أشبَعونا قتلا باسم الحرية… وقمعا باسم آل البيت

حجم الخط
10

نُكب شعب فلسطين، وتجرع كل المرارات التي ممكن للإنسان المقهور أن يتجرّعها، وهذا يعني أنك كفلسطيني ومثقف صرت حساسا لكل ظلم في كل زمان ومكان وتصطف تلقائيا ضده، فقد صرت تميّز بفطرتك بين المدّعي والحقيقي، ولا تنطلي عليك ألاعيب وأكاذيب اللصوص والطغاة وأذرعهم، وتدرك جيدا أنهم يستثمرون كل قضية حتى لو كانت حق التنفس لتثبيت حكمهم وطغيانهم، وهذا ما ذكره لك غسان كنفاني في قصصه منذ أكثر منذ ستة عقود، عندما يهتف الرجل البسيط بوجه مسؤول السلطة ولصوص شحنات الإغاثة في المخيمات» أنتم مشكلتنا، والطريق إلى فلسطين يجب أن تبدأ بالتخلص منكم».
أن تكون (مثقفا)! يعني أن لا تخدعك الشعارات، وترفض أي تبرير للظلم. عندما يصطف مثقف إلى جانب طاغية أو يلتمس مبررات وأعذارا لجرائمه تحت شعار «ما هو البديل» فقد سقط وصار واحدا من قطيع المُشبّحين. موقعك كمثقف ضد الظلم، بغض النظر عن تسمية هذا النظام أو ذاك، فأنت تعرف أن التسمية ليست مقياسا لجودة الحكم وعدالته، لقد أشبعونا كذبا وقتلا باسم الحرية والقومية والوحدوية والجماهيرية والشعبية والصمود بوجه الإمبريالية والصهيونية ومحاربة الرجعية، مثلما أشبعونا كذبا وقتلا باسم حماية الإسلام والمقدسات ورعايتها، بينما ينتهك الإنسان أقدس المقدسات، شبعنا ظلما وقتلا باسم الانتماء لشجرة آل البيت، تارة بعمامة سوداء وتارة ببيضاء أو خضراء، فكل هذا لأجل تثبيت الكرسي، ولو زار الرسول (ص) أحدهم في منامه وطالبه بالتخلي عن السلطة لأخيه، لكذب وقال إن الرسول بايعه للحكم مدى الحياة.
الطاغية مخلوق شرس وذكي، بل من أذكى المخلوقات، أو هكذا يبدو، فهو قد يكون إسلاميا أكثر من الإسلاميين في لحظة ما، ثم يتحول إلى غفاري ثم إلى ماركسي حتى تظنه رفيقا في خلية سرّية، ثم يتحول إلى واحد من آل البيت، ومستعد أن يعتمر عمامة باللون المطلوب، ثم إلى قومي متشدد، وقد تراه فيلسوفا علمانيا ثم صوفيا ودرويشا ثم ماويًا وهتلريا إذا اقتضت الحاجة، فهو مستعد لأن يكون كل هؤلاء، طالما أن هذا يخدم بقاءه في السلطة، هذا لا يعني أنه عبقري درس كل هؤلاء واستوعبهم، بل أن هناك «مثقفين» من البطانة يقدمون عقولهم وأقلامهم في خدمته.
ليس كل من يتعرض لضربات أو عقوبات أمريكية، ديمقراطيا وحارسا لمصالح شعبه، فقد تكون هذه خلافات بين اللصوص على الغنائم! قصف أمريكا لطالبان و»داعش» لا يعني أنهما حركتا تحرر، كذلك فإن أمريكا لا تفعل هذا لتحرّر شعبا ما، بل لأطماعها، ولو كانت تطمح لتحرير الشعوب لكان موقفها مختلفا في سورية مثلا، ولكانت علاقاتها ليست على ما يرام مع المملكة السعودية، أكبر منتج للإرهابيين في العالم، ولما دعمت الاحتلال الصهيوني أكبر منتج للمشاكل في المنطقة.
محاربة روسيا لـ»داعش» لا يعني أن «داعش» أبطال حرية، ولا يعني بالوقت نفسه أن روسيا نصيرة للشعب السوري، بل هي نصيرة لمصالحها، ولو بثمن إبادة مئات آلاف السوريين من داعشيين ومعتدلين وغير معتدلين. حصار أمريكا والغرب لإيران و(لكوريا الشمالية)، لا يجعل من إيران وكوريا منارتي حرية، بل هو صراع بين اللصوص! فهم في موقع ما أعداء ولكنهم في العراق حلفاء لتقاسم الغنيمة.
كذلك فإن عدم وجود علاقات دبلوماسية بين السعودية وإسرائيل لا يعني أن الديمقراطية في السعودية أوسع منها في مصر والأردن اللتين لهما علاقات مباشرة مع إسرائيل، وكونك تندد بإسرائيل من المغرب والأردن أو تعرب عن قلقك في مصر ولبنان عندما تعتدي إسرائيل على الأقصى وتوسع الاستيطان، لا يعني أن حُكمك عادل! إنها ليست سوى تصريحات من ضرورات تثبيت الحكم، وتسهيل مهمة السيطرة على الشعب وقمعه. كذلك فإن وجود حياة حزبية كبيرة وحرية اختيار وانتخاب في إسرائيل لا يعني أنها دولة لكل مواطنيها، ولا يلغي عنها صفة الدولة العنصرية المحتلة، التي مارست وتمارس جرائم حرب ضد شعوب المنطقة.
ببساطة إنها حروب بين اللصوص على الغنائم ومواقع ومناطق النفوذ. إنها أقرب إلى صراعات تجار السلاح والمخدرات، إنها تحالفات تتغير حسب المصالح لا توجهها مبادئ إنسانية، وفي المحصلة كلهم لصوص، فإذا خرج المواطن للنضال لأجل الحق والعدالة سيجدهم موحدين ضده، كل من زاويته ومصالحه.
بعد أكبر جرائم العصر الحديث في سوريا لا يحق لأي مثقف فلسطيني أو غير فلسطيني أن يبرر أو يتفهم ممارسات الطاغية، وإلا فقدت الثقافة معناها، تصبح جملا إنشائية خاوية من الصدق وليست سوى فقاعات عابرة. المثقف الحقيقي هو من يقف ضد الديكتاتور حتى لو كان هذا المثقف يخطئ بأوزان الشعر والإملاء والقواعد، وحتى لو كتب رواية أو قصة فاشلة، فهو أعمق ثقافة وأفضل بكثير من ملوك الكلام الذين يتجاهلون آلام الناس، ويثيرون نقاشات لا تنتهي حول إعراب كلمة أو جملة، ويتفننون في تعبيرات الحب للوطن والبكائيات على الشعب والتاريخ، بينما لا يكتبون كلمة واحدة في مواجهة الطغاة، بل والبعض يتواطأ معهم، الثقافة لغو باطل ما لم تكن في خدمة مصلحة الإنسان وكرامته أولا وأخيرا.

٭ كاتب فلسطيني

 

أشبَعونا قتلا باسم الحرية… وقمعا باسم آل البيت

سهيل كيوان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية