رئيس الوزراء التركي يغادر الحكومة بعد وصول الخلافات مع أردوغان إلى طريق مسدود

حجم الخط
6

إسطنبول ـ «القدس العربي»: نهاية متوقعة في نتيجتها، ومفاجئة في توقيتها، وصلت إليها العلاقة بين الرئيس التركي والمؤسس والزعيم الروحي لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا رجب طيب أردوغان، ورئيس وزراءه والرئيس الحالي للحزب أحمد داود أوغلو، بعد 20 شهراً في رئاسة الحكومة.
فلم يكن يتوقع أن يستمر نموذج الحكم الحالي بين الرئيس الملقب بـ«السلطان» والذي يؤمن بأنه القائد الأوحد للبلاد ويتملك كاريزما قيادية، ورئيس وزرائه البروفيسور المحنك سياسياً والذي يعتمد على الدبلوماسية في إدارة البلاد داخلياً وخارجياً، لكن الأمر المفاجئ هو توقيت ظهور الخلافات ووصولها إلى طريق مسدود بهذه السرعة.
وأمس الخميس، أعلن داود أوغلو عقب اجتماع للجنة التنفيذية للحزب الحاكم أنه قرر عقد اجتماع استثنائي للمؤتمر العام للحزب في الثاني والعشرين من الشهر الجاري، مؤكداً أنه لن يعلن ترشحه لرئاسة الحزب مجدداً، وشدد على حرصه على وحدة الحزب وتماسكه.
وعلى الرغم من أن داود أوغلو حاول خلال مؤتمره الصحافي التأكيد على عدم وجود خلافات عميقة مع أردوغان وطالب بعدم استغلال الحادث لبث الفرقة داخل الحزب، إلا أن هناك العديد من الأسباب دفعت أردوغان لاتخاذ قرار استبدال داود أوغلو ووضع حد لقيادته للحكومة والحزب الحاكم.

الصلاحيات داخل الحزب الحاكم

على الرغم من أن داود أوغلو هو الرئيس الفعلي المنتخب للحزب، ما زال الرئيس أردوغان يمتلك القوة الكافية للاستمرار بالتعامل كما أنه ما زال هو الرئيس الفعلي له، وذلك من خلال طغيان المقربين منه على مفاصل الحزب الأساسية لا سيما اللجنة المركزية، أهم وأعلى هيئة تنفيذية فيه.
ويستمر أردوغان في زعامة الحزب من خلف الستار على الرغم من أنه استقال من عضويته منذ انتخابه رئيساً للبلاد في آب/أغسطس عام 2014 انصياعاً للقانون التركي الذي يشترط على رئيس البلاد عدم الانتساب لأي حزب سياسي والوقوف على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية في البلاد.
وفي هذا الإطار ظهرت العديد من الخلافات بين أردوغان الذي يرى في نفسه «الزعيم الأوحد للحزب والبلاد» وبين وداود أوغلو الذي يسعى لتطبيق رؤيته في إدارة الحزب، خاصة وأنه بات يرى في نفسه زعيماً فعلياً له عقب تحقيق نتائج متقدمة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.
وبعد سلسلة خلافات طوال الأشهر الماضية، جاء الإجراء الأقوى من أردوغان عندما أوعز إلى اللجنة المركزية التي يسيطر عليها أنصاره بسحب صلاحية تعيين رؤساء المحافظات والمناطق والبلديات من رئيس الحزب (داود أوغلو) وإبقائها في يد اللجنة، وذلك عقب اتهامات لدواد أوغلو باتخاذ قرارات هامة في الحزب دون العودة إلى أردوغان أو المقربين منه.

صلاحيات الحكم في البلاد

منذ انتخابه رئيساً للبلاد، اعتبر أردوغان أن النظام الرئاسي مطبق فعلياً ولا يتحاج سوى إجراء تعديلات دستورية متسلحاً بكونه أول رئيس منتخب مباشرة من الشعب بعد أن كان ينتخب من خلال البرلمان، ومارس صلاحيات سياسية وتنفيذية أوسع من أي رئيس سابق للبلاد.
في المقابل كان أمام داود أوغلو إما التسليم بأنه رئيس وزراء إداري يطبق ما يُطلب منه من الرئيس أردوغان أو محاولة إثبات قوته والمحافظة على سلطاتها الأساسية، وفي هذا الإطار دبت الكثير من الخلافات، وتصاعدت كلما حقق داود أوغلو انجازات حكومية كانت تدفعه لتعزيز موقفه ومحاولة تعزيز سلطاته أمام طموحات أردوغان في الإشراف على كل شيء في البلاد.
فأردوغان الذي بات يترأس بشكل متكرر اجتماعات الحكومة ويتدخل في جميع سياسات الحكومة لم يعد يحتمل داود أوغلو الذي تزايدت طموحاته في إدارة البلاد على طريقته وبات يرى في نفسه قائداً وليس مجرد مديراً للحكومة، كما أن أردوغان أصبح يرى في دبلوماسية داود أوغلو إستراتيجية غير مناسبة في إدارة البلاد في مرحلة حساسة تمر فيها المنطقة بشكل عام.
ومؤخراً خرجت العديد من التصريحات والتسريبات عن وزراء في الحكومة وقيادات في الحزب الحاكم إن «السيارة الواحدة لا يمكن أن تسير بقائدين».

الخلاف حول الدستور والنظام الرئاسي

تصاعد الخلاف بين الزعيمين على خلفية البدء في النقاشات الداخلية من أجل كتابة دستور جديد للبلاد يسعى من خلال أردوغان إلى تغيير نظام الحكم إلى رئاسي من أجل تعزيز سلطاته، وهو ما يرى فيه أردوغان خطوة مهمة على طريق بناء ما يسميه «تركيا الجديدة».
لكن داود أوغلو لم يبد الحماس الكافي تجاه طموحات أردوغان هذه، ويقول محللون أتراك «من غير المعقول أن داود أوغلو سيدعم وسيروج لدستور يقلص صلاحياته ويجعله في منصب شكلي ويسحب منه جميع الصلاحيات التنفيذية»، وهو الأمر الذي أغضب أردوغان من رفيق دربه بشكل غير مسبوق.
وأبرز إشارة لوصول الخلافات على الصلاحيات بين الزعيمين إلى طريق مسدود، قول أردوغان خلال خطاب له قبل ثلاثة أيام إن «أي مسؤول يجب أن يعلم جيداً أنه جاء ليكون خادماً للشعب والأهم من ذلك أن يعلم جيداً كيف جاء إلى هذا المنصب»، في إشارة إلى أن أردوغان هو من دعم ترشيح داود أوغلو لرئاسة الحزب والحكومة آنذاك.
وفي اليوم التالي قال داود أوغلو في خطاب له أمام الكتلة البرلمانية للحزب: «لا أخشى سوى الله، لا ما يُكتب ويُقال عني، وأنا مستعد للتخلّي عن أي منصب، وأن أضحّي بنفسي في سبيل بقاء حزب العدالة والتنمية متماسكاً».

الحرب على «الكيان الموازي»

لفتت وسائل إعلام تركية خلال الأشهر الأخيرة إلى أن أردوغان «غير راض» عن حماس داود أوغلو في الحرب على جماعة الخدمة التي يتزعمها الداعية فتح الله غولن ويتهمه أردوغان بتشكيل «كيان موازي» للانقلاب على حزب العدالة والتنمية.
وأوضحت هذه المصادر أن أردوغان يعتبر معركته مع «الكيان الموازي» هي معركة حياة أو موت ويريد القضاء على كل مفاصل نفوذ الجماعة في الدولة التركية، وهو ما لا يؤمن به داود أوغلو بهذه القوة ويرى أنه يمكن محاربة قيادة الجماعة وأطرافها المؤثرة وليس جميع أنصارها الذين يقدرون بعشرات الآلاف وينتشرون في كافة مفاصل الدولة.
يذكر أن الرئيس السابق عبد الله غُل تعرض لحملة تشويه وتم تهميشه من الحزب على الرغم من أنه أحد مؤسسيه بفعل اتهامات وشكوك بتعاونه مع الكيان الموازي، وتم إزالة اسمه من قائمة المؤسسين على الموقع الرسمي للحزب، في حين يبدي البعض خشيته من تكرار هذا السيناريو مع داود أوغلو في حال حاول القيام بأي حراك سياسي مقبل بعد تنحيه عن رئاسة الوزراء.

نزع الحصانة عن النواب الأكراد

دفع أردوغان بقوة خلال الأسابيع الأخيرة من أجل رفع الحصانة البرلمانية عن نواب من حزب الشعوب الديمقراطي الكردي في مسعى لتقديمهم للمحاكمة وزج بهم في بالسجن الأمر الذي سيفتح الباب أمام إغلاق الحزب بتهمة دعم حزب العمال الكردستاني. لكن أوساط تركية قالت إن داود أوغلو فضل التمهل في هذه الخطوة خشية أن تؤدي إلى خلق مزيد من العنف في البلاد، حيث قتل الآلاف من المسلحين والمئات من المدنيين ورجال الأمن في الاشتباكات المتصاعدة منذ أشهر بين الدولة والمتمردين الأكراد.
وزاد غضب أردوغان على داود أوغلو عندما عبر الأخير عن رغبته في عودة المساعي السلمية والتفاوض مع المتمردين الأكراد، وهو ما يرفضه أردوغان منذ انهيار وقف إطلاق النار العام الماضي.

التعامل مع الغرب

سعى رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو خلال 20 شهراً من حكمه إلى تعزيز العلاقات مع الغرب بشكل عام والاتحاد الأوروبي بشكل خاص من خلال سياسة دبلوماسية ناعمة أثمرت خلال الأيام الأخيرة عن تقديم المفوضية الأوروبية توصية برفع تأشيرة الدخول عن المواطنين الأتراك الذي يريدون دخول منطقة «شنغن» وهو ما سعت أنقرة لتحقيقه منذ سنوات طويلة.
لكن وفي المقابل، يتبع أردوغان سياسة أكثر حدة مع الاتحاد الذي يهاجمه بقوة في جميع خطاباته، ووصل الأمر إلى أنصار الرئيس القوي لاتهام داود أوغلو بالتساهل مع الغرب، الذي يريد التآمر على أردوغان والإطاحة به، بحسب تعبيرهم.
ويقول مقربون من أردوغان إن داود أوغلو قاد مفاوضات اتفاق اللاجئين مع الاتحاد الأوروبي لوحده ودون العودة للرئيس أردوغان وهو ما فسر على أنه محاولة للخروج من عباءة الرئيس القوي.

الانتخابات المبكرة

في مقال له في صحيفة حرييت التركية، أمس الخميس، رأى «عبد القادر سيلفي» أحد أشهر الكتاب الأتراك أن إطاحة أردوغان بداود أوغلو هي خطوة أولى في طريق تغيير الدستور وتغيير نظام الحكم إلى رئاسي.
وتوقع الكاتب أن أردوغان يهدف إلى الذهاب إلى انتخابات برلمانية مبكرة معتقداً أن حزب العدالة والتنمية سيتمكن من الحصول على نسبة مرتفعة، مستغلاً تراجع نسبة تأييد حزب الشعوب الديمقراطي الكردي بسبب المعارك المتواصلة في البلاد، بالإضافة إلى الانقسام الذي يشهده حزب الحركة القومية، وبالتالي سيتمكن من كتابة دستور جديد دون الحاجة لدعم من أحزاب أخرى، والإمساك بجميع زمام الحكم في البلاد.
وفور إعلان رئيس الوزراء التركي وزعيم حزب العدالة والتنمية عقد اجتماع استثنائي للمؤتمر العام للحزب في الثاني والعشرين من الشهر الجاري، وتأكيده عدم نيته الترشح مجدداً لرئاسة الحزب، بدأت الأوساط السياسية والإعلامية التركية بطرح السؤال الأبرز، من سيخلف داود أوغلو؟
عدد من السياسيين وكُتاب الرأي ووسائل الإعلام أجمعوا على أن الخيارات تنحصر في 5 شخصيات من قيادات حزب العدالة والتنمية الحاكم من المقربين للرئيس رجب طيب أردوغان، وأن الحديث لا يدور عن انتخابات أو منافسة وإنما عن شخصية يختارها أردوغان ليتم التصويت لها ومنحها رئاسة الحزب وبالتالي رئاسة الحكومة.
أبرز وأوفر المرشحين حظاً لهذا المنصب هو وزير النقل والمواصلات السابق «بن علي يلدرم»، مواليد 1955، الذي يعتبر بمثابة صديق شخصي لأردوغان ويتمتع بثقة عالية عند الرئيس الذي يسعى لتعيين شخصية لا تخالفه الرأي وتساعده في إيصال البلاد إلى دستور جديد يضمن تغيير نظام الحكم في البلاد إلى رئاسي.
ويمتلك خبرة كبيرة في العمل الحكومي وكان محرك هام للحكومات المتتالية لحزب العدالة والتنمية منذ عام 2002، وتربطه علاقة بأردوغان منذ عام 1994، وكان العقل المدبر للعديد من المشروعات الضخمة التي قادتها البلديات التابعة للحزب، وتقول وسائل إعلام تركية: «بن علي يلدرم هو المحرك الخفي للسياسة التركية ويقود مستشاري الرئيس أردوغان بحكمة كبيرة».
والمرشح الثاني المطروح بقوة منذ اندلاع الأزمة، هو «بكير بوزداغ»، مواليد 1965، وزير العدل في الحكومة الحالية، والنائب في البرلمان لثلاث فترات وكان مستشاراً لأردوغان عندما كان رئيساً للوزراء، درس الأديان والحقوق، وهو أيضاً من الشخصيات المقربة من الرئيس أردوغان.
كما تطرح أسماء «يالتشن أقدوان» النائب في البرلمان ونائب رئيس الوزراء، و«نعمان كولتولموش» نائب رئيس الحكومة وهو سياسي مخضرم وأكاديمي وكاتب وهو مقرب من الرئيس أردوغان.
وعلى الرغم من أن عديد من وسائل الإعلام التركية تداولت إسم «بيرات البيرق» وزير الطاقة في الحكومة الحالية، وزوج ابنة الرئيس أردوغان لتولي المنصب، إلا أن العديد من المحللين استبعدوا هذا الخيار كونه قيادي شاب ولا ينتمي للجيل المؤسس في الحزب، وسيفتح الباب أمام انتقادات غير مسبوقة للحزب وأردوغان.

رئيس الوزراء التركي يغادر الحكومة بعد وصول الخلافات مع أردوغان إلى طريق مسدود

إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية