الجزائر ـ «القدس العربي»: تعيش الجزائر هذه الأيام على وقع جدل جديد بخصوص علاقة الصحافة بالسلطة والمال، قضية عنوانها صفقة بيع مجمع «الخبر» الإعلامي الذي يضم صحيفة يومية وقناة إخبارية ومطبعة وشركة توزيع إلى رجل الأعمال إسعد ربراب الذي احتل المركز 15 بين أغنياء العرب في تصنيف السنة الماضية لمجلة «فوربس». فصفقة البيع تمت، وفي الوقت الذي كان فيه الفريق الجديد يستعد لتولي المسؤوليات في المجمع، قررت وزارة الإعلام رفع دعوى قضائية لإبطال الصفقة، بدعوى مخالفتها لقانون الإعلام، ما فتح الباب أمام ضجة كبيرة تجاوزت حدود البلاد.
القصة بدأت قبل أشهر، فمجمع «الخبر» الإعلامي بدأ يعرف متاعب مالية، حتى وإن كان يسجل أرباحا سنويا، لكن نسبة الأرباح تراجعت، كما أن القناة التي أنشأها المجمع أثقلت كاهله، دون أن تحقق الإقلاع المنشود لسببين، الأول هو أن سوق الإعلانات في الجزائر ضعيف، وثانيا لأن المساهمين في مجمع الخبر لم يضخوا أموالا كبيرة في القناة، إذ توقعوا أن تحقق نجاحا منذ البداية، لكنهم اكتشفوا، متأخرين، أن التلفزيون مسألة معقدة وتتطلب أموالا ضخمة، وهو الأمر الذي جعل الخلافات القديمة بين الشركاء تشتعل مجددا، خاصة وأن عددا منهم أراد ببساطة غلق القناة، لكن مديرها علي جري سعى نحو إتمام صفقة بفتح رأس مال القناة لرجل الأعمال عبد الوهاب رحيم، تبعا لما ينص عليه قانون السمعي ـ البصري غير المطبق بعد، على اعتبار أن قناة «الخبر» مثلها مثل 45 قناة خاصة ما زالت تعمل كقنوات أجنبية لديها مكاتب في الجزائر، خمس فقط معتمدة والبقية تعمل بطريقة غير قانونية متغاضى عنها، لكن عددا آخر من المساهمين لم ترضه هذه الصفقة، فقرروا أن يبيعوا كل شيء إلى رجل الأعمال إسعد ربراب، وهو ما تم فعلا بعد مفاوضات دامت بضعة أسابيع، وبمبلغ يقارب الـ40 مليون دولار.
السلطة التي كانت تراقب الصفقة من بعيد وبنوع من القلق، بسبب تخوفها من سيطرة رجال المال على وسائل إعلام، وخاصة لما يتعلق وسائل إعلام قوية وذات مصداقية، ورجال أعمال من خارج الدائرة التي تحيط بها (السلطة) قررت بمجرد أن تمت الصفقة وتم التوقيع على العقد رفع دعوى قضائية لإبطال الصفقة.
وزارة الإعلام التي تولت رفع الدعوى القضائية أمام المحكمة الإدارية، على أساس أن الصفقة مخالفة لمادتين في قانون الإعلام، الأولى تقول إن شخصا معنويا أو طبيعيا لا يمكنه أن يسير أو يمتلك إلا صحيفة واحدة، وأن رجل الأعمال ربراب يمتلك صحيفة «ليبرتي» (الصادرة بالفرنسية)، والثانية تؤكد أنه في حالة تغيير ملكية الصحيفة فلا بد من طلب اعتماد جديد.
القضية لم تناقش منذ البداية بطريقة قانونية، حتى وإن كان رجل الأعمال قد أكد أن الصفقة قانونية مئة في المئة، على اعتبار أنه ليس هو كشخص طبيعي من اشترى صحيفة «الخبر»، وإنما شركة «ناس برود» التي يمتلك أغلبية الحصص فيها، وأن صحيفة «ليبرتي»مملوكة أيضا لشركة أخرى هو مساهم فيها، وهي الحالة غير المنصوص عليها في القانون، لأن القانون يتحدث عن الشركة التي تمتلك أكثر من صحيفة أو الشخص الذي يمتلك أكثر من صحيفة، لكن سرعان ما تحولت القضية إلى سياسية. فصحيفة «الخبر» اتهمت السلطة أنها تسعى لاستغلال الفرصة لتوقيف صدورها، مشددة على أن الأمر يتعلق بمعركة حرية التعبير، وبسلطة تريد القضاء على آخر جيوب الصحافة المستقلة، حتى تبقي على صحافة خاضعة ومصفقة للسلطان.
أما رجل الأعمال إسعد ربراب فذهب بعيدا، عندما قال إن هناك مؤامرة تستهدفه هو شخصيا، وأن مشاريعه كانت دائما تتعرض للعراقيل في الجزائر، رغم أنها تخلق الثروة وتوفر مناصب عمل، بل ووصل حد القول إنه مستهدف لأنه من منطقة القبائل، وهو الأمر الذي أثار الاستغراب، فالنظام الجزائري كان دائما «ديمقراطيا في التسلط»، وأغلب الذين سيروه منذ الاستقلال هم من منطقة القبائل، وإذا كان ربراب يقول إنه يتعرض للإقصاء من طرف السلطة لأنه قبائلي، فهناك رجال أعمال آخرون من أصحاب الحظوة يستفيدون من كل التسهيلات والمزايا، وأولهم علي حداد رئيس منتدى المؤسسات الذي يمتلك أيضا جريدتين وقناتين تلفزيونيتين باسم شركة لا يوجد بها مساهم غيره.
القضية أجلت مرتين حتى الآن، وفي الجلسة الثانية تم تنظيم وقفة احتجاجية شارك فيها صحافيو وعمال «الخبر» وبدأت تأخذ أبعادا أخرى، بعد أن بدأت منظمات غير حكومية مثل الاتحاد الدولي للصحافيين تصدر بيانات تنديد بشأنها، حتى وإن حاولت وزارة الإعلام التأكيد على أن القضية قانونية، وأن هدفها ليس غلق الصحيفة كما يتم الترويج لذلك، وإنما الحرص على تطبيق القانون، ليبقى التساؤل قائما حول النهاية التي ستعرفها هذه القضية.