حملة (الإسلام = التطرف) الفاشلة ضد صادق خان

حجم الخط
12

مع انتخابه عمدة للندن سيكون مرشح الحزب العمالي صادق خان أكثر شخصية مسلمة مؤثرة في السياسة البريطانية وهو أمر قد يخفّف من وطأة موجة طامّة تزداد قوّة في بريطانيا (وأوروبا) تستهدف المسلمين ودينهم.
ومن المؤسف كثيراً أن مرشّح حزب المحافظين زاك غولدسميث (وقد دعمه في ذلك رئيس الوزراء ديفيد كاميرون) استخدم دين المرشح المنافس له كورقة سياسية في سباقه على منصب العمدة وذلك بإجراء ربط انتهازي بين كون خان مسلماً وبين متطرفين يتخذون الإسلام واجهة لتطرّفهم.
في رسالة موجّهة باسمه إلى أحد مواطني لندن من الأقلية السريلانكية (التاميل) وبعد فقرة تتحدث عن تعرّض بيوت التاميل للسرقة أضاف غولدسميث هذه الجملة الفظيعة: «حافظوا على شوارعكم آمنة من هجمات الإرهابيين»، في ربط فظ ومباشر بين صادق خان واللصوص و»الإرهابيين»، وهو ما تكرّر بأشكال متعددة مع أقلّيات أخرى، وهو ما اعتبرته محامية تتعاون مع منظمة «العفو» الدولية تأجيجاً ضمن هذه الأقليات لمشاعر الكراهية ضد خان من أجل كسب أصوات.
في حملته ضد صادق خان قام غولدسميث باستخدام كلمتي «متطرّف» و«خطر» وهما كلمتان المقصود منهما التلميح إلى العلاقة بين دينه وبين التطرّف، وهي استراتيجية اتبعها طوال حملته، وانضمت إليها شخصيات كبيرة في حزب المحافظين أمثال بوريس جونسون، عمدة لندن الحالي، وتيريزا ماي، وزيرة الداخلية، وهو ما استدعى ردوداً من شخصيات سياسية مسلمة مثل سعيدة وارسي، التي، رغم كونها من حزب المحافظين، قالت: «إذا كان خان ليس مسلماً مقبولاً كفاية للترشح لمنصب عمدة لندن فمن هو المسلم المقبول»، وكذلك من شازيا أوان، وهي أيضاً من حزب المحافظين، التي كتبت مقالاً شرحت فيه كم هي غاضبة من التكتيكات التي يتبعها حزبها فيما يخص السباق على منصب العمدة معتبرة ما يجري عنصرياً، وتنبّأت أن هذه السياسة ستؤتي نتائج عكسية تماما.
إضافة إلى هذا الربط المباشر بين دين خان والإرهاب فقد كان الموضوع الإسرائيلي حاضراً أيضاً عدة مرات في الحملة، ومن ذلك تصريح لغولدسميث يتهم فيه خان بوجوده في مواقع أشخاص يريدون «رمي إسرائيل في البحر»! (الطريف أن جدّ غولدسميث كان يهودياً وأن أخته، جمايما، كانت متزوجة من السياسي ولاعب الكريكيت الباكستاني الشهير عمران خان).
هذا الانخراط المزعج لحزب المحافظين في حملة انتخابية محمّلة بالإشارات ضد المسلمين والإسلام لا يفعل غير أن يرمي حطباً في نار النزاع الناشئ بين ضفتي البحر المتوسّط، وبين الغرب والعالم الإسلامي عموماً، والذي لعب التاريخ البريطاني الحديث دوراً كبيراً في تعزيزه.
لا يستطيع العالم الإسلامي أن ينسى، على سبيل المثال لا الحصر، الدور البريطاني الشهير في تأسيس دولة إسرائيل وتحطيم مستقبل ملايين الفلسطينيين الذين ما زالوا، منذ عام 1948 وما قبله يخوضون نزاعاً وجودياً مع المشروع الصهيوني.
كما لا يستطيع العراقيون والسوريون واللبنانيون والأردنيون نسيان دور بريطانيا في تشكيل بلدانهم وفي تأسيس مشاكلها اللاحقة التي لعبت، وما تزال، دوراً هائلاً في أزماتها الطاحنة وحروبها الأهلية، وهو الأمر نفسه الذي يمكن سحبه على قوس الأزمات الهائل من باكستان والهند مروراً بأفغانستان وإيران ووصولاً إلى المشرق العربي.
تتحمل بريطانيا، والعالم الغربيّ عموماً، تاريخياً، مسؤولية كبرى في طريقة تشكّل العالم الحديث وفي إشكالاته الهائلة، كما أنها تتحمل حاليّاً، جزءاً من مسؤولية الاستعصاء الكبير مع العالم الإسلامي، فالغرب في وضعيّة هائلة من القوة والنفوذ والغنى والمعرفة تسمح له ليس بقراءة دروس التاريخ فحسب، بل كذلك في الاستفادة من هذه الدروس بشكل يمكن أن يحقن دماء الملايين ويوفّر على العالم الكثير من الأزمات الطاحنة، لكنّ النخب الغربية، ولأسباب انتهازيّة بحتة، ما تزال تغرف من البئر نفسها، وتعيد الأخطاء القديمة ذاتها، من دون رغبة في الخروج من دوّامة الخطأ.

حملة (الإسلام = التطرف) الفاشلة ضد صادق خان

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية