لندن ـ «القدس العربي»: دخلت الحريات الصحافية في مصر منحنى جديداً بعد الأزمة التي نشبت بين نقابة الصحافيين ووزارة الداخلية مؤخراً بسبب اقتحام قوات الشرطة لمبنى النقابة واعتقال اثنين من الصحافيين هناك، لتنشب بذلك أزمة عميقة تُعتبر الأكبر بين النظام والصحافة منذ عقود، وربما منذ تأسيس النقابة التي لم تتعرض في تاريخها للاقتحام من قبل قوات الأمن.
وكانت قوات من الشرطة المصرية اعتقلت كلاً من الصحافي عمرو بدر والصحافي محمود السقا من مكان اعتصامهما داخل نقابة الصحافيين، بعد أن اقتحمت المكان وهددت الحراس وأعضاء النقابة بأن من سيقاوم دخولهم سوف يتم اعتقاله هو الآخر، فيما كان كل من السقا وبدر قد لجآ إلى النقابة وقررا الاعتصام داخل مقرها لـ«التنديد بمداهمة قوات الأمن لمنزليهما» بعد إصدار نيابة أمن الدولة العليا قراراً بضبطهما وإحضارهما، بتهمة «التحريض على التظاهر في جمعة الأرض».
وأشعل اقتحام مبنى النقابة أزمة كبيرة في مصر، حيث سرعان ما ردت نقابة الصحافيين بالمطالبة بإقالة وزير الداخلية من منصبه رداً على إهانة الجسم الصحافي والتعدي عليه، فيما نظم الصحافيون عدداً من الوقفات الاحتجاجية التي طالبوا خلالها بمعاقبة المسؤولين على الاعتداء.
هل هي تضييق جديد؟
وفتحت الأزمة الباب مجدداً أمام الأسئلة بشأن الحريات الصحافية في مصر، وما إذا كانت هذه الأزمة تندرج في إطار التضييق على الحريات في البلاد ومحاولة تطويق وسائل الإعلام وتقزيم دورها في مصر، وهي الفرضية التي تداولها الكثير من الصحافيين والحقوقيين والمهتمين في مصر.
ويرى كثيرون أن النظام في مصر بدأ في التخلص من حلفائه تدريجياً واحداً تلو الآخر حتى لا يترك منافسين له، وهو ما ذهب إليه رئيس «المرصد العربي للحريات الصحافية» الكاتب والناشط الإعلامي المصري قطب العربي إذ قال إن «القمع الحكومي طال العديد من الشخصيات البارزة من معسكر 30 يونيو ولم يقتصر على الصحافيين من عناصر جماعة الإخوان المسلمين أو المتعاطفين معها».
ولفت في تصريحات لــ«القدس العربي» إلى أن النظام في مصر صعد من الأزمة مع الصحافيين عبر قمع الكثير منهم بمن فيهم شخصيات ليبرالية وأخرى معارضة لجماعة الإخوان مثل إسلام البحيري وأحمد ناجي وفاطمة ناعوت، وأضاف: «أصبح قطاع كبير من الصحافيين والإعلاميين يشعر أن معركة النظام لم تعد محصورة في جماعة الإخوان المسلمين وحلفائهم بل إنها معركة مع كل صوت معارض ومع حرية الصحافة لأن النظام لا يستطيع أن يتعايش مع صحافة حرة، فتصاعدت تبعاً لذلك الأصوات الصحافية الناقدة للنظام وتزايدت الانتقادات مع اكتشاف هؤلاء الصحافيين والإعلاميين لزيف الوعود الكبرى التي وعدهم بها السيسي وزاد النقد أكثر مع شعور الصحافيين بضعف النظام وعجزه عن حل المشاكل والتعامل مع الأوضاع الداخلية والخارجية».
ويقول اإن «الشُقة اتسعت بين النظام والصحافيين الذين كانوا في غالبيتهم من أهم داعميه، ووصل القمع إلى درجة كبيرة يوم 25 نيسان/أبريل باعتقال 47 صحافياً في يوم واحد، تلا ذلك اقتحام نقابة الصحافيين للمرة الأولى في تاريخها، وهنا شعر الصحافيون أن النظام يريد فرض هيمنته الكاملة عليهم وإعادتهم إلى بيت الطاعة، وشعروا أن مهنتهم مهددة بالفعل بل إن حياتهم ولقمة عيشهم مهددة مع استمرار خنق حرية الصحافة، وهو ما ينتج صحافة غير مقروؤة ينصرف الناسُ عنها وكذا المعلنون فتتعرض لأزمات مالية لا تمكنها من دفع رواتب العاملين فيها بل قد تلجأ الكثير من الصحف أو القنوات التلفزيونية إلى التوقف عن العمل أو الإغلاق التام».
استنفار صحافي
وبينما استنفرت نقابة الصحافيين من أجل الرد على الإجراء الحكومي، وطالبت بإقالة وزير الداخلية وإطلاق سراح أعضائها المعتقلين، فان الصحف المطبوعة ومواقع الانترنت الاخبارية بدأت حملة جماعية من أجل الاحتجاج.
وانعقدت الجمعية العمومية لنقابة الصحافيين الأسبوع الماضي لتنتهي إلى إعلان 18 مطلبا من نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي على رأسها إقالة مجدي عبدالغفار وزير الداخلية، واعتذار السيسي نفسه عن «جريمة اقتحام بيت الصحافيين وما أعقبها من ملاحقة وحصار لمقرها» إضافة إلى الإفراج عن جميع الصحافيين المحبوسين في قضايا النشر وإصدار قانون منع الحبس في قضايا النشر، فضلاً عن عدد من المطالب الأخرى.
وأعلنت معظم الصحف والمواقع الإخبارية الصحافية القومية والحزبية والخاصة التزامها بقرارات الجمعية العمومية لنقابة الصحافيين، بما في ذلك الامتناع عن نشر اسم وزير الداخلية ونشر صورته «نيغاتيف». ونشرت بوابة الأهرام الحكومية بياناً أكدت فيه التزامها الكامل بهذه القرارت ونشرت صورة وزير الداخلية «نيغاتيف» كما أعلنت صحف «الوطن» و»فيتو» و»المصريون» و»الشروق» وعدد من الصحف الأخرى إلتزماها بالقرارت، لتكون بذلك الصحف المقربة من نظام السيسي ذاته وأجهزته الأمنية قد انضمت إلى الحملة.
غضب على الانترنت
وأثارت عملية اقتحام قوات الشرطة لمبنى نقابة الصحافيين حالة من الغضب على الانترنت، حيث تصدرت حديث المغردين على «تويتر» والنشطاء على «فيسبوك» وانشغل العشرات من كتاب المقالات وأصحاب الرأي في التعبير عن احتجاجهم بمن في ذلك الكتاب في الصحف الحكومية، وحتى افتتاحياتها أيضاً.
وكتب الناشط مصطفى محمود عبد العزيز على «فيسبوك» قائلاً إن «الصحافة سلطة رابعة والقانون يكفل للصحافيين حق الحماية حتى يتمكنوا من انتقاد النظام الحاكم، واللي بيحصل من انتهاكات في حقهم ده لاول مره بيحصل في التاريخ».
أما حسن غباشي فكتب يقول: «لقد بدأت السلطة بالضرب تحت الحزام ولم يعد هناك حياء انتظروا المزيد والعاقبة عندكم في المسرات».
وكتب عبد الرحمن أحمد: «بدأنا بالنقابات وغداً زوار الفجر بالمنازل. أين العقل السياسي للحكومة لماذا هذه القبضة الأمنية القميئة لمجرد إبداء رأي؟ أن صنافير وتيران مصرية، إسمعوا الرأي الآخر ولا تعودوا بمصر للخلف عشرات السنين».
وكتب الإعلامي المعروف حمدي قنديل تغريدة على «تويتر» قال فيها إن «صمت المجلس النيابي على اقتحام نقابة الصحافيين له دلالة أسوأ من صمت الدولة» أما النائب السابق في البرلمان المصري حاتم عزام فكتب يقول: «على نقابة الصحافيين الدفاع عن حقوق كل الصحافيين وحرية الرأي دون تمييز وأولهم الصحافيون في سجون السلطة العسكرية الفاشية الآن بتهم مفبركة مماثلة».
وعلق الناشط وليد شرابي على أحداث نقابة الصحافيين بالقول: «تخيل القهر لو اقتحم بيتك اثنان بلطجية، الأول خطف ولادك، والتاني منعك تتكلم أو تستغيث!.. الداخلية اقتحمت نقابة الصحافيين ونائب عام السيسي قرر حظر النشر».
وفي السياق ذاته كتب الإعلامي في قناة «الجزيرة» جمال الريان: «حظر النشر هو أقصى ما تلجأ إليه الأنظمة الديكتاتورية، وما حظر النشر في واقعة اقتحام نقابة الصحافيين إلا كمن يغتصب الضحية ويطلب منها أن تصمت». وأضاف: «حظر النشر في واقعة اقتحام نقابة الصحافيين تكميم للأفواه وخنق لحرية الرأي والتعبير، وهي وصمة عار تلاحق النظام الديكتاتوري والسلطوي في مصر عالمياً». وكتب رئيس تحرير جريدة «المصريون» جمال سلطان تغريدة على «تويتر» يقول فيها: «بيان النائب العام الذي يدافع عن سلوك الداخلية صدر بعد ساعات قليلة من انتشار فضيحة مخطط الداخلية لمواجهة نقابة الصحافيين».
وكتب جمال عيد: «ماتخليش جريمة اقتحام نقابة الصحافيين تنسيك جريمة بيع تيران وصنافير ومتخليش تيران وصنافير ينسوك سجناء الرأي في مصر».
يشار إلى أن أزمة نقابة الصحافيين نشبت بالتزامن مع اليوم العالمي لحرية الصحافة، كما تأتي بعد فترة وجيزة من أوسع اعتقالات تطال الصحافيين في مصر منذ وصول السيسي إلى الحكم، حيث كان العشرات من الإعلاميين والمراسلين قد تعرضوا إلى الاعتقال والتوقيف ومنعوا من أداء عملهم يوم الخامس والعشرين من نيسان/ أبريل الماضي، عندما خرجت مظاهرات في بعض المواقع تحتج على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية.