من الصعب الكتابة، خصوصا الساخرة في أجواء محيط الدم، الذي يعيشه العالم العربي، وقد كان الدم في «حلب الشهباء» آخر عناوين خيط الدم الممتد في جغرافيا الشرق الأوسط.
الفضائيات الإخبارية، تعرض ما تنتقيه الأجندات، فللدم في إعلامنا العربي وجهات نظر!!
الفضائيات الأخرى «بضم الهمزة إن شئت»، مشغولة بالترفيه المشغول بعناية ليكون أشبه بمورفين عالي الكفاءة يحقن في أوردة المشاهد العربي.
من هنا، لا نجد في فضائنا محتوى ثقافيا أو أدبيا يرتقي إلى حجم الوجع، ومن هنا أيضا، أجدني مضطرا إلى مشاركة القارىء الكريم بما تيسر من شعر حقيقي لشاعر كبير هو السوري هاني نديم، وقد كتب على خلفية الدم السوري والفلسطيني…فأوجعني وهو يقول:
وكنتُ ثاني اثنين
إذ أنا في الغار
أنينٌ في مواجهة
أنينْ
نصفٌ سوريٌ
ونصفٌ من فلسطينْ
كنتُ معي
أنا… وأنا
من فُجعنا
ومثلُ كلِ المكسورين
أكلنا كلَّ المواجع…
فجِعنا!
كنت أضحكُ وأبكي
لم تبض حمامةٌ، ولا عشّشت عنكبوت
فقط، كان الثاني يمسحُ شعرَ الأولِ كيتيم
ويهمس له:
«لا تحزن… إن الله معنا».
ثورة التكنولوجيا البرلمانية الأردنية
فلنعترف أن عالم الإنترنت صار مدمجا مع عالم التلفزيون لنصبح أمام غزو فضائي تقني متقدم، يسيطر على حياتنا بالكامل.
قبل أيام، كنت في الطريق من مدينتي إلى مدينة بروكسل، وكانت زوجتي تقود السيارة، ووردتني رسالة من زميل وصديق تطلب مني أن أشاهد الآن قناة «بي بي سي» العربية، وقد كانت تعرض «وقتها» مداخلة لنائب أردني على الهواء على خلفية مشروع التعديلات الدستورية الأخيرة في الأردن.
بكبسات قليلة، كان الهاتف «الذكي كما يدعون» يعرض لي في بث مباشر حلقة الحوار تلك، والتي تابعت ما تيسر منها طوال الطريق صوتا وصورة، وأنا بين دهشة التكنولوجيا من جهة، ودهشة من المتحدث الذي يمثل «الأمة الأردنية» ما دام البرلمان بيت تلك الأمة.
المتحدث، الذي يفترض أنه يساري شيوعي سابق، وبملامح ناعسة توحي أنه حضر إلى الأستوديو وقد أيقظوه من غفوته في المجلس (السبات النهاري العميق من مميزات النواب الأردنيين)، كان يتحدث بمنهجية الأرجوحة المتحركة، بحيث أنني لم أفهم كيف استطاع «ببهلوانية» بديعة أن يمزج فكرة الديمقراطية بتعدديتها وحكم أكثريتها بفكرة صلاحيات الفرد الواحد؟
حديث هذا النائب المنتخب بصناديق الديمقراطية حسب المفترض، كان مدهشا أكثر من فكرة التقنية بحجم الكف في يدي، والتي تجعلني أتساءل؟ ماذا بعد تلك التقنية ظل ليتم اختراعه؟ شاشات عرض «هلوغرامية» في الفراغ؟
وقياسا… ماذا بعد بقي ليتم ابتكاره في المسيرة الديمقراطية الأردنية؟
نواب ممثلون للشعب أيضا «هلوغراميون» يتم تشكيلهم في مختبرات وزارة الداخلية؟
زمن سميرة توفيق
«سميرة توفيق في المستشفى»، هكذا الخبر، الذي تواترته المواقع والوكالات والنشرات الفنية وكان مصدره قريبة عائلية للفنانة الكبيرة.
اللحظة التي تلت قراءة الخبر كانت لحظة استرجاع في الذاكرة لذلك الزمن السابق للفضائيات والإفراج عن الأقمار الصناعية للعموم كي تنتشر تلك المحطات بكل ما تحتويه.
كانت سميرة توفيق وما تزال، أيقونة من أيقونات ذلك الزمن الجميل، وكان التلفزيون الأردني (أيام عافيته قبل شحوبه المرضي الأخير) صاحب الحظ الأوفر بتراث سميرة توفيق، التي غنت أكثر ما غنت التراث الأردني بالكلمات والألحان. أشهر ما في زمنها هو عشق كبار السن لها، فأغلب من أعرف لهم ذكريات مع أجدادهم الذين كانوا يتربصون الشاشات بحثا عن سميرة توفيق، التي أفسدت جيلا من «الختيارية» في المشرق العربي بغمزتها الشهيرة في كل أغنية تغنيها.
بلا تشفير
بينما… في زماننا هذا، والنشرات والمواقع ذاتها تفاجئنا بخبر وعناوين عريضة عن شقيقة هيفاء وهبي، التي تنازع هيفاء في أروقة القضاء اللبناني… وتصبح تلك المنازعات السمجة والتافهة حديث الإعلام. وفي السياق ذاته، ينشغل برنامج حواري في قناة «الجديد» اللبنانية، اسمه «بلا تشفير» بإثارة غضب حليمة بولند، وهي مخلوق نبت في أرض الكويت وتفرع في فضاء الخليج العربي كنجمة لا تفهم أي قيمة مضافة في نجوميتها، غير ترفيع نبرة الصوت إلى درجة حادة ومحتوى ليس فيه إلا ظهور فارغ ومبهرج بلا محتوى.
وبينما أقرأ تلك المواقع «الفنية» أتعثر بعنوان عريض مفاده «صوفيا شاهين اعتزلت». لأتساءل بكل حرج وخجل من كمية الجهل لدي، من هي صوفيا شاهين بلا مؤاخذة؟
سحقا للحنين، حيث أكتشف أن غمزة سميرة توفيق بحد ذاتها تساوي نصف المحتوى الإعلامي الراهن في عالم الترفيه.
«معزة بيت فستق»
اليوم، وأثناء كتابة المقال، أتابع على الهامش شاشة «أم بي سي»، وبرنامجها الأشهر «صباح الخير يا عرب».
المهم، وعلى طريقة «معزة بيت فستق» كانت سيدة الفكر القومي الرفيع جويل ضيفة البرنامج. كان الحديث الذي تنتظره الجماهير من الخليج إلى المحيط ما غيره (خصوصا لأهل الأرياف العربية)، عن مركزها التجاري الجديد في السعودية (حيث سمحت السلطات مؤخرا للمرأة أن تحصل على نسخة من عقد الزواج).
فقرة «إعلانية» كاملة على حساب الإعلام المفترض بثه للمشاهد، وقد سبقتها أسابيع ممنهجة من استضافات فريق عمل مراكز جويل للتجميل.
جويل لها برنامج كامل متكامل الإنتاجية الضخمة على الشاشة ذاتها، وهي الآن ضيفة فقرة على «صباح الخير يا عرب»… والحديث عن مراكز تجميل لها في العالم العربي، والفقرة كلها استغرقت الضيفة والمذيعين في الشكر وتبادل عبارات الترحيب والثناء… مثل «معزة بيت فستق»!
من هم بيت فستق «عائلة فستق»، الذين تذكرتهم وأنا أتابع الفقرة؟ هم عائلة من حلب، نشأ اسمها من امتلاكها لأراضٍ واسعة من أشجار الفستق في منطقة منبج، وفي قرية جبرين، والتي ذكرها د. صبري الطباخ في كتابه الشهير «أعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء»، والمثل الشهير «بكفي تعزو بعضكم متل بيت فستق». وهذا المثل نشأ عن شدّة الإحترام المتبادل والزائد عن الطبيعي بين أفراد العائلة قديماً، حيث تكثر عبارات المجاملة والترحيب بين أفرادها إلى درجة ذهبت بهم مثلا.
كاتب أردني يقيم في بروكسل
مالك العثامنة