو يبحث عن عمل. ولهذا لم يكن أمامه أي خيار سوى الإنضمام «ولم أكن أسمح لنفسي ترك عائلتي تجوع» و«انضممت لأحمي أخواتي».
وهناك من نوع رابع انضم لاعتقاده أن الأسد هو التهديد الأكبر على سوريا ولأن تنظيم «الدولة» هو الجهة الوحيدة التي تقف ضده. وقال منشق قتل الأسد عائلته إنه دخل التنظيم «للإنتقام لها».
وقال إن معظم عناصر «داعش» هم من حمص، المدينة التي عانت من جحيم التنظيم. وأخيرا هناك نوع تعاون مع الجهاديين لانتهازيته والحصول على المال فقط.
ويتذكر منشق اسمه حسام حواراً جرى بين شيخ قبلي ومسؤول ديني في التنظيم كان يحاول إقناعه بالتعاون.
فرد زعيم القبيلة كيف تريدني الإنضمام لتنظيم يتعاون مع البلطجية واللصوص. فرد المسؤول الديني إنهم يعملون على إصلاحهم. ويرى حسام أن نسبة 80 في المئة من المقاتلين هم الرجال الأشرار.

أسباب الإنشقاق

وكما تعددت أسباب الإنضمام فقد تنوعت دوافع الإنشقاق، ومنها أن التنظيم يخسر المعركة «فهم في حالة ضعف مستمر» كما يقول منشق.
وهناك من ترك التنظيم لتخليه عن وعده بتدمير النظام الطاغوتي في دمشق ولأنه أصبح مستبداً نفسه. ويقول منشق من إدلب إنه اكتشف بعد انتمائه للتنظيم أنه خدع «شعرت وكأنهم كذبوا علي وأن تفسيرهم للإسلام لم يكن صحيحاً».
وارتبط خروج البعض بعد اكتشافه الفساد. فقد شعر خالد من دير الزور بخيبة الأمل عندما اكتشف الطريقة التي يعامل بها المقاتلون من الخليج وآسيا الوسط وأوروبا حيث كانت رواتبهم أعلى من السوريين.
وعوملوا كمهاجرين «ولو أراد مهاجر «آي فون» فما عليه إلا أن يطلبه من مكتبه ويوفر له من دون سؤال أو جواب».
وفي الوقت الذي يرفع فيه «المهاجرون» للمناصب العليا يتم إرسال السوريين للقيام بالمهام الصعبة خاصة من يشك بولائهم. ومن العوامل الأخرى التي دفعت على الإنشقاق هي استمرار اقتطاع الرواتب وهي قليلة في الأصل.
وبالنسبة للسوريين الذين انضموا إلى التنظيم لأسباب اقتصادية فراتب قليل لا يستحق المخاطرة.
وهناك من قرر ترك التنظيم خوفاً من نقلهم للقتال في جبهات بالعراق وليبيا. ورد الجهاديون على موجة الهروب بقتل من يحاول وهناك من حرق أو ترك يموت متجمداً.

عملية سرية بريطانية تستهدف منع الشبان المسلمين من السفر إلى سوريا ومواجهة دعاية «داعش»
«باقية وتتمدد» ليست شعاراً بل ضرورة للتوسع واستقطاب الجهاديين العالميين
إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية